لكي نتفق على الطريقة الصحيحة لتأسيس القاعدة الإيمانية علينا أن نبحث في التاريخ عن نموذج حقيقي من البشر ظهرت عليه آثار وثمار الإيمان المتنوعة والشاملة والتي تُعَدّ بمثابة مرآة تعكس وجود تلك القاعدة في القلب، فإن وجدناه علينا أن نتحرى عن الأسباب التي أدَّت إلى تكوينها بإذن الله.
والباحث المنصف في تاريخ الأمة لن يجد إلَّا جيلًا واحدًا ظهرت عليه تلك الثمار الشاملة ألا وهو جيل الصحابة، ولعل ما قيل في الفصل الثاني (ثمار الإيمان) ما يؤكد هذا الأمر.
ليبقى السؤال عن سبب وصولهم إلى هذا المستوى الإيماني السامق حتى نحذو حذوهم، وبخاصة أنهم كانوا قبل إسلامهم في ذيل الأمم، وكانوا يغرقون في ظلمات الجاهلية، وكان حالهم أسوأ بكثير من حالنا الآن .. كانوا يