لو أن رجلًا يعمل في مكان بعيد عن أهله، وعلِم أن ابنه قد مرِض مرضًا عضالًا، وأنه يحتاج إلى دواء (ما) وصفه له الأطباء، وأن هذا الدواء غير متوافر ببلد الابن، فبحث عنه حتى وجده، ووضعه في صندوق محكم غاية الإحكام، وبالغ في وضع الأغلفة على الصندوق وأرسله إلى ابنه، وعندما وصلت العلبة إليه وعلم أن فيها دواءه حاول فتحها هو ومن حوله فلم يستطيعوا، فماذا تظن أنهم سيفعلون؟
هل سييأسون من فتحها وينصرفون عنها، أم سيحاولون فتحها مرات ومرات ومرات حتى ينجحوا؟
لقد أصبح بيننا وبين القرآن حجابًا كثيفًا، يحول بيننا وبين الانتفاع به، فلا ينبغي علينا أن نيأس إن أقبلنا على القرآن فلم نجد أي تجاوب، فالأمر يحتاج إلى محاولات متكررة، وإلحاح شديد على الله ﷿، وتَبؤُّس وانكسار حتى يفتح لنا سبحانه أبواب القرآن، وتصل أنواره إلى عقولنا وقلوبنا.
يقول المحاسبي:
فإن طلبت الفهم بصدق أقبل عليك بالمعونة ..
لا يَثقُل فهم كلامه إلا على من تعطل قلبه ألا يسمع ..
فإن علم - سبحانه - من التالي لكتابه صدق ضمير، وعناية حتى يجمع همه للفهم، أفهمه .. ألا تسمعه يقول: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال: ٧٠].
فإذا أقبلت على الله بصدق نية، ورغبة لفهم كتابه بإجماع همٍّ، متوكلًا عليه أنه هو الذي يفتح لك الفهم: لم يخيبك من الفهم والعقل عنه إن شاء الله (١).
ويقول الزركشي:
إذا كان العبد مصغيًا إلى كلام ربه، مفتقرًا إلى التفهم، بدعاء وتضرع، وابتئاس وتمسكن، ومنتظرًا للفتح عليه عند الفتاح العليم، وأن تكون تلاوته على معاني الكلام؛ فهذا القارئ أحسن الناس صوتًا بالقرآن، وفي مثله يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] .. وهذا هو الراسخ في العلم (٢).
فمن هنا نقول - بيقين - بأننا إن استطعنا أن ندخل على القرآن دخول التلميذ المُتشوق للمعرفة حينما يُقابل أعظم أستاذ، وداومنا على ذلك، فإن القرآن سيفتح لنا أبوابه، وسيغزو نوره قلوبنا، لنكون من بعد ملاقاته قومًا صالحين بإذن الله، وأكثر إيمانًا وبهجة وسكينة.