وكل هَذَا فِي عَالم تَقِيّ ورع نقي يعْمل بِعِلْمِهِ وَلَا يقنع مِنْهُ باسمه بل يكذب نَفسه فِيهِ وَيُحِبهُ ويقتفيه فَمن لم يجد من نَفسه محبَّة الْعلم وأسبابه وَلَا يجد للْعلم ومطالعة كِتَابه لَذَّة تغلب لَذَّة نَومه وَطَعَامه وَشَرَابه فَإِنَّهُ لَيْسَ بفقيه وَإِن تسمى بِهِ وَلَا ينجب فِيهِ وَلَا يعد من أَصْحَابه
وَأنْشد إمامنا الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ونفع بِهِ وبعلومه آمين
(إِذا رَأَيْت شباب الْحَيّ قد نشأوا لَا يحملون قلال الحبر والورقا)
(وَلَا تراهم لَدَى الْأَشْيَاخ فِي حلق يعون من طيب الْأَخْبَار مَا اتسقا)
(فعد عَنْهُم وَاعْلَم أَنهم همج قد بدلُوا بعلو الهمة الحمقا)
[ ٢١٢ ]
وَإِنَّمَا يعد من أهل الْعلم من جد فِيهِ وَمهر وَترك سَائِر لذاته لَهُ وهجر واستلذ الْجُوع لأَجله والسهر لِأَنَّهُ كلما دخل روضا مِنْهُ تبدى لَهُ مَا هُوَ أحسن وأبرع فَهُوَ فِي رياضه وفنونه وبساتينه يرتع لَا يمل مِنْهُ وَلَا يقنع وَلَا يرْوى وَلَا يشْبع فَهُوَ كَمَا قيل
(يَا نسيم الرّيح قل لي للرشا لم يزدني الرّيّ إِلَّا عطشا)
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (منهومان لَا يشبعان طَالب علم وطالب دنيا وَلَا يستويان
أما طَالب الْعلم فَيَزْدَاد رضى الرَّحْمَن وَأما طَالب الدُّنْيَا فَيَزْدَاد فِي الطغيان)
رَوَاهُ الإِمَام الواحدي ﵀ فِي وسيطه وَأَبُو اللَّيْث ﵀ فِي تنبيهه
وَقد ورد لَا يشْبع عَالم من علم حَتَّى يكون منتهاه الْجنَّة وَلَفظ التِّرْمِذِيّ ﵀ فِيهِ لن يشْبع الْمُؤمن من خير سَمعه حَتَّى يكون منتهاه الْجنَّة
وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة ﵁ يَوْمًا لأَصْحَابه من أحْوج النَّاس إِلَى طلب الْعلم قَالُوا قل يَا أَبَا مُحَمَّد قَالَ لَيْسَ أحد أحْوج إِلَى طلب الْعلم من الْعَالم لِأَنَّهُ لَيْسَ الْجَهْل بِأحد أقبح بِهِ من الْعَالم
وَقَالَ
[ ٢١٣ ]
أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى وَابْن الْمُبَارك ﵏ لَا يزَال الرجل عَالما مَا طلب الْعلم فَإِذا ظن أَنه قد علم فقد جهل
وَقَالَ سعيد بن جُبَير ﵀ لَا يزَال الرجل عَالما مَا تعلم فَإِذا ترك التَّعَلُّم وَظن أَنه قد اسْتغنى وَاكْتفى بِمَا عِنْده كَانَ أَجْهَل مَا يكون وَقيل لبَعْضهِم من مَتى التَّعَلُّم وَإِلَى مَتى قَالَ من المهد إِلَى اللَّحْد
وَقَالَ ﷺ (كل صَاحب علم غرثان إِلَى علم)
رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم ﵁
وَأَن الْعلمَاء كلهم والحكماء من الْمُتَأَخِّرين وَمن سبقهمْ من القدماء هم الَّذين يَجدونَ للْعلم لَذَّة تفوق سَائِر اللَّذَّات ويحقرون عِنْدهَا لَذَّة الْمُلُوك وَسَائِر الطَّيِّبَات فيعكفون على إدمان النّظر فِيهِ والمطالعات ويأنسون بالمذاكرة فِيهِ وَكَثْرَة المراجعات ويرون أنسهم بذلك خيرا من أنس النديم وألذ من الرَّحِيق الْمَخْتُوم الَّذِي ختامه مسك ومزاجه من تسنيم وَفِي ذَلِك أنْشد إمامنا الشَّافِعِي ﵁ أَمِين
[ ٢١٤ ]
(لمحبرة تجالسني نهاري أحب إِلَى من أنس الصّديق)
(ورزمة كاغد فِي الْبَيْت عِنْدِي أحب إِلَيّ من عدل دَقِيق)
(ولطمة عَالم فِي الخد مني أحب إِلَيّ من شرب الرَّحِيق)
وَقَالَ الشَّافِعِي ﵀ أَيْضا
(إِن صَحِبنَا الْمُلُوك تاهوا علينا واستبدوا بِالرَّأْيِ دون الجليس)
(أَو خدمناهم بِقَبض وَبسط كَانَ أدعى إِلَى دُخُول الحبوس)
(أَو صَحِبنَا التُّجَّار عدنا إِلَى اللوم وصرنا إِلَى حِسَاب الْفُلُوس)
(أَو لزمنا السِّلَاح نبغي بِهِ الْعِزّ تعدى إِلَى احترام النُّفُوس)
