الإيمان يزداد بالطاعة .. نعم، ولكن شريطة أن يتحرك القلب معها - أي يتأثر - فإن لم تتحرك المشاعر لن يزداد الإيمان، ومن ثَمَّ لن يظهر أثر الطاعة على السلوك، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر عندما يتحرك القلب، وتنفعل المشاعر معها، فيؤدي ذلك إلى زيادة الإيمان لينتج عنه زيادة الورع والدافع الداخلي لفعل الخيرات وترك المنكرات.
فإن لم يتحرك القلب ويخشع في الصلاة، أصبحت تلك الصلاة حركة بالعضلات فقط، ومن ثَمَّ لا يظهر لها أثر إيجابي في السلوك، وهذا يُفسر لنا ظاهرة عدم وجود أثر للعبادات الكثيرة التي نؤديها على سلوكنا ومعاملاتنا.
لذلك كان من دعائه ﷺ: «وأعوذ بك من صلاة لا تنفع» (١).
وقال ابن عباس: «ركعتان مقتصدتان في تفكُّر خير من قيام ليلة والقلب ساه».
فإحسان العمل - إذن - مقدم على الإكثار منه بالجوارح فقط.
وإحسان العمل يعني الاجتهاد في حضور القلب وتوجه مشاعره نحو الله ﷿، وتستدعي كذلك موافقته للسنة.
فالعمل القليل مع حضور المشاعر أفضل من العمل الكثير بدون حضورها، أو حضورها بصورة قليلة محدودة.
بل إن الثواب المترتب على العمل يختلف من شخص لآخر حسب حركة مشاعره مع العمل؛ فلو أن رجلين يسيران في الطريق سويًّا وعُرض عليهما عمل خيري يستوجب منهما بذل ما يُمكنهما بذله من مال، وكان الأول فقيرًا، وكل ما يملكه عشرة دراهم وعليه أعباء معيشية لا تغطيها هذه الدراهم المعدودة، لكنه تجاوب مع العمل الخيري وشعر بأهميته، فدفعه حبه لله وطمعه في مثوبته إلى إخراج ثمانية دراهم من العشرة .. بَذَلها وهو يُدرك قدر العنت الذي قد يواجهه لتدبير نفقاته ونفقات عياله، وأما الرجل الآخر فهو موسر، عنده بضعة آلاف من الدراهم، فأخرج ألف درهم طمعًا في المثوبة، وحبًّا لله، لكنه لم يشعر بما شعر به الأول لأن الألف درهم لا يُشكل إخراجها عنده مشكلة كبيرة، فهل يستوي الاثنان في درجتهما عند الله؟
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (٣/ ٢٩٣، رقم ١٠١٥)، والضياء (٦/ ١٥٦، رقم ٢١٥٣)، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٤٨ ]
لو كانت العبرة بالعدد والكم، لكان الثاني أفضل، لأن ما أخرجه أكثر بكثير من الأول، ولكن لأن العبرة بحركة المشاعر، وحضور القلب مع العمل كان الأول هو الأفضل عند الله، كما قال ﷺ: «سبق درهم مائة ألف درهم: رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به ورجل له مال كثير فأخذ من عُرضه مائة ألف درهم فتصدق بها» (١)، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].
فالذي أنفق قبل الفتح - في أوقات الضيق والحصار والمستقبل المجهول وقلة الموارد - أعظم درجة من الذي أنفق بعد الفتح في أوقات الرخاء والأمان والسعة، فحركة المشاعر مع الإنفاق قبل الفتح أشد منها بعد الفتح.
ونفس الأمر ينطبق على الصلاة وقراءة القرآن وغيرهما من الأعمال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
وفي هذا المعنى يقول ابن رجب: كان السلف يوصون بإتقان العمل وتحسينه دون الإكثار منه، فإن العمل القليل مع التحسين والإتقان، أفضل بكثير من الغفلة وعدم الاتقان.
قال بعض السلف: إن الرجلين ليقومان في الصف، وما بين صلاتهما كما بين السماء والأرض (٢).