في أوقات الغفلة وقبل حدوث اليقظة الإيمانية، تكون ثقة المرء في ربه، وفي أنه مالك الكون ومدبر أموره والقائم عليه؛ محدودة، وفي المقابل تكون ثقته في الناس وفي قدراتهم الظاهرة أمامه كبيرة، ومن ثَمَّ يزداد إيمانه في إمكانية نفعهم أو ضرهم له، فيسعى لنيل رضاهم والاستفادة منهم، لذلك تجده يتزين لهم بأقواله وأفعاله .. يفرح بمدحهم، ويحزن من نقدهم .. يسعى دوما لتحسين صورته أمامهم لعله ينال حظوتهم.
فإذا ما حدثت اليقظة وازداد الإيمان نموًّا في القلب ازدادت تبعًا له الثقة في الله ﷿، ومن ثَمَّ تحولت هذه المشاعر تدريجيًّا نحوه سبحانه، وانصرفت عن الناس، فيقل الاهتمام بهم والتفكير فيهم، والحرص على نيل رضاهم.
_________________
(١) أخرجه مسلم في الفضائل (٢٣١٢).
(٢) حديث صحيح: أخرجه أحمد (٦/ ٥٠)، والترمذي (٤/ ٦٤٤، رقم ٢٤٧٠) وقال: صحيح، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٢٥٤٤).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة (٦/ ٢٤، رقم ٢٩١٨٤)، وأبو داود (٤/ ٣٢٤، رقم ٥٠٩٠)، وأحمد (٥/ ٤٢، رقم ٢٠٤٤٦)، وقال الشيخ الألباني صحيح الإسناد.
[ ٣٤ ]
وكلما نما الإيمان أكثر نقص التعلق بالناس، والطمع فيهم حتى يصل المرء لدرجة الاستغناء القلبي عنهم، أو بمعنى آخر: ينقطع تعلق القلب بهم من حيث النفع والضر.
نعم هو قد يطلب مساعدتهم في بعض الأعمال، لكنه يتعامل معهم باعتبار أنهم من جملة الأسباب التي قد يأخذ بها، أما الذي يُحرك الأحداث ويُنشئ النتائج فهو الله ﷿، وما البشر إلا ستار لإظهار قدرته وربوبيته.
وكذلك فهو قد يأخذ منهم ما يُعطونه إياه بطيب نفس، ولكن يأخذه بمشاعر من يأخذ من الله عن طريقهم، وأنهم مجرد أدوات لتوصيل رزق ربه - سبحانه - إليه.
وهكذا تظهر بالتدريج ثمار الاستغناء عن الناس تبعًا لنمو الإيمان الحقيقي في القلب.