(فلزمنا الْبيُوت نتَّخذ الحبر ونطلي بِهِ وُجُوه الطروس)
[ ٢١٥ ]
(ونناجي الْعُلُوم فِي كل فن عوضا عَن منادمات الكؤوس)
وَأنْشد الإِمَام أَبُو مُحَمَّد اليحيوي لنَفسِهِ فِي مَسْجده بِمَدِينَة دَار السَّلَام بَغْدَاد
(إجعل كتابك كالصندوق تفتحه فتأخذ المَال مِنْهُ ثمَّ تطبقه)
(فَالْمَال يذهب فِيمَا لَا التذاذ بِهِ وَالْعلم يبْقى وَيبقى فِيك رونقه)
(فِيهِ الْجمال على التَّأْبِيد تلبسه وَهُوَ الَّذِي للسان العي ينطقه)
وَعَن عَليّ كرم الله وَجهه أَنه قَالَ الْكتب جلاء الْقُلُوب ومسلاة الهموم ولنعم الصاحب الْكتاب فِي الْحَضَر السّفر
وَقَالَ بهاء الدّين ابْن حمدون ﵀ وجدت الْكتاب خير صَاحب وقرين وَأفضل رَفِيق وخدين لَا يخون وَلَا يَمِين وَلَا يماكر وَلَا يناكر وَلَا يَعْصِي وَلَا ينافر مَأْمُون الهفوة والزلة مَحْمُود الْخلْوَة والخلة فَهُوَ لمن وفْق للاعتزال أسلم خَلِيل وَأكْرم
[ ٢١٦ ]
أَخ بر وُصُول
وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي ﵀ فِي الْكتب
(لنا جلساء لَا يمل حَدِيثهمْ ألباء مأمونون غيبا ومشهدا)
(فَلَا فتْنَة نخشى وَلَا سوء عشرَة وَلَا نتقي مِنْهُم لِسَانا وَلَا يدا)
(يفيدوننا من علمهمْ علم مَا مضى وعقلا وتأديبا ورأيا مُسَددًا)
(فَإِن قلت أموات فلست بكاذب وَإِن قلت أَحيَاء فلست مفندا)
وَكتب بعض الْأَعَاجِم على خزانَة كتبه مَا هَذِه صورته
(إِذا مَا خلا النَّاس فِي دُورهمْ بِخَمْر سلاف وخود كعاب)
(وآنسهم حَسَنَات الليال بعز الندامى وزهر الصحاب)
(خلوت وصحبي كتب الْعُلُوم وَبَيت عروسي بَيت الْكتاب)
[ ٢١٧ ]
(ودرس الْعُلُوم شراب الْعُقُول فدوروا عَليّ بِذَاكَ الشَّرَاب)
(وَمَا يجمع الْمَرْء فِي دهره سوى الْعلم يجمعه للتراب)
وَقَالَ غَيره عَفا الله عَنهُ آمين
(فِي كل شَيْء لَذَّة تشْتَهى وَلَذَّة الْعَالم فِي كتبه)
(وَكلما قَلبهَا زَاده تقليبها لبا إِلَى لبه)
وَقَالَ آخر عَفا الله عَنهُ
(أنست إِلَى التفرد طول عمري فَمَالِي فِي الْبَريَّة من أنيس)
(جعلت محادثي ونديم نَفسِي وأنسي دفتري بدل الْعَرُوس)
وَقيل لأبي بكر الْخَوَارِزْمِيّ ﵀ عِنْد مَوته مَا تشْتَهي قَالَ النظرة فِي حَوَاشِي الْكتب
وَقَالَ غَيره الْكتب بساتين الْعُقَلَاء وَأنْشد بَعضهم
[ ٢١٨ ]
(إِذا مَا خلوت من المؤنسين جعلت المؤانس لي دفتري)
(فَلم أخل من شَاعِر محسن وَمن عَالم صَالح مُنْذر)
(وَمن حكم بَين أَثْنَائِهَا فرائد للنَّاظِر المفكر)
وَقَالَ المتنبي
(أعز مَكَان فِي الدنا سرج سابح وَخير جليس فِي الزَّمَان كتاب)
وَقيل لعبد الله بن الْمُبَارك ﵁ أتجلس فِي الْبَيْت وَحدك وَلَا تجْلِس مَعنا قَالَ مَا أصنع مَعكُمْ أَنْتُم تغتابون النَّاس مَا أَجْلِس إِلَّا مَعَ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ﵃ يُرِيد مطالعة أخبارهم وَالنَّظَر فِي سيرهم وآثارهم
قَالَ الْمُقْرِئ أَبُو الْحسن السخاوي ﵀ فِي خطْبَة كتاب الْوَسِيلَة لَهُ مَتى أردْت مجالسة إِمَام من الْأَئِمَّة الماضين فَانْظُر إِلَى كتبه الَّتِي صنفها ومجموعاته الَّتِي ألفها فَإنَّك تَجدهُ لَك مُخَاطبا ومعلما ومرشدا ومفهما فَهُوَ حَيّ من هَذِه الْجِهَة ومرشد من هَذَا الْجَانِب وَأنْشد بَعضهم
[ ٢١٩ ]
(لَذَّة الْعَيْش أَن تكون مكبا أَبَد الدَّهْر نَاظرا فِي كتاب)
(إِنَّمَا الْكتب نزهة وبساتين وفيهَا فكاهة الْأَلْبَاب)
(فاعص من لَام فِي الحَدِيث وَفِي الْكتب فَفِيهَا معادن الْآدَاب)
وَقَالَ آخر
(وَلكُل صَاحب لَذَّة متنزه أبدا وَلَذَّة عَالم فِي كتبه)
[ ٢٢٠ ]