١-* (قال ابن عبّاس﵄- في تفسير قوله تعالى كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (الحشر/ ١٦) ضرب الله هذا مثلا للمنافقين مع اليهود. وذلك أنّ الله أمر نبيّه ﵇ أن يجلي بني النّضير من المدينة فدسّ إليهم المنافقون ألّا تخرجوا من دياركم فإن قاتلوكم كنّا معكم، وإن أخرجوكم كنّا معكم، فحاربوا النّبيّ ﷺ فخذلهم المنافقون وتبرّؤوا منهم كما تبرّأ الشّيطان من برصيص العابد») * «٨» .
٢-* (عن ابن عبّاس﵄- في قوله تعالى ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ قال: هي مدينة
_________________
(١) جحد: أنكر.
(٢) سنن الترمذي ٥ (٣٠٧٨)، وقال: حسن صحيح، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٢٢، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٣) بثّي: البث هو أشد الحزن.
(٤) أظل قادما: أي أقبل ودنا قدومه كأنه ألقى عليّ ظله.
(٥) فأجمعت صدقه: عزمت عليه.
(٦) هذا الحديث جزء من حديث كعب بن مالك في غزوة تبوك، مسلم ٤ (٢٧٦٩) .
(٧) المسند ٤/ ٦٦ برقم (١٦٦٢٧)، والهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٢٦٧، وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.
(٨) تفسير القرطبي (١٨/ ٢٨) .
[ ٩ / ٤٢٨٨ ]
الجبّارين لمّا نزل بها موسى وقومه بعث منهم اثني عشر رجلا وهم النّقباء الّذين ذكرهم الله تعالى ليأتوهم بخبرهم، فساروا ولقيهم رجل من الجبّارين فجعلهم في كساءته، فحملهم حتّى أتى بهم المدينة ونادى في قومه فاجتمعوا إليه فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى بعثنا لنأتيه بخبركم. فأعطوه حبّة من عنب تكفي الرّجل، وقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدروا قدر فاكهتهم. فلمّا أتوهم قالوا:
يا موسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ «فقال رجلان من الّذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا»، وكانا من أهل المدينة فأسلما واتّبعا موسى فقالا لموسى ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ «١» . وهذا في تفسير قوله تعالى قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ* قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ (المائدة/ ٢٢- ٢٣) .
٣-* (قال ابن عبّاس ومقاتل﵃- في تفسير قوله تعالى قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (ق/ ٢٧): قرينه الملك؛ وذلك أنّ الوليد بن المغيرة يقول للملك الّذي كان يكتب سيّئاته: ربّ إنّه أعجلني، فيقول الملك: ربّنا ما أطغيته أي ما أعجلته) * «٢» .
٤-* (قال ابن عبّاس﵄- في تفسير قوله تعالى قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (ق/ ٢٧): أي يقول عن الإنسان الّذي قد وافى القيامة كافرا يتبرّأ منه شيطانه ربّنا ما أطغيته: أي ما أضللته) * «٣» .
٥-* (عن ابن عبّاس﵄- في قوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (التوبة/ ٧٥): أنّ رجلا كان يقال له ثعلبة من الأنصار أتى مجلسا فأشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله آتيت كلّ ذي حق حقّه وتصدّقت منه وجعلت منه للقرابة، فابتلاه الله فآتاه من فضله فأخلف ما وعد فأغضب الله بما أخلفه ما وعده) * «٤» .
٦-* (عن عبد الله بن مسعود﵁- في تفسير قوله تعالى كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (الحشر/ ١٦) قال: كانت امرأة ترعى الغنم وكان لها أربعة إخوة وكانت تأوي باللّيل إلى صومعة راهب. قال: فنزل الرّاهب ففجر بها فحملت فأتاه الشّيطان فقال اقتلها ثمّ ادفنها فإنّك رجل مصدّق يسمع قولك فقتلها ثمّ دفنها. قال: فأتى الشّيطان إخوتها في المنام فقال لهم: إنّ الرّاهب صاحب الصومعة فجر بأختكم فلمّا أحبلها قتلها ثمّ دفنها في مكان كذا وكذا. فلمّا أصبحوا قال رجل
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٨/ ٢٨) .
