يقول بعض علماء السلف الصالح: «إنه إذا كان شرف المطلوب بشرف نتائجه، وعظم خطره بكثرة منافعه، وبحسب منافعه تجب العناية به، وعلى قدر العناية به يكون اجتناء ثمرته، ولما كان أعظم الأمور خطرا وقدرا، وأعمها نفعا ورفدا، ما استقام به أمر الدين والدنيا وانتظم به صلاح الآخرة والأولى» .
لما كان الأمر كذلك وجب أن نضع نصب أعيننا التحديات الآتية:- أولا: إن موضوع الحفاظ على القيم الأخلاقية والمثل العليا في المجتمعات الإنسانية عامة، والإسلامية بصفة خاصة هو موضوع الساعة، ذلك أن هذه القيم باتت مهددة نتيجة للانحلال الفكري والثقافي المتواصل نتيجة الصراع بين المثل العليا والتطور الإنساني الذي انصرف إلى تنمية مقدرات ومهارات الإنسان العلمية والتقنية ليلحق لاهثا بسير ركب التقدم التقني وذلك على حساب إهمال دور القيم المتعلقة بأمور الدين والعقيدة وحياة الفرد والأسرة والمجتمع، وهذا هو الطغيان وإيثار حب الحياة الدنيا الذي ذمه الله تعالى بقوله: فَأَمَّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى «٤» .
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ «٥» .
وهو الضلال الذي وصفه ﷿ بقوله:
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا «٦» .
_________________
(١) آل عمران/ ٨٥.
(٢) فصلت/ ٣٣.
(٣) انظر كلمات معالي الدكتور عبد الله التركي وزير الشئون الإسلامية، وفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، وختام كلمة فضيلة الدكتور الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد في أهمية الدعوة إلى الله.
(٤) النازعات/ ٣٧- ٣٩.
(٥) الأنعام/ ٤٤.
(٦) الكهف/ ١٠٤.
[ المقدمة / ٢٨ ]
وسبب الضلال عن طريق الحق هو أن ابتغاء الحياة الدنيا أصبح هو الهدف المسيطر دون إيجاد التوازن المنشود بين الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ «١» . لذا حدث الانحلال الذي أخذت تنهار أمام هجماته الشرسة صروح القيم ومكارم الأخلاق الإنسانية التي عرفتها الشعوب منذ الأزل، وأخذت الحضارة الإنسانية تهتز من قواعدها، وأصبحت القيم العليا تحني رأسها خجلا من واقع مرير تحكمت فيه الشبهات والأهواء النفسية والشهوات الجسدية من ناحية، والأهداف المادية والنفعية من جهة أخرى.
وإذا نظرنا إلى عالم اليوم وجدنا الشبهات تغلبه وتعمه، فأغلب المجتمعات يعمها الشرك والكفر والإلحاد، فمنهم من يعبد ما صنعت يداه من تماثيل وأصنام، ومنهم من يعبد الحيوان والشجر، ومنهم من يعبد الشمس والقمر والكواكب، ومنهم من يعبد النار، ومنهم ملحد خاو لا يعبد شيئا، هذا من ناحية الشبهات، أما من ناحية الشهوات فحدث ولا حرج عن انتشار تعاطي الخمور والمخدرات وانتشار دور الميسر والدعارة تحت رعاية الجريمة المنظمة وغير المنظمة، إضافة إلى انتشار المعاملات الربوية التي تئن تحت وطأتها شعوب كثيرة وتنهار أمام جبروتها مؤسسات ودول في مناطق عديدة من العالم، وهذا الوضع المخزي أدى بطبيعة الحال إلى الانحلال الفكري والخلقي وتفكك الترابط الأسري وكثرة حالات الطلاق والإجهاض والأطفال غير الشرعيين إضافة إلى تفشي جرائم العنف والأمراض المعدية والأمراض النفسية الخطرة في كثير من المجتمعات. قال تعالى:
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ «٢» .
من هنا فإنه لا مجال لمقاومة هذا الانهيار إلا بالرجوع إلى أسس الفضيلة المتمثلة في مكارم أخلاق الرسول ﷺ باعتباره الرحمة المهداة والنعمة المسداة للبشرية جمعاء، يقول الله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ «٣» .
إن الرجوع إلى الصراط المستقيم يقتضي أن نتخذ من أخلاقه العظيمة أساسا للتربية الإسلامية، حتى نستطيع التصدي لمخاطر هذا الانحلال الفكري والثقافي، يقول الله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ «٤»، ويقول سبحانه: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٥» . فالعالم الإنساني لا نور له ولا رحمة فيه إذا هو تجرد عن الأخلاق وإن أزمات الحضارات ما اندثر منها وما بقي إنما يعود إلى انحلال الأخلاق «٦» .
ثانيا: أن نضع في اعتبارنا أن هناك ثورة هائلة في عالم الاتصالات، وسرعة مذهلة في إيقاع الحياة العصرية هذه الثورة، وتلك السرعة، جعلتا الكون كله قرية صغيرة يلهث فيها الأفراد وراء المعلومات السهلة الميسرة، وعلى ضوء هذه المستجدات سنحت فرصة حقيقية وطيبة سخرها الله تعالى وقادها لنا من أجل تقديم قيم أخلاق التربية
_________________
(١) القصص/ ٧٧.
(٢) الروم/ ٤١.
(٣) الشورى: ٥٢- ٥٣.
(٤) الأحزاب/ ٢١.
(٥) الأنبياء/ ١٠٧.
(٦) شخصية الرسول ﷺ في ضوء المقاييس الإنسانية، د. عبد الحليم عويس، ص ٣١.
[ المقدمة / ٢٩ ]
الإسلامية على نحو سهل وميسر، في شكل منظومة مترابطة الحلقات، متكاملة الأهداف، تشكل مدخلا حقيقيّا لمواجهة هذا التحدي الحضاري والتغلب عليه بالوسائل المناسبة في عصر سرعة المعلومات، وهذا ما حاولناه بالفعل في هذه الموسوعة بأن أوجدنا الذخيرة العلمية للقاعدة المعلوماتية اللازمة لخوض هذا التحدي.
ثالثا: أن نعلم أن الدعوة إلى الله﷿- بأسلوب عصري يتمشى مع مقتضيات العصر ومتطلباته من حيث السرعة والإمكانات، ليست بالأمر السهل أو اليسير إذ يتطلب ذلك أن يتبنى ذوو الهمم العالية وأولو العزم ما تجسده هذه الموسوعة من معان سامية، ويقوموا بدعمها بقوة، توازي- إن لم تفق- قوة الخطر الداهم الذي يحيط بالعالم الإسلامي والعالم أجمع من كل حدب وصوب، وهذا هو ما نرجوه ونتوقعه بإذن الله.
رابعا: إن خطر الحضارة المادية على القيم الإنسانية الرفيعة وفتنة شبهاتها وشهواتها أصبح يهدد كل طفل وفتاة، بل كل رجل وامرأة من خلال تسر بها عبر وسائل الإعلام المختلفة مثل قنوات الأقمار الصناعية والصحف والمجلات التي تغرس انحرافات، لا تتم مقاومتها إلا بتربية إسلامية أصيلة تقوم على التأسي بصاحب الخلق العظيم محمد ﷺ، ولا يتسنى ذلك على نحو كامل وشامل إلا بعون الله﷿- وتوكلنا عليه أولا، ثم من خلال طباعة هذه الموسوعة وتوزيعها ونقل معارفها بشتى الوسائل الإعلامية والتعليمية المختلفة ثانيا، بأن تكون هذه العلوم والمعارف في متناول كل مربّ في البيوت والمدارس والجامعات، وبيد كل داعية وخطيب وموجه، وفي مكتبة كل مدرسة ومسجد ومنزل، وبذلك يتحصن الجميع بمكارم أخلاق الرسول الكريم ﷺ ضد هذه الغزوة الشرسة ويصمدون أمام تلك الفتن الزائفة.