الذي يُقبل على القرآن إقبالًا صحيحًا فيتدبر معانيه ويتأثر بها يجد أنه يُخاطب جميع مشاعره، فتارة يستثير فيه مشاعر الخوف والرهبة، وتارة الفرح والاستبشار، وتارة الرضا والتفويض، وتارة السكينة والطمأنينة، وتارة الحب والشوق إلى الله ﷿.
يقول ابن القيم:
لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل، والرضا والتفويض، والشكر والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله (٥).
(يشعر القارئ (المتدبر للقرآن) أنه يعيش حياة نابضة في في عالم آخر غير الذي يعيش، يُدرك أن روحًا تسري فيه.
يحس من يقرأ في القرآن متنقلًا بين آياته وسوره أنه يعيش في قرية صغيرة، يجمعها مكان واحد، هي هذه المعمورة رغم اتساعها، ويكتنفها زمان واحد من لدن آدم حتى قيام الساعة .. نصوص مفتوحة أمامها الطريق، لا يحُدُّها زمان، ولا يُقيدها مكان، تلقي تعاليمها لهذا الإنسان الذي لا تتغير مشاعره وجوانبه النفسية وميوله على اختلاف الزمان.
هكذا يجد كل إنسان فيه بُغيته .. يُقبل عليه المهموم ليجد فيه بلسمه، ويُقبل عليه المحزون ليجد فيه سلوته، ويُقبل عليه العالم ليجد فيه طلبته، ويُقبل عليه الهارب من قيود الحياة الرتيبة ليجد فيه خلوته .. يُقبل عليه الضال التائه الحائر ليجد ضالته.
انظر كيف أن آيات السورة الواحدة تنتقل بك من موضوع إلى آخر، ومن وصف إلى قصص، إلى وعد ووعيد، إلى تشريع، .
_________________
(١) المكتوبات (٤٢٥ - ٤٢٦) باختصار وتصرف يسير.
(٢) المصدر السابق (٤٦٣).
(٣) رسائل ابن تيمية في السجن ص (٣١).
(٤) التعبير القرآني والدلالة النفسية للجيوسي ص (١٣٦).
(٥) مفتاح دار السعادة (١/ ٥٥٣).
[ ٦٥ ]
هذا، وإن في تنوع سور القرآن طولًا وقصرًا، انسجامًا مع هذه النفس الإنسانية التي تل الرتابة، كل سورة من سور القرآن تُضيف لبنة نفسية إلى ذلك الكيان الإنساني، حتى تجده مع آخر سورة قد اكتمل بناؤه النفسي، وتكاملت مشاعره وأحاسيسه ..
من هنا نُدرك الحكمة من كثرة النصوص الواردة في حثِّ المسلم على الإقبال على هذا القرآن، وإشارة النصوص إلى ضرورة أن يكون لهذا الإنسان ورد يومي وزاد يتقوَّت به في يومه، وأهمية قراءة القرآن من أوله إلى آخره لأنها تُمكن المرء من استثارة كامل مشاعره التي تنطوي عليها نفسه) (١).