وَقد بَين رَسُول الله ﷺ أَن الْعلمَاء ثِقَات عدُول وأوضح بقوله ﵇ (يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عدوله ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وَتَأْويل الْجَاهِلين)
// وَهَذَا حَدِيث حسن مَشْهُور // وَهُوَ فِي كتب الْأَئِمَّة مُسْند مَذْكُور
فَأخْبر ﷺ أَن حَملَة الْعلم فِي كل أَوَان هم عدُول أهل ذَلِك الْقرن وَالزَّمَان
وَلَا شرف أشرف من تَعْدِيل رَسُول الله ﷺ وَشرف وكرم ومجد وَعظم
قَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ ﵀ فِي أول كتاب التَّهْذِيب وَهَذَا إِخْبَار مِنْهُ ﷺ بصيانة الْعلم وعدالة ناقليه وَأَن الله تَعَالَى يوفق فِي كل عصر خلفاء
[ ٤٠ ]
من الْعُدُول يحملونه وَهَذَا تَصْرِيح بعدالة حامليه
هَذَا كَلَامه ﵀ عقب ذكره هَذَا الحَدِيث وَمَا عَسى أَن يَقُول ذَوُو الْحَسَد والفضول بعد تَعْدِيل الرَّسُول لحملة الشَّرْع الْمَنْقُول
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (الْأَنْبِيَاء قادة وَالْفُقَهَاء سادة ومجالستهم زِيَادَة)
ذكره الْقُضَاعِي فِي شهابه والخطيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه
وَمن عدله رَسُول الله ﷺ فَمَا أَن يُبَالِي بذم النَّاس وَلَا بِمَا جرى عَلَيْهِ من باس
وَلَا يسؤوه لومة لائم وَلَا يشينه شتم شاتم وَلَا يضرّهُ هضم هاضم إِن شَاءَ الله وَله الْحَمد على مَا أنعم من قبل وَمن بعد
وَأنْشد الإِمَام أَبُو الْحسن التَّمِيمِي من أَصْحَاب الشَّافِعِي ﵏
(عَابَ التفقه قوم لَا عقول لَهُم وَمَا عَلَيْهِ إِذا عابوه من ضَرَر)
(مَا ضرّ شمس الضُّحَى فِي الْأُفق طالعة أَن لَا يرى ضؤها من لَيْسَ ذَا بصر)
[ ٤١ ]
كَذَا ذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي كتاب الطَّبَقَات لَهُ وَزَاد بَعضهم بَيْتا وَهُوَ
(وَمَا يضر بِأَهْل الْعلم ماقتهم إِلَّا كضر نباح الْكَلْب بالقمر)
فَالْعُلَمَاء هم الحافظون لكتاب الله القائمون بشرع رَسُول الله ﷺ وهم الموضحون لحكم الله وهم الناصرون لدين الله وهم الْمَأْمُور بِلُزُوم جَمَاعَتهمْ وَترك مفارقتهم ومنازعتهم
قَالَ الإِمَام البُخَارِيّ ﵀ فِي كتاب الإعتصام من جَامعه أَمر رَسُول الله ﷺ بِلُزُوم الْجَمَاعَة وهم أهل الْعلم
هَذَا لَفظه
وَفِي سنَن أبي دَاوُد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من فَارق الْجَمَاعَة شبْرًا فقد خلع ربقة الْإِسْلَام من عُنُقه) وَنَحْوه فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضا
وَقَالَ ﷺ (من أَرَادَ بحبوحة الْجنَّة فليلزم الْجَمَاعَة)
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ // حَدِيث حسن صَحِيح //
وَرُوِيَ أَيْضا أَنه ﷺ قَالَ (يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة)
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى (يَد الله على
[ ٤٢ ]
الْجَمَاعَة وَمن شَذَّ شَذَّ فِي النَّار)
وَقد سبق أَن الْجَمَاعَة هم الْعلمَاء رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم
وَالْعُلَمَاء أَيْضا هم المسمون فِي كتاب الله أهل الْأَمر الْمَأْمُور بطاعتهم فِي السِّرّ والجهر قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ أولُوا الْأَمر الْعلمَاء حَيْثُ كَانُوا
وَكَذَا قَالَه جَابر وَمُجاهد وَعَطَاء وَالْحسن وَالضَّحَّاك وَالْمبَارك بن فضَالة وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد رَحِمهم الله تَعَالَى ذكره الثعالبي وَغَيره
وَقَالَ الواحدي ﵀ أولُوا الْأَمر الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء
وَقَالَ الثعالبي ﵀ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم﴾ إِنَّهُم حَملَة الْفِقْه وَالْحكمَة
حَكَاهُ عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس ﵃
وَقد قيل فيهمَا غير ذَلِك لَكِن هَذَا هُوَ الْأَصَح
[ ٤٣ ]
وَقَالَ ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن ﵀ النَّاس عِنْد عُلَمَائهمْ كالصبيان فِي حجور أمهاتهم مَا أمروهم بِهِ ائْتَمرُوا وَمَا نهوهم عَنهُ انْتَهوا
رَوَاهُ عَنهُ أَبُو نعيم فِي كتاب حلية الْأَوْلِيَاء
وروى الثعالبي ﵀ بِإِسْنَادِهِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (اعْمَلُوا بِالْقُرْآنِ أحلُّوا حَلَاله وحرموا حرَامه وآمنوا بِهِ وَمَا اشْتبهَ عَلَيْكُم فَردُّوهُ إِلَى الله وَإِلَى أولي الْعلم من بعدِي كَيْمَا يُخْبِرُوكُمْ بِهِ وآمنوا بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَمَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلْيَسَعْكُمْ الْقُرْآن وَمَا فِيهِ من الْبَيَان فَإِنَّهُ شَافِع مُشَفع وَمَا حل مُصدق وَإنَّهُ بِكُل حرف نور يَوْم الْقِيَامَة)
فَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن المشتبه مَرْدُود إِلَى أهل الْعلم دون غَيرهم وَكفى بِهِ شرفا وتنبيها على فَضلهمْ وَالله الْمُوفق سُبْحَانَهُ
والأكابر من الْعلمَاء هم ركن الدّين وأصاغرهم غرس الدّين
وروى الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ ﵀ فِي كِتَابه عَن ابْن الْمُبَارك ﵀ أَنه كَانَ إِذا رأى صبيان أهل الحَدِيث فِي أَيْديهم المحابر يقربهُمْ وَيَقُول هَؤُلَاءِ غرس الدّين أخبرنَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
[ ٤٤ ]
(لَا يزَال الله سُبْحَانَهُ يغْرس فِي هَذَا الدّين غرسا يشد بهم الدّين هم الْيَوْم أصاغر ويوشك أَن يَكُونُوا كبارًا من بعدكم)
وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ أَيْضا عَن عبد الْعَزِيز بن أبي راود ﵁ أَنه نظر إِلَى شَاب وَفِي يَده محبرة فَقَالَ هَذِه قناديل الْإِيمَان وأعلام الْمُتَّقِينَ
يَعْنِي قَارُورَة الحبر قَالَ وَأنْشد بَعضهم فِي المحبرة
(قناديل دين الله يسْعَى بحملها رجال بهم يحيى حَدِيث مُحَمَّد)
(هم حملُوا الْآثَار عَن كل عَالم تَقِيّ صَدُوق فَاضل متعبد)
(محابرهم زهر تضيء كَأَنَّهَا قناديل حبر ناسك وسط مَسْجِد)
(تساق إِلَى من كَانَ فِي الْفِقْه عَالما وَمن صنف الْأَحْكَام من كل مُسْند)
فَكل هَذِه نُصُوص متظاهرة تدل على شرفهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فسيحرق ماقتهم بنارهم فَإِنَّهُم خدم شَرعه وسنته وهم الموصلون لَهما إِلَى أمته وَقد قَالَ الإِمَام أَبُو الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر ﵀ فِي بعض رسالاته
[ ٤٥ ]
مَا هَذِه صورته اعْلَم يَا أخي وفقنا الله وَإِيَّاك لمرضاته وَجَعَلنَا مِمَّن يخشاه ويتقيه حق تُقَاته أَن لُحُوم الْعلمَاء مَسْمُومَة وَعَادَة الله فِي هتك أَسْتَار منتقصهم مَعْلُومَة
وَأَن من أطلق لِسَانه فِي الْعلمَاء بالثلب بلاه الله قبل مَوته بِمَوْت الْقلب ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾
وَكَذَا حَكَاهُ عَنهُ الإِمَام النَّوَوِيّ رحمهمَا الله فِي كتاب التِّبْيَان
وَأي مُصِيبَة أعظم من موت الْقلب الَّذِي هُوَ دَلِيل على غضب الرب سُبْحَانَهُ فَإِن الَّذِي مَاتَ قلبه لَا يخشع وَلَا فِيهِ المواعظ قطّ تنجع وَإِذا تليت عَلَيْهِ آيَات ربه أصر مستكبرا كَأَن لم يسمع
فبشره بِعَذَاب أَلِيم وخطب عَظِيم جسيم
حِين قسا قلبه وران عَلَيْهِ ذَنبه نسْأَل الله الْعَافِيَة لنا وَلِجَمِيعِ الْمُسلمين وَأَن يوفقنا لطاعته أَجْمَعِينَ وَأَن يجعلنا من الخاشعين المتعظين
وَأنْشد بَعضهم فِي معنى مَا قَالَه ابْن عَسَاكِر ﵀ شعرًا يَقُول فِيهِ
(وتجنب الْعلمَاء وَإِن هم خلطوا فالعلم يغْفر زلَّة الْعلمَاء)
[ ٤٦ ]
(فلحومهم مَسْمُومَة وبأكلها يخْشَى هَلَاك الشّعْر وَالشعرَاء)
قَالَ الإِمَام السهروردي ﵀ فِي أول كتاب عوارف المعارف والعالم وَإِن لم يعْمل بِعَمَلِهِ ترجى لَهُ التَّوْبَة فَإِن الْعلم فِي الْإِسْلَام لَا يضيع أَهله ويرجى عود الْعَالم ببركته
هَذَا كَلَامه ﵀
فالعالم وَإِن لم يكن بِعِلْمِهِ عَاملا فَإِن لَهُ شرف الْعلم إِذْ صَار لَهُ حَامِلا وحامل الشَّيْء الشريف قد شرف بِمَا حمل وَمن أحب شَيْئا أحب حامله وَإِن لم يكن حامله حسن الْعَمَل
وَقد شبه النَّبِي ﷺ من أُوتِيَ الْقُرْآن وَلم يقم بِهِ بجراب أوكي على مسك
فِي حَدِيث أخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ رحمهمَا الله فِي سُنَنهمَا
وَهَذَا الْمثل من أشرف الْأَمْثَال الْمعرفَة لَك بأحوال الرِّجَال فكم بَين من حمل الْمسك الموكى وَبَين من حمل قذرا من النوكى
وَفِي الحَدِيث (اتَّقوا زلَّة الْعَالم وَلَا تقطعوه وَانْتَظرُوا فيئته)
ذكره السهروردي فِي عوارفه أَيْضا وَفِي حَدِيث رتن المعمر الْمَشْهُور عَن النَّبِي ﷺ
[ ٤٧ ]
قَالَ تبرك بالعالم إِن عمل وَإِن لم يعْمل فتبرك بِهِ فللعالم حُرْمَة الْعلم الشريف وَإِن لم يعْمل ويرجى لَهُ ببركة الْعلم صَلَاحه فِي الْمُسْتَقْبل وَمن أحب عَالما لأجل الْعلم الَّذِي فِي قلبه وَلم ينظر إِلَى مَا يتخيل من زلته وذنبه فقد أدّى مَا يجب من حق الْعَالم لأجل ربه فقد قَالَ النَّبِي ﷺ (من أحب الْعلم وَالْعُلَمَاء لم تكْتب عَلَيْهِ خَطِيئَة أَيَّام حَيَاته وَمن مَاتَ على محبَّة الْعلم وَالْعُلَمَاء فَهُوَ رفيقي فِي الْجنَّة)