(٢) المرجع السابق (١٨/ ١٣) .
(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٢٢٦) .
(٤) الدر المنثور (٣/ ٤٦٨) .
[ ٩ / ٤٢٨٩ ]
منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصّها عليكم أم أترك. قالوا: بل قصّها علينا. قال: فقصّها.
فقال الآخر: وأنا والله رأيت ذلك. فقال الآخر: وأنا والله رأيت ذلك؛ قالوا: فو الله ما هذا إلّا لشيء.
قال: فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الرّاهب فأتوه فأنزلوه ثمّ انطلقوا به، فلقيه الشّيطان فقال: إنّي الّذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك ممّا أوقعتك فيه. قال:
فسجد له فلمّا أتوا به ملكهم تبرّأ منه وأخذ فقتل) * «١» .
٧-* (عن محمّد بن كعب القرظيّ قال: كان المشركون الرّجال يطوفون بالبيت بالنّهار عراة والنّساء باللّيل عراة؛ ويقولون: إنّا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، فلمّا جاء الإسلام وأخلاقه الكريمة نهوا عن ذلك، وذلك في تفسير قوله تعالى وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها (الأعراف/ ٢٨» * «٢» .
٨-* (عن قتادة وعطاء والرّبيع﵏- في قوله تعالى إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (البقرة/ ١٦٦) قالوا: المعنى أنّ السّادة والرّؤساء تبرّءوا ممّن اتّبعهم على الكفر. وقال قتادة أيضا: هم الشّياطين المضلّون تبرّءوا من الإنس. وقيل هو عامّ في كلّ متبوع يتنصّل من مسئوليّة إضلال تابعه) * «٣» .
٩-* (عن مجاهد﵀- في قوله تعالى لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ (آل عمران/ ١٦٧) المعنى: لو نعلم أنّكم تلقون حربا لجئناكم ولكن لا تلقون قتالا «٤» . قال القرطبيّ: وكان عبد الله بن أبيّ وأصحابه قد انصرفوا عن نصرة النّبيّ ﷺ وكانوا ثلاثمائة فمشى في أثرهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ فقال لهم: اتّقوا الله ولا تتركوا نبيّكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا «٥» ونحو هذا من القول. فقال له ابن أبيّ: ما أرى أن يكون قتال، ولو علمنا أن يكون قتال لكنّا معكم. فلمّا يئس منهم عبد الله قال: اذهبوا أعداء الله فسيغني الله رسوله عنكم. ومضى مع النّبيّ ﷺ واستشهد رحمه الله تعالى. أمّا قول الله تعالى في نفس الآية يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فالمعنى أنّهم يقولون القول ولا يعتقدون صحّته لأنّ قولهم لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ فإنّهم متحقّقون أنّ جندا من المشركين قد جاؤا من بلاد بعيدة يتحرّقون على المسلمين بسبب ما أصيب من أشرافهم يوم بدر) * «٦» .
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٤١) .
(٢) الدر المنثور (٣/ ١٤٣) .
(٣) تفسير القرطبي (٢/ ١٨٣)، والدر المنثور (١/ ٣٠٤) وجاء فيه عن قتادة «أنّ الذين اتبعوا هم الجبابرة والقادة والرؤوس في الشّرّ والشّرك وأنّ الذين اتبعوا هم الأتباع والضعفاء.
(٤) تفسير ابن كثير (١/ ٤٢٥) .
(٥) ادفعوا: كثروا سواد المسلمين.
(٦) تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٥ (بتصرف يسير) والمراد من هذا الأثر أن المنافقين قد تنصلوا من مسئوليتهم في الدفاع من المدينة ونصرة رسول الله ﷺ بأعذار واهية وأقوال مردودة.
