حقيقة الإيمان
[ ٤٠ ]
الهدف الذي ترمي إليه صفحات هذا الفصل هو وضوح الرؤية حول حقيقة الإيمان، والفارق بين الإيمان والعمل الصالح (عبادات القلوب، وعبادات الجوارح)، وكيف نعرف أن إيماننا قد ازداد مع الطاعة أم لم يزدد؟
وتُجيب هذه الصفحات عن السؤال الذي يشغل بال الكثيرين:
لماذا لا نرى آثارًا سلوكية إيجابية للأعمال الصالحة التي نؤديها؟!
وإن كان الحديث في هذا الفصل يغلب عليه الجانب العقلي إلا أن له أهمية كبيرة في الفهم المتكامل لحقيقة الإيمان .. هذا الفهم سيكون له - بإذن الله - انعكاسًا إيجابيًّا على طريقة التعامل مع العبادات والأعمال الصالحة.
لذلك أطلب من نفسي ومنك - أخي القارئ - أن نقرأ هذه الصفحات بهدوء وتركيز شديدين، وأن تكون قراءة متصلة غير منقطعة لأنها تتضمن أفكارًا وعناصر متسلسلة ينبني كل واحد منها على الآخر، والله المستعان.
[ ٤١ ]
الفصل الرابع
حقيقة الإيمان
رأينا فيما سبق كيف أن للإيمان آثارًا عظيمة تنال الفرد والأمة، كما تم - بفضل الله - الحديث عن مراحل النمو الإيماني، وأهداف التربية الإيمانية ليبقى السؤال:
وكيف لنا أن نُحقق هذه الأهداف ونرى هذه الآثار؟
هل المطلوب لكي نتمتع بثمار الإيمان أن نؤدي الصلاة على وقتها، وأن نُطيل المكث في المسجد، ونُكثر من القيام بالأعمال الصالحة المختلفة؟
مع الأهمية القصوى لهذه الأعمال إلا أننا نُشاهد من يقوم بها أو ببعضها، ولا نرى آثارًا مثل التي ذُكرت سابقًا أو حتى قريبة منها، بل قد نجد العكس .. قد نجد شخصًا يحافظ على أداء الصلوات في المسجد، ويُصلي النوافل، ويُكثر من ذكر الله بلسانه، ومع ذلك تجده شديد الحرص على ماله، يحسب كل شيء بأدق تفاصيله .. يُفكر دومًا في تحصيل حقِّه أولًا قبل حقوق الآخرين، شديد التركيز مع الدنيا، إذا ذهب لشراء شيء ما تجده - في الغالب - ينتقل بين الحوانيت للبحث عن الأرخص ثمنًا، فإذا ما استقر على حانوت ما، تجده يدخل في صراع مع البائع لتخفيض الثمن إلى أقصى ما يُمكن تخفيضه.
وإذا ما كان صاحب عقار تجده يتعامل مع المستأجرين معاملة جافة غليظة، ويجتهد في التنصل من حقوقهم عليه.
قد يُعامل زوجته وأولاده معاملة حادَّة وجافة، فيُحاسبهم على كل شيء، ويُدقق معهم في كل صغيرة وكبيرة.
يُصاب بالفزع والهلع إذا ما أُصيب ماله بخسارة ولو طفيفة، أو ضاعت من بين يديه صفقة رابحة .. يحسد الآخرين على فضل الله عليهم، وفي المقابل تجده يخاف من الحسد خوفًا شديدًا، فلا يكاد يُظهر فضل ربه عليه وإن اضطره ذلك للكذب.
وليس هذا خاصًّا بالأغنياء فقط، فالفقراء ومتوسطوا الحال كذلك قد تجد فيهم بعض التناقض بين عباداتهم الظاهرة وبين سلوكياتهم ومعاملاتهم، ومن ذلك: شدة حرصهم على الدنيا، والحزن على فوات شيء يسير منها، والتلهُّف عليها، وكثرة التفكير في المستقبل.
وينكشف حجم الإيمان الضعيف أكثر وأكثر عند المساس بمصالحهم الدنيوية، فلا غضاضة من الكذب، وعدم الوفاء بالعهود والوعود إذا كان هذا سيحقق لهم نفعًا أو يصرف عنهم ضرًّا.