إن تحسين الصوت بالقرآن وترتيله له وظيفة عظيمة في الطرق على المشاعر لاستثارتها، فيؤدي ذلك إلى امتزاج القناعة العقلية بالعواطف المنفعلة، لذلك كان الحث على تحسين الصوت عند قراءة القرآن.
قال ﷺ: «زينوا القرآن بأصواتكم» (٢).
وقال: «ليس منَّا من لم يتغن بالقرآن» (٣).
_________________
(١) التعبير القرآني والدلالة النفسية للجيوسي ص (٢٢٤ - ٢٢٦) باختصار، دار الغوثاني - دمشق.
(٢) حديث صحيح: أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٣، رقم ١٨٥١٧)، وأبو داود (٢/ ٧٤، رقم ١٤٦٨)، والنسائي (٢/ ١٧٩، رقم ١٠١٥)، وابن ماجه (١/ ٤٢٦، رقم ١٣٤٢) وغيرهم، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٣٥٧٤ - ٣٥٧٥).
(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٢٧٣٧، رقم ٧٠٨٩).
[ ٦٦ ]
وقيل لابن أبي مُليكة: «يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع» (١).
ويؤكد ابن حجر العسقلاني على هذا المعنى فيقول:
والذي يتحصل من الأدلة أن حُسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنًا فليحسنه ما استطاع (٢).
ويقول الجيوسي في كتابه «التعبير القرآني والدلالة النفسية»:
القرآن الكريم كتابٌ لا كأي كتاب، فهو يُتلى بطريقة مرتبة، على أصول منظمة، يجب أن تُراعى فيه قواعد القراءة وأصول الأداء، وهذا مما اختص به القرآن الكريم على سائر الكتب، وورود الأمر بذلك في الآيات الأولى من مرحلة نزول القرآن ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤].
ولا شك أن هناك قواعد تتصل بالأداء القرآني لابد من مراعاتها كأحكام التجويد، فالتجويد هو التحسين.
هذه الأحكام التي ينبغي لقارئ القرآن أن يُراعيها هي في حقيقة الأمر أحد أسرار ذلك الإيقاع الذي يشدُّ الأسماع إليه، لا تكاد تخلو آية من حُكم ما بين غُنّة أو مدّ أو إخفاء، أو غير ذلك من الأحكام التي تفرض على السامع لونًا معينًا لا يعهده في الكلام الاعتيادي، وإذا ما علمنا أن قراءة القرآن ينبغي أن تكون بالترتيل وبمراعاة هذه الأحكام، أدركنا أن ذلك سرٌّ كامنٌ في كتاب الله، هذا الذي يجعل النفس تنجذب إليه (٣).
فإذا ما اقترن ذلك بحضور العقل وتفهُّمه للخطاب كان الأثر عظيمًا على القلب كحال وفد نصارى نجران عندما استمعوا للقرآن ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣].
وجدير بالذكر أن (التغني بالقرآن هو تحسين الصوت بقراءة القرآن، بخلاف الغناء المعروف في زماننا، فالقصد من هذا الغناء أن يطرب ويُطرب غيره لا ليتعظ ويعتبر، فالتغني بالقرآن إذًا هو: استماع المتكلم لما يُتَكلم به، مترنمًا بالنطق، مستحبًّا له، مستلمحًا مستطيبًا للكلمات، ذوقًا لها ولمعانيها) (٤).
ويؤكد الحافظ ابن كثير على هذا المعنى فيقول:
والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه، والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة، فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان، والأوضاع المُلهية والقانون الموسيقائي، فالقرآن يُنزَّه عن ذلك (٥).