[ ٩ / ٤٢٩٠ ]
١٠-* (عن الحسن﵀- في قوله تعالى وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ (الأنفال/ ٤٨) قال: سار إبليس ببدر برايته وجنوده وألقى في قلوب المشركين أنّ أحدا لن يغلبكم وأنتم تقاتلون على دين آبائكم ولن تغلبوا كثرة. فلمّا التقوا نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، يقول: رجع مدبرا وقال إنّي بريء منكم إنّي أرى ما لا ترون يعني الملائكة) * «١» .
١١-* (عن مجاهد والسّدّيّ- رحمهما الله- في قوله تعالى وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ (يوسف/ ١٦) أنّهم عمدوا إلى سخلة «٢» فذبحوها ولطّخوا ثوب يوسف بدمها موهمين أنّ هذا قميصه الّذي أكله فيه الذّئب وقد أصابه من دمه ولكنّهم نسوا أن يخرقوه ولهذا لم يرج «٣» هذا الصّنيع على نبيّ الله يعقوب) * «٤» .
١٢-* (عن الضّحّاك﵀- قال:
خرج المنافقون مع رسول الله ﷺ إلى تبوك وكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبّوا رسول الله ﷺ وأصحابه وطعنوا في الدّين فنقل حذيفة ما قالوا لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «يا أهل النّفاق ما هذا الّذي بلغني عنكم؟» فحلفوا ما قالوا شيئا من ذلك) * «٥» .
١٣-* (وعن قتادة﵀- أنّ رجلين اقتتلا رجل من جهينة ورجل من غفار «٦» وظهر الغفاريّ على الجهنيّ. فنادى عبد الله بن أبيّ: يا بني الأوس انصروا أخاكم فو الله ما مثلنا ومثل محمّد إلّا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك فسعى بها رجل من المسلمين إلى النّبيّ ﷺ فأرسل إليه فجعل يحلف بالله ما قال. فنزل قوله تعالى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ (التوبة/ ٧٤» * «٧» .
١٤-* (قال ابن جريج﵀- في تفسير الآية الكريمة السّابقة: قائل ذلك أبو جهل بن هشام، وقيل: إنّ أهل الكتاب قالوا للمشركين: صفة محمّد في كتابنا فسلوه، فلمّا سألوه فوافق ما قال أهل الكتاب، قال المشركون: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالّذي أنزل قبله من التّوراة والإنجيل بل نكفر بالجميع، وكانوا قبل ذلك يراجعون أهل الكتاب ويحتجّون بقولهم فظهر بهذا تناقضهم وقلّة علمهم) * «٨» .
١٥-* (عن مقاتل﵀- في تفسير قوله تعالى وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ (الزخرف/ ٢٣) أنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأبي سفيان وأبي جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة
_________________
(١) تفسير الطبري مجلد ٦ (١٠/ ١٥) .
(٢) السخلة: النعجة الصغيرة.
(٣) لم يرج: أي لم يلق قبولا.
(٤) تفسير النيسابوري بهامش الطبري مجلد ٦ (١٠/ ١٢٦) .
(٥) تفسير النيسابوري بهامش الطبري مجلد ٦ (١٠/ ١٢٧) .
(٦) جهينة وغفار: قبيلتان من العرب.
(٧) تفسير النيسابوري بهامش الطبري مجلد ٦ (١٠/ ١٢٧) .
(٨) تفسير القرطبي (١٤/ ١٩٣) .
[ ٩ / ٤٢٩١ ]
من قريش أي وكما قال هؤلاء فقد قال من قبلهم أيضا) * «١» .
١٦-* (قال قتادة﵀- في تفسير نفس الآية الكريمة السّابقة: مقتدون متّبعون، وفي هذا دليل على إبطال التقليد لذمّه إيّاهم على تقليد آبائهم وتركهم النّظر فيما دعاهم إليه الرّسول ﷺ) * «٢» .
١٧-* (عن الحسن﵀- أنّ رجلا من الأنصار هو الّذي قال هذا، فمات ابن عمّ له، فورث منه مالا فبخل به ولم يف بما عاهد عليه فأعقبه الله بذلك نفاقا إلى أن يلقاه قال تعالى بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (التوبة/ ٧٧» * «٣» .
