إذن فالقرآن الكريم هو المصدر المتفرد والوسيلة العظيمة التي صنعت الجيل الأول، ومن ثَمَّ فهو المؤهل للقيام بهذه الوظيفة معنا إن أحسنَّا التعامل معه.
هذا من ناحية الواقع العملي، أما من ناحية الشروط التي تم الحديث عنها في الصفحات السابقة والخاصة ببناء القاعدة الإيمانية، فإن جميعها متحقق في القرآن وزيادة وزيادة، وكيف لا والذي أنزله هو رب العالمين، العالم باحتياجاتهم .. الذي يُريد لهم الخير والقرب الدائم منه ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦].
إن طريقة القرآن في زيادة الإيمان، وبناء قاعدته في جميع المشاعر طريقة فريدة لا يُمكن للعقل البشري القاصر أن يُحيط بها، ويكفيك في ذلك أن تتعرف على تأثير آيات القرآن عندما تُتلى على من يُحسن استقبالها ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧/ ١٤٤ برقم ٦٤٧٢).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء.
(٣) الانتصار للقرآن للباقلاني (١/ ٢٠١)، ومختصر قيام الليل لمحمد بن نصر (١٤٥).
(٤) فضائل القرآن لأبي عبيد ص ٦٦، وابن كثير في فضائل القرآن، وقال: إسناده جيد.
(٥) تفسير ابن كثير (٥/ ٣٣٢)، والدر المنثور للسيوطي (٥/ ٦١٥)، وروح المعاني للألوسي (١٧/ ٢).
[ ٦٣ ]
فهؤلاء الذين أشارت إليهم الآيات عندما سمعوا القرآن خرُّوا إلى الأذقان سُجدًا من تأثيره عليهم .. اندفعوا نحو الأرض بجباههم دون أن يُطلب منهم ذلك .. دفعهم لهذا السجود قوة تأثير الآيات على قلوبهم، واستثارتها الفائقة لمشاعر الإجلال والتعظيم لله ﷿، فلم يملكوا أنفسهم، ولم يستطيعوا السيطرة على مشاعرهم، فاندفعوا ساجدين خاشعين باكين ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥].
وكأن هذا هو الحال الذي ينبغي أن يكون عليه كل من يستمع آيات القرآن؛ لِما فيها من قوة تأثير جبارة، لذلك ذم الله ﷿ من لا يؤمن ولايخشع عند سماعه للقرآن ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١].
فمن لم يتأثر بالقرآن ويزداد به إيمانًا، فبماذا سيتأثر ويؤمن؟! ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠].