عندما نقرأ في سيرة التابعين وتابعيهم من سلف هذه الأمة نجد أن منهم من كان يُصلي الفجر بوضوء العشاء سنوات وسنوات، ويظل طيلة الليل في صلاة، ومنهم من كان يصوم صيام داود ﵇، ومنهم، ومنهم ..، فإذا ما نظرنا لسيرة السابقين الأولين من جيل الصحابة رضوان الله عليهم نجد أنهم من الناحية الكَمِّية أقل منهم عبادة، ومع ذلك فقد فاقوهم في الرتبة والمنزلة.
قال ابن مسعود لأصحابه: أنتم أكثر صومًا وصلاة من أصحاب محمد ﷺ، وهم كانوا خيرًا منكم، قالوا: وبم ذاك؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا وأرغب في الآخرة (٤).
بل إن أبا بكر الصديق لم يسبق الصحابة بكثرة العمل، بل بما في قلبه من إيمان.
قال بعض السلف: ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره.
_________________
(١) المنار المنيف لابن القيم (١/ ٣٣).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ٣، رقم ١)، ومسلم (٣/ ١٥١٥، رقم ١٩٠٧).
(٣) حديث صحيح: أخرجه: أبو داود (٣٢٠٠)، والنسائي في " الكبرى " (١٠٩١٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٦٦٩).
(٤) حديث ضعيف: أورده ابن الأثير في جامع الأصول (٥/ ٦٤٨)، وضعفه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة (١١/ ٥٢ برقم ٥٠٥٠).
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٥٠ برقم ٧٨٨٠) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الشُعب (١٣/ ١٨٤ برقم ١٠١٥٢).
[ ٥٠ ]
ولأن العبرة بحال القلب قبل وأثناء العمل، فإن المتأمل لتوجيهات الشرع يجد أنها تحُثُّنا على تهيئة الأجواء المناسبة لاستجاشة المشاعر وحضور القلب قبل العمل.
فعلى سبيل المثال: الصلاة:
نجد أن الشرع يحثنا على تفريغ الذهن من الشواغل، وعدم تعلق القلب بشيء من شأنه أن يمنعنا من التركيز فيها، فإذا حضر الطعام مع دخول وقت الصلاة يُفضَّل البدء بالطعام حتى يدخل المرء إلى الصلاة وذهنه غير مشغول به.
وكذلك عند مدافعة الأخبثين .. قال ﷺ: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» (١).
ولا ينبغي للمرء أن يُسرع في خطواته إلى المسجد ليدرك الصلاة، بل عليه أن يمشي في سكينة وهدوء، فالإسراع من شأنه أن يجعله يدخل إلى الصلاة وهو مضطرب فيصعُب عليه جمع قلبه.
قال ﷺ: «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون عليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (٢).
والحث على التبكير في الذهاب إلى المسجد قبل إقامة الصلاة له وظيفة مهمة في صرف شواغل الدنيا عن الذهن.
وكذلك فإن الحث على تذكُّر الموت قبل الصلاة من شأنه أن يستجيش المشاعر نحو الرجاء والطمع في عفو الله، والخوف والرهبة من عقوبته، فيزداد الحضور القلبي والخشوع فيها.
قال ﷺ: «اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحَرِي أن يُحسن صلاته، وصلِّ صلاة رجل لا يظن أنه يصلي صلاة غيرها ..» (٣).