قال الرّاغب: الإنسان في الجهل على أربعة منازل:
الأوّل: من لا يعتقد اعتقادا لا صالحا ولا طالحا، فأمره في إرشاده سهل إذا كان له طبع سليم، فإنّه كلوح أبيض لم يشغله نقش، وكأرض بيضاء لم يلق فيها بذر، ويقال له باعتبار العلم النّظريّ: غفل، وباعتبار العلم العمليّ: غمر، ويقال له: سليم الصّدر.
والثّانيّ: معتقد لرأي فاسد، لكنّه لم ينشأ عليه، ولم يتربّ به، واستنزاله عنه سهل، وإن كان أصعب من الأوّل، فإنّه كلوح يحتاج فيه إلى محو وكتابة، وكأرض يحتاج فيها إلى تنظيف، ويقال له: غاو وضالّ.
والثّالث: معتقد لرأي فاسد قد ران على قلبه، وتراءت له صحّته، فركن إليه لجهله وضعف نحيزته، ممّن وصفهم الله تعالى بقوله: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ
_________________
(١) مقاييس اللغة لابن فارس ١/ ٤٨٩، والمفردات للراغب ص ١٠١، لسان العرب (٢/ ٧١٣، ٧١٤) بتصرف. وانظر الصحاح (٤/ ١٦٦٣، ١٦٦٤) . ومختار الصحاح (١١٥) .
(٢) التعريفات للجرجاني (٨٠) .
(٣) التوقيف (١٢٣) .
(٤) الأشباه والنظائر لابن نجيم (٣٠٣) بواسطة رفع الحرج لصالح بن حميد (٢٢٩) .
(٥) التعريفات (٨٠) .
(٦) المفردات (١٠٢) .
[ ٩ / ٤٣٦٧ ]
الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (الأنفال/ ٢٢) فهذا ذو داء أعيا الأطبّاء، فما كلّ داء له دواء، فلا سبيل إلى تنبّهه وتهذيبه.
كما قيل لحكيم يعظ شيخا جاهلا: ما تصنع؟
فقال: أغسل مسحا لعلّه يبيضّ.
والرّابع: معتقد اعتقادا فاسدا عرف فساده، أو تمكّن من معرفته، لكنّه اكتسب دنيّة لرأسه، وكرسيّا لرئاسته، فهو يحامي عليها، فيجادل بالباطل ليدحض به الحقّ، ويذمّ أهل العلم ليجرّ إلى نفسه الخلق، ويقال له: فاسق ومنافق، وهو من الموصوفين بالاستكبار والتّكبّر في نحو قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ (المنافقون/ ٥) فنبّه تعالى أنّهم ينكرون ما يقولونه لمعرفتهم ببطلانه، لكن يستكبرون عن التزام الحقّ وذلك حال إبليس فيما دعي إليه من السّجود لآدم ﵇ «١» .