وَقَالَ (من أحب طَالب الْعلم فقد أحب الْأَنْبِيَاء وَمن أحب الْأَنْبِيَاء كَانَ مَعَهم وَمن أبْغض طَالب الْعلم فقد أبْغض الْأَنْبِيَاء وَمن أبْغض الْأَنْبِيَاء فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم)
وَقَالَ ﵇ (من حقر عَالما فَهُوَ مُنَافِق مَلْعُون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة)
وَقَالَ عَليّ ﵁ سَأَلت النَّبِي ﷺ عَن صَاحب الْعلم فَقَالَ (هُوَ سراج أمتِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة طُوبَى لمن عرفهم وأحبهم وويل لمن أنكر معرفتهم وأبغضهم وَمن أحبهم شَهِدنَا لَهُ أَنه فِي الْجنَّة وَمن أبْغضهُم أبغضناه وَشَهِدْنَا أَنه فِي النَّار)
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (اكتبوا الْعلم فَإِن لله
[ ٤٨ ]
سُبْحَانَهُ مَلَائِكَة فِي السَّمَاء السَّابِعَة يَسْتَغْفِرُونَ للفقهاء والمتعلمين ويعطيهم الله تَعَالَى بِكُل حرف ثَوَاب نَبِي من الْأَنْبِيَاء وَيكْتب لَهُم كل يَوْم ألف حَسَنَة) ذكر هَذِه الْخَمْسَة الْأَحَادِيث الإِمَام مُوسَى بن أَحْمد الوصابي فِي كِتَابه الْحجَّة من تصانيفه
وَقَالَ ﷺ (يُوزن حبر الْعلمَاء وَدم الشُّهَدَاء فيرجح ثَوَاب حبر الْعلمَاء على ثَوَاب دم الشُّهَدَاء وَيُقَال للْعَالم اشفع فِي تلامذتك وَلَو بلغ عَددهمْ عدد نُجُوم السَّمَاء وَمن تقلد مَسْأَلَة وَاحِدَة قَلّدهُ الله يَوْم الْقِيَامَة ألف قلادة من نور وَغفر لَهُ ألف ذَنْب وَبنى لَهُ مَدِينَة من ذهب)
وَقَالَ ﵇ (أفضل الْعِبَادَة طلب الْعلم) ذكرهمَا الإِمَام عمر بن عبد الْمجِيد الميانشي ﵀ فِي إيضاحه
وَقَالَ ﷺ (من جَاءَهُ الْمَوْت وَهُوَ يطْلب الْعلم ليحيي بِهِ الْإِسْلَام فبينه وَبَين الْأَنْبِيَاء دَرَجَة وَاحِدَة فِي الْجنَّة) رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن
[ ٤٩ ]
الدَّارمِيّ فِي سنَنه وَعَن عِكْرِمَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿السائحون﴾
قَالَ هم طلبة الْعلم رَوَاهُ الثعالبي فِي تَفْسِيره عَنهُ
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (من طلب الْعلم كَانَ كَفَّارَة لما مضى)
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه فَلم يذكر ﷺ غير الطّلب
وَقَالَ ﵇ (من خرج فِي طلب الْعلم فَهُوَ فِي سَبِيل الله حَتَّى يرجع)
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ أَيْضا
وَقَالَ ﷺ (سارعوا فِي طلب الْعلم فلحديث عَن صَادِق خير من الأَرْض وَمَا عَلَيْهَا من ذهب وَفِضة)
رَوَاهُ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه وَقَالَ ﷺ (سَاعَة من عَالم يتكىء على فرَاشه وَينظر فِي علمه خير من عبَادَة العابد سبعين عَاما)
رَوَاهُ الإِمَام الثعالبي ﵀ فِي تَفْسِيره فِي أول سُورَة آل عمرَان وَتَابعه الْحُسَيْن الطَّبَرِيّ ﵀ فِي درره عَلَيْهِ وَقَالَ الْحَافِظ ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ فِي منتخبه عَلَيْكُم بِالْعلمِ فَكفى بِهِ عملا
وَقَالَ رجل لأبي هُرَيْرَة ﵁ إِنِّي أُرِيد
[ ٥٠ ]
أَن أتعلم الْعلم وأخاف أَن أضيعه فَقَالَ لَهُ كفى بترك الْعلم إِضَاعَة
وَقَالَ رجل لأبي ذَر ﵁ إِنِّي أُرِيد أَن أتعلم الْعلم وأخاف أَن أضيعه وَلَا أعمل بِهِ فَقَالَ إِنَّك إِن توسد الْعلم خير من أَن توسد الْجَهْل
وَيُقَال نَفَقَة دِرْهَم فِي طلب الْعلم خير من عشرَة آلَاف دِرْهَم ينفقها فِي سَبِيل الله
وَقَالَ الْمَأْمُون لِعَمِّهِ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي لِأَن تَمُوت طَالبا للْعلم خير من أَن تعيش قانعا بِالْجَهْلِ
قَالَ وَإِلَى مَتى يحسن بِي طلب الْعلم قَالَ مَا حسنت بك الْحَيَاة
وَقَالَ الشّعبِيّ ﵀ لَو أَن رجلا خرج من أقْصَى الْمشرق إِلَى أقْصَى الْمغرب فاستفاد حرفا مَا ظَنَنْت أَن عمره ذهب بَاطِلا
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁ لِأَن أتعلم مَسْأَلَة أحب إِلَيّ من قيام لَيْلَة وَقَالَ يحيى بن كثير ﵀ تعلم الْفِقْه صَلَاة ودراسة الْقُرْآن صَلَاة
رَوَاهُ عَنهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي حليته
وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ﵀ لَا يزَال الْفَقِيه فِي الصَّلَاة قيل لَهُ كَيفَ ذَاك قَالَ لِأَنَّك لَا تَلقاهُ إِلَّا وَذكر الله على لِسَانه يحل حَلَالا وَيحرم حَرَامًا
ذكره أَبُو اللَّيْث فِي تنبيهه
وَقَالَ ابْن
[ ٥١ ]
جريج ﵀ أحب الْعباد إِلَى الله الغرباء فِي طلب الْعلم
وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (تعلمُوا وَعَلمُوا وَاعْمَلُوا فَإِن أجر الْعَالم والمتعلم سَوَاء) قيل وَمَا أجرهما قَالَ (مائَة مغْفرَة وَمِائَة دَرَجَة فِي الْجنَّة)
وَقَالَ ﷺ (أجر الْمعلم كَأَجر الصَّائِم الْقَائِم)
وَعَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (التفقه فِي الدّين حق على كل مُسلم أَلا فتعلموا وَعَلمُوا وَلَا تَمُوتُوا جُهَّالًا)
ذكر هَذِه كلهَا الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه أدب الدُّنْيَا وَالدّين
وَقَالَ ﷺ (مَا من مُؤمن ذكر أَو أُنْثَى وَلَا مَمْلُوك إِلَّا وَللَّه عَلَيْهِ حق وَاجِب أَن يتَعَلَّم من الْقُرْآن ويتفقه) ثمَّ تَلا هَذِه الْآيَة ﴿وَلَكِن كونُوا ربانيين بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ الْكتاب وَبِمَا كُنْتُم تدرسون﴾
رَوَاهُ الثعالبي بِإِسْنَادِهِ عَن معَاذ ﵁
وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ تعلمُوا الْعلم فَإِن تعلمه حَسَنَة وَطَلَبه عبَادَة ومذاكرته تَسْبِيح
[ ٥٢ ]
والبحث عَنهُ جِهَاد وتعليمه من لَا يُعلمهُ صَدَقَة وبذله لأَهله قربَة أَلا إِن الْعلم سَبِيل منَازِل أهل الْجنَّة وَهُوَ المؤنس فِي الوحشة والصاحب فِي الغربة والمحدث فِي الْخلْوَة وَالدَّلِيل على السَّرَّاء والمعين على الضّر اء والزين عِنْد الأ خلاء وَالسِّلَاح على الْأَعْدَاء يرفع الله بِهِ أَقْوَامًا فيجعلهم فِي الْخَيْر قادة أَئِمَّة تقتفى آثَارهم ويقتدى بأفعالهم وينتهى إِلَى رَأْيهمْ وترغب الْمَلَائِكَة فِي خلتهم وبأجنحتها تمسحهم وَيُصلي عَلَيْهِم كل رطب ويابس وحيتان الْبَحْر وهوام الأَرْض وسباع الْبر وَالْبَحْر والأنعام لِأَن الْعلم حَيَاة الْقُلُوب من الْجَهْل ومصباح الْأَبْصَار من الظلمَة وَقُوَّة الْأَبدَان من الضعْف ويبلغ بِالْعَبدِ منَازِل الأخيار والأبرار والدرجات العلى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والتفكر فِيهِ يعدل بالصيام ومذاكرته تعدل بِالْقيامِ وَبِه توصل الْأَرْحَام وَيعرف الْحَلَال من الْحَرَام وَهُوَ إِمَام وَالْعَمَل تَابعه يلهمه السُّعَدَاء ويحرمه الأشقياء ذكره صَاحب تَنْبِيه الغافلين وزهرة الْعُيُون وَغَيرهمَا
وَقد رُوِيَ بعضه مَرْفُوعا وَرَوَاهُ الثعالبي بِإِسْنَادِهِ عَن أنس بن مَالك عَن رَسُول الله ﷺ
[ ٥٣ ]
وَعَن يحيى بن كثير ﵀ فِي قَوْله تعلى ﴿واصبر نَفسك مَعَ الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي﴾
قَالَ هِيَ مجَالِس الْفِقْه وَذكر الإِمَام النَّوَوِيّ فِي أذكاره عَن عَطاء رحمهمَا الله أَنه قَالَ مجَالِس الذّكر هِيَ مجَالِس الْحَلَال وَالْحرَام كَيفَ تشتري وتبيع وَتصلي وتصوم وَتنْكح وَتطلق وتحج وَأَشْبَاه ذَلِك وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي كتاب حلية الْأَوْلِيَاء عَنهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ وَزَاد فِي أَوله من جلس مجْلِس ذكر كفر الله عَنهُ بذلك الْمجْلس عشرَة مجَالِس من مجَالِس الْبَاطِل فَقيل لَهُ مَا مجَالِس الذّكر قَالَ مجَالِس الْحَلَال وَالْحرَام إِلَى آخر مَا ذكره النَّوَوِيّ رحمهمَا الله
وروى أَبُو نعيم بِإِسْنَادِهِ عَن عَطاء بن رَبَاح أَنه قَالَ النّظر إِلَى الْعَالم عبَادَة
وَذكر الإِمَام أَبُو اللَّيْث فِي تنبيهه عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه قَالَ إِن الله لم يخلق على وَجه الأَرْض أكْرم من مجَالِس الْعلمَاء
وروى الْحَافِظ أَبُو نعيم ﵀ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابه رياضة المتعلمين أَن رَسُول ﷺ
[ ٥٤ ]
قَالَ (أَصْبَحْتُم فِي زمَان كثير فقهاؤه قَلِيل خطباؤه قَلِيل سُؤَاله كثير معطوه الْعَمَل فِيهِ خير من الْعلم وَسَيَأْتِي زمَان قَلِيل فقهاؤه كثير خطباؤه كثير سُؤَاله قَلِيل معطوه الْعلم فِيهِ خير من الْعَمَل)
وَفِي تَنْبِيه الغافلين عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ أَنْتُم فِي زمَان الْعَمَل فِيهِ خير من الْعلم وَسَيَأْتِي زمَان الْعلم فِيهِ خير من الْعَمَل
وروى الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ ﵀ بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن أبي شيبَة أَنه رأى بعض أَصْحَاب الحَدِيث يضطربون
فَقَالَ أما إِن فاسقهم خير من عَابِد غَيرهم
وروى أَيْضا بِإِسْنَادِهِ عَن عمر بن حَفْص بن غياث ﵀ وَقد قيل لَهُ أما ترى أَصْحَاب الحَدِيث كَيفَ تغيرُوا كَيفَ فسدوا فَقَالَ هم على مَا هم خِيَار الْقَبَائِل
وَكَذَا رَوَاهُ صَاحب الْفَاصِل بَين الرَّاوِي والواعي بِإِسْنَادِهِ ﵀
[ ٥٥ ]