ويؤكد ابن القيم على هذا المعنى فيقول:
العمل اليسير الموافق لمرضاة الرب وسنة رسوله ﷺ أحب إلى الله تعالى من العمل الكثير إذا خلا عن ذلك أو عن بعضه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].
فهو ﷾ إنما خلق السماوات والأرض، والموت والحياة، وزيَّن الأرض بما عليها، ليبلو عباده أيهم أحسن عملًا، لا أكثر عملًا.
والأحسن: هو الأخلص والأصوب، وهو الموافق لمرضاته ومحبته، دون الأكثر الخالي من ذلك، فهو ﷾ يحب أن يُتعبد له بالأرضَى له، وإن كان قليلًا، دون الأكثر الذي لا يُرضيه، والأكثر الذي غيره أرضى له منه.
ولهذا يكون العملان في الصورة واحدًا، وبينهما في الفضل - بل بين قليل أحدهما وكثير الآخر - أعظم مما بين السماء والأرض.
وهذا الفضل يكون بحسب رضا الرب سبحانه بالعمل، وقبوله له، ومحبته له، وفرحه به ﷾، كما يفرح بتوبة التائب أعظم فرح، ولا ريب أن تلك التوبة الصادقة أفضل وأحب إلى الله تعالى من أعمال كثيرة من التطوعات وإن زادت في الكثرة عن التوبة.
ولهذا كان القبول يختلف ويتفاوت بحسب رضا الرب ﷾ بالعمل، فقبول يُوجِب رضا الله ﷾ بالعمل، ومباهاة الملائكة به، وتقريب عبده منه، وقبول يترتب عليه كثرة الثواب والعطاء فقط.
كمن تصدق بألف دينار من جملة ماله - مثلًا - بحيث لا يكترث بها ..، وآخر عنده رغيف واحد هو قوته، لا يملك غيره، فآثر به على نفسه من هو أحوج إليه منه، محبة لله، وتقربًا إليه وتوددًا، ورغبة في مرضاته، وإيثارًا على نفسه.
فيالله كم بعد ما بين الصدقتين في الفضل ومحبة الله وقبوله ورضاه!!
_________________
(١) حديث حسن: أخرجه النسائي (٥/ ٥٩، رقم ٢٥٢٧)، وابن حبان (٨/ ١٣٥، رقم ٣٣٤٧)، والحاكم (١/ ٥٧٦، رقم ١٥١٩)، والبيهقي (٤/ ١٨١، رقم ٧٥٦٨)، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع، حديث رقم: ٣٦٠٦.
(٢) مجموع رسائل ابن رجب ١/ ٣٥٢.
[ ٤٩ ]
والأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة، والتعظيم والإجلال، وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه، حتى تكون صورة العملين واحدة، وبينهما في الفضل ما لا يُحصيه إلا الله تعالى.
وتتفاضل أيضًا بتجريد المتابعة، فبين العملين من الفضل بحسب ما يتفاضلان به في المتابعة، فتتفاضل الأعمال بحسب تجريد الإخلاص والمتابعة تفاضلًا لا يحصيه إلا الله تعالى (١).