إنه لما كان البر وحسن الخلق متلازمين مصداقا لقول الصادق المصدوق ﷺ «البرّ حسن الخلق» فإن محاسن الأخلاق ومكارمها ينبغي أن تكون من الوضوح بمكان، ولكن أين نجد ذلك من بين ما لا يحصى من صفحات أمهات كتب الفضائل والآداب والأحكام ونحوها؟ وأين نقف على التحديد الدقيق لمعنى هذه الصفة أو تلك؟
في القرآن الكريم، نعم، في كتب الحديث الشريف، نعم، في كتب السيرة النبوية، نعم، في معاجم اللغة وكتب آثار السلف الصالح ﵏، نعم، ولكن أنّى للمسلم أن يقف على ذلك كله في وقت معقول وبوسيلة مناسبة؟ إن كتب السلف الصالح ﵏ على كثرتها وتنوعها لا تفي وحدها بالغرض المطلوب لتناثر الصفات بها من ناحية، واختلاف أسلوبها من ناحية ثانية، أما كتب المحدثين فإنها- في الغالب- قد اقتصرت على صفات معيّنة يغلب عليها طابع الانتقاء، وهنا كان التفكير في أن نوجد في المكتبة الإسلامية، ما تفتقر إليه من وجود مرجع موحد شامل، لما هو مشتت في مئات الكتب، أي إيجاد عمل موسوعي يضم شتات صفات التربية الإسلامية وقيمها لما أمر به وما نهي عنه في الكتاب والسنة في مصدر موثق صحيح، يعيد عرضها على نحو منظم ومتكامل، وبأسلوب قريب سهل التناول يناسب عامة الناس في هذا العصر بحيث يسهل على الآباء أن يفهموها ويفهموها أبناءهم، وعلى المدرسين أن يعلموها تلاميذهم، وعلى الخطباء والدعاة أن يوضحوها لمن يتلقى عنهم ويستمع إليهم، وعلى رجال الصحافة والإذاعة وغيرهما من وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية أن ينشروها بين الناس، ويوفروا بذلك قدرا هائلا من المعلومات الصحيحة والمركزة مما يساعد على رفع مستوى جودة المعلومات لديهم، ويعطي مرونة كبيرة في اختيار المادة العلمية وطريقة عرضها.
إن المسلم والداعية المتأسي برسول الله ﷺ، لابد أن يدعو نفسه أولا إلى التمسك بالخلق الحميد ويربيها على ذلك في أفعاله وأقواله، وكل ذلك اقتداء بالحبيب المصطفى ﷺ وحبا له، فإذا أحبه وجد حلاوة الإيمان، بل اكتمل بذلك إيمانه لقوله ﷺ فيما رواه أنس بن مالك﵁- قال: قال رسول الله ﷺ:
«ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار» «١» .
وقوله ﷺ عن أنس﵁- قال: قال النبي ﷺ:
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» «٢» .
ومن اكتمل إيمانه، حسن خلقه مصداقا لقوله ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» «٣» . ومن باب المحبة لله ﷿ الإيمان به والمحبة لرسوله ﷺ والتصديق بما جاء به، تؤخذ محبة الخلق والتأدب معهم ومعاملتهم بالإحسان وحسن الخلق، ولنا أن نتأمل قول رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» «٤» .
_________________
(١) البخاري- الفتح ١ (٢١)، ومسلم (٤٣) .
(٢) البخاري- الفتح ١ (١٥)، ومسلم (٤٥) .
(٣) انظر هذا الحديث بتمامه في صفة حسن الخلق (٥/ ١٥٧٥)، وقد خرّجناه هناك.
(٤) البخاري- الفتح (١/ ١٣) .
[ المقدمة / ٢٦ ]
وبهذا يكون الداعية من الذين اتبعوا رسول الله ﷺ، وهو بذلك يحمل برهان حب الله له قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ «١»، وإذا أحب الله العبد حبب فيه الناس، ووضع له القبول في الأرض مصداق ذلك ما جاء في الحديث الشريف: «إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض» «٢» .
فإذا ربّى الإنسان نفسه على حب الرسول ﷺ واتباعه، توجه إلى أهله وأبنائه وعشيرته الأقربين فدعاهم لما يحييهم ويضمن لهم الفوز في الدنيا والآخرة، ثم توجه بالدعوة بعد ذلك لكل من يستطيع دعوتهم. وهذا هو عين الخير وحسن الخلق وكمال الإيمان، وثمرة ذلك كله هو القرب من رسول الله ﷺ في جنة النعيم لقوله ﷺ:
«إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا» «٣» .
ولكي تؤتي هذه الدعوة ثمارها المرجوة فإن على الدعاة أن يتأسوا برسول الله ﷺ في:- أ- أن تكون الدعوة على بصيرة وعلم، يقول الله تعالى:
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي «٤» .
قيل في تفسير البصيرة هي اليقين والحق «٥» . وهذه البصيرة إنما تتحقق بالتفقه في الدين، الذي هو دليل إرادة الخير للداعية، حيث يقول الرسول ﷺ: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» «٦» .
ب- أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، مصداقا لقوله تعالى:
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ «٧» .
حيث حثه ربه على أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمين إلى يوم القيامة «٨»، ويقول الله تعالى لنبيه الكريم ﷺ: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ «٩» .
هي إذن موسوعة للدعوة، ومنهاج للدعاة تزودهم بالبصيرة وتمدهم بالحكمة من أفعال الرسول ﷺ وأقواله وتوجيهاته، وهي في الوقت نفسه موسوعة لتربية النفوس، وتربية الأجيال على الإيمان الصادق والإسلام الصحيح، والإحسان المرجو، وبعبارة أوجز هي موسوعة «التربية الدينية» الصحيحة لأنها تعتمد على ما جاء به القرآن الكريم ودعت إليه السّنّة النبوية المطهرة. لذا كان من الوضوح بمكان تفسير قوله تعالى لنبيه المصطفى ﷺ:
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
_________________
(١) آل عمران/ ٣١.
(٢) البخاري- الفتح ١٣ (٧٤٨٥)، ومسلم (٢٦٣٧) .
(٣) رواه الترمذي (٢٠١٨) وقال: حديث حسن، وانظر صفات المحبة وحسن الخلق والأدب.
(٤) يوسف/ ١٠٨.
(٥) تفسير القرطبي، (٩/ ٢٧٤) .
(٦) البخاري- الفتح، حديث رقم ٧١.
(٧) النحل/ ١٢٥.
(٨) انظر تفسير القرطبي (١٠/ ٢٠٠) .
(٩) آل عمران/ ١٥٩.
[ المقدمة / ٢٧ ]
معناه: وإنك لعلى دين عظيم من الأديان، وليس هناك دين أحب إلى الله تعالى ولا أرضى عنده منه لقوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ «١» .
هي إذن موسوعة الدعاة إلى الله﷿- هؤلاء الذين وصفهم الله﷿- وهو مالك خزائن الحسن والإحسان، بأنهم أحسن الناس قولا، يقول سبحانه:
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ «٢» .
ولكم أيها الأخوة والأخوات الوقوف على هذه الآية والتأمل والتدبر في معناها وقتا طويلا لتعرفوا كم نحن مقصرون في أداء واجب حمل الأمانة التي حمّلنا إياها رسول الله ﷺ في إبلاغ الدعوة أداء لحق الوراثة في هذا التبليغ «٣» .
فأين نحن من الاقتداء بحياة رسول الله ﷺ وحياة صحابته الكرام الذين اقتدوا به في الدعوة إلى الله وهم الذين تفرقوا بين مشارق الأرض ومغاربها وتوفوا في أبعد الأمصار في سبيل رفع كلمة الله؟
نحن أحفاد الصحابة﵃- فأين نحن إذا من رفع راية هذا الشرف العظيم؟