إن اتباع هوى النفس الأمارة بالسوء يؤدي حتما إلى الفشل والتشاؤم، وأما اتباع النفس المطمئنة فإنه يؤدي إلى النجاح والتفاؤل، [انظر الكشاف التوضيحي (١٢)]، ولكن ماذا بعد؟ أليست هناك إمكانية للموازنة والتصحيح وإعادة الإنسان إلى طبيعته الخيّرة؟ الجواب: نعم. وهنا يأتي دور النفس اللوامة التي تشكل صماما للوقاية وميزانا للتقويم، وقد تنجح هذه النفس عن طريق المجاهدة والمحاسبة والمراقبة في تصحيح وضع الفجور، فيعود الإنسان إلى الخير بالذكر والاستعاذة والتوبة والاحتساب ونحو ذلك مما تضمنته القائمة ١٣ أ، فإذا ذكر الله﷿- واستعان الإنسان بالله تعالى واستعاذ من الوسوسة خنس الشيطان وهرب، وهنا يجد المرء نفسه عائدا إلى الله وفارّا إليه من هوى النفس والشيطان فيفعل المأمورات ويجتنب المنهيات ويعود عضوا صالحا في المجتمع.
[ المقدمة / ٧٧ ]
فإذا كانت النفس اللوامة أو ما يمكن أن نسميه بمراقبة الضمير ضعيفة ولا تستطيع مقاومة إغواء الشيطان فإن الإنسان يستمر في غيّه ويرتد أسوأ مما كان، فنشاهد منه الغضب والإحباط والعجلة والنسيان ونحو ذلك.
هذا وللنفس اللوامة أيضا تأثيرها القوي على النفس المطمئنة لأنها تشكل خطّا ثانيا للدفاع عن اليقين الديني وتأمل دائما في المزيد من الخير، وهنا تكون النفس المطمئنة مدعومة بقوتين عظيمتين إحداهما: حفظ الملائكة والأخرى النفس اللوامة، أما القوة الأولى فتحفظ الإنسان من الغرور والمن بالطاعة ونحو ذلك من الموبقات، أما الثانية فإنها تدفع إلى؟ مزيد من الكمال وتحمي من التقصير ويكون من نتيجة ذلك اتجاه الطائع إلى الحمد والشكر والإحسان والإنفاق والبر ونحوها [انظر الكشاف التوضيحي (١٢ أ)] .
ونظرا لأهمية العلاقة بين النفس الإنسانية وقضية الابتلاء، فقد قمنا بمحاولة متواضعة توضح مدى التناسب العكسي بين قوى النفس الثلاث، النفس المطمئنة والنفس اللوامة من ناحية والنفس الأمارة. مدعومة بغواية الشيطان ورفقاء السوء. من ناحية أخرى [انظر خريطة الابتلاء والنفس الإنسانية] .
وتجسد خريطة الابتلاء والنفس الإنسانية علاقة الابتلاء سواء أكان ابتلاء تكليف (طاعات/ معاصي) أو ابتلاء فتنة (سراء/ ضراء) بالنفس الإنسانية. ويكشف أيضا بين الصراع الدائم بين النفس المطمئنة والتي ألهمت التقوى، ومن ثم فهي تأمر بالخير وتحض عليه، والنفس الأمارة التي ألهمت الفجور، ومن ثم فهي تأمر بالشر وتغري به، وبينهما النفس اللوامة، وهي التي تقوم بدور المراقبة والمجاهدة والمحاسبة والتصحيح.
ويلاحظ في هذه الخريطة أن التناسب عكسي بين قوة النفس الأمارة من ناحية، وقوة النفس المطمئنة واللوامة من ناحية أخرى فكلما قويت إحداهما ضعفت الأخرى.