١٨-* (عن السّدّيّ﵀- في قوله تعالى وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا (الأحزاب/ ١٣) قال إلى المدينة عن قتال أبي سفيان وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ قال جاءه رجلان من الأنصار ومن بني حارثة أحدهما يدعى أبا عرابة بن أوس والآخر يدعى أوس بن قيظيّ فقالا: يا رسول الله إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ يعنون أنّها ذليلة الحيطان وهي في أقصى المدينة ونحن نخاف السّرق فائذن لنا. فقال الله تعالى وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا) * «٤» .
١٩-* (عن السّدّيّ﵀- في قوله تعالى وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها (الأعراف/ ٢٨) قال: كانت قبيلة من العرب من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة فإذا قيل لهم لم تفعلون ذلك. قالوا وجدنا عليها آباءنا وأمرنا الله بها) * «٥» .
٢٠-* (عن الحسن﵀- في قوله تعالى وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ (التوبة/ ٩٠) قال: اعتذروا بشيء ليس بحقّ) * «٦» .
٢١-* (عن مجاهد﵀- قال: يأتي على النّاس يوم القيامة ساعة فيها لين. يرى أهل الشّرك أهل التّوحيد يغفر لهم فيقولون: والله ربّنا ما كنّا مشركين. قال الله تعالى انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (الأنعام/ ٢٤) ثمّ يكون من بعد ذلك ساعة فيها شدّة تنصب لهم الآلهة الّتي كانوا يعبدون من دون الله. فيقول: هؤلاء الّذين كنتم تعبدون من دون الله. فيقولون: نعم هؤلاء الّذين كنّا نعبد. فتقول لهم الآلهة: والله ما كنّا نسمع ولا نبصر ولا نعقل أنّكم كنتم تعبدوننا. فيقولون: بلى والله لإيّاكم كنّا نعبد) * «٧» .
٢٢-* (قال مجاهد في قوله تعالى سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا (الأنعام/ ١٤٨) يعني كفّار قريش أخبر ﷾ بالغيب عمّا سيقولونه وظنّوا أنّ هذا متمسّك لهم لمّا لزمتهم الحجّة
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٦/ ٥٠/ ٥١٢) .
(٢) المرجع السابق (١٦/ ٥٠) .
(٣) الدر المنثور (٣/ ٤٦٨) .
(٤) المرجع السابق (٥/ ٣٥٩) .
(٥) المرجع السابق (٣/ ١٤٣) .
(٦) المرجع السابق (٣/ ٤٧٧) .
(٧) المرجع السابق (٣/ ٥٥٠) .
[ ٩ / ٤٢٩٢ ]
وتيقّنوا باطل ما كانوا عليه. والمعنى: لو شاء الله لأرسل إلى آبائنا رسولا فنهاهم عن الشّرك وعن تحريم ما أحلّ لهم فينتهوا، فاتّبعناهم على ذلك) * «١» .
٢٣-* (قال الطّبريّ في تفسير قوله تعالى وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا (الأحزاب/ ١٣) فقوله فَارْجِعُوا أي إلى منازلكم، أمرهم بالهرب من عسكر رسول الله ﷺ والفرار منه وترك رسول الله ﷺ. وقيل إنّ ذلك من قبل أوس بن قيظيّ ومن وافقه على رأيه. وقوله وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ يقول تعالى ذكره: ويستأذن بعضهم رسول الله ﷺ في الإذن بالانصراف عنه إلى منزله ولكنّه يريد الفرار والهرب من عسكر رسول الله ﷺ) * «٢» .
٢٤-* (وقال ابن جرير﵀- أيضا في الآية السّابقة: قل يا محمّد لهؤلاء الّذين يستأذنونك ويقولون إنّ بيوتنا عورة هربا من القتل: من ذا الّذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا في أنفسكم من قتل أو بلاء أو غير ذلك، أو أراد عافية وسلامة. وهل ما يكون بكم في أنفسكم من سوء أو رحمة إلّا من قبلنا) * «٣» .
٢٥-* (قال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا (البقرة/ ٢٤٦):
أخبر الله تعالى أنّه لمّا فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب، وأنّ نفوسهم ربّما تذهب. تَوَلَّوْا أي اضطربت نيّاتهم وفترت عزائمهم، وهذا شأن الأمم المتنعّمة المائلة إلى الدّعة تتمنّى الحرب أوقات الأنفة فإذا حضرت الحرب كعّت «٤» وانقادت لطبعها) * «٥» .
٢٦-* (قال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (الأنعام/ ٢٣): تبرّأوا من الشّرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين، قال ابن عبّاس: يغفر الله تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، فإذا رأى المشركون ذلك، قالوا إنّ ربّنا يغفر الذّنوب ولا يغفر الشّرك، فتعالوا نقول: إنّا كنّا أهل ذنوب ولم نكن مشركين. فقال إذ كتموا الشّرك: فاختموا على أفواههم، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك يعرف المشركون أنّ الله لا يكتم حديثا) * «٦» .
٢٧-* (يقول القرطبيّ في قوله تعالى وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ (الأنعام/ ١٢٤): بيّن شيئا آخر من جهلهم وهو أنّهم قالوا لن نؤمن حتّى نكون أنبياء، فنؤتى مثلما أوتي
_________________
(١) تفسير القرطبي (٧/ ٨٤) .
(٢) تفسير الطبري مجلد ١٠ (٢١/ ٨٦) .
(٣) تفسير الطبري (٢٠/ ٨٧) .
(٤) كعّت: أي جبنت وأحجمت.
(٥) تفسير القرطبي (٣/ ١٦٠) .
(٦) تفسير القرطبي (٦/ ٢٥٨، ٢٥٩) .
[ ٩ / ٤٢٩٣ ]
موسى وعيسى من الآيات، ونظيره بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (المدثر/ ٥٢) .
والكناية في جاءَتْهُمْ ترجع إلى الأكابر الّذين جرى ذكرهم، قال الوليد بن المغيرة: لو كانت النّبوّة حقّا لكنت أولى بها منك لأنّي أكبر منك سنّا وأكثر منك مالا، وقال أبو جهل: والله لا نرضى به فلا نتّبعه أبدا إلّا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت الآية، وقيل لم يطلبوا النّبوّة ولكن قالوا لا نصدّقك حتّى يأتينا جبريل والملائكة يخبروننا بصدقك) * «١» .
٢٨-* (يقول القرطبيّ في تفسير قوله تعالى وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً الآية (الأعراف/ ٢٨) الفاحشة هنا في قول أكثر المفسّرين «طوافهم بالبيت عراة» . وقال الحسن: هي الشّرك والكفر واحتجّوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم وبأنّ الله أمرهم بها، قال الحسن: وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قالوا: لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ بيّن أنّهم متحكّمون ولا دليل لهم على أنّ الله أمرهم بما ادّعوا، وقد مضى ذمّ التّقليد وذمّ كثير من جهالاتهم وهذا منها) * «٢» .
٢٩-* (قال القرطبيّ: قال مجاهد﵀- في قوله تعالى ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (يونس/ ٢٨): ينطق الله الأوثان فتقول: ما كنّا نشعر بأنّكم إيّانا تعبدون وما أمرناكم بعبادتنا، وإن حمل الشّركاء على الشّياطين فالمعنى أنّهم يقولون ذلك دهشا، أو يقولون كذبا واحتيالا للخلاص) * «٣» .
٣٠-* (يقول القرطبيّ في تفسير قوله تعالى قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ (سبأ/ ٤١): أي أنت ربّنا الّذي نتولّاه ونطيعه ونعبده ونخلص له في العبادة، وفي التّفاسير أنّ حيّا يقال لهم بنو مليح من خزاعة كانوا يعبدون الجنّ ويزعمون أنّ الجنّ تتراءى لهم، وأنّهم ملائكة، وأنّهم بنات الله) * «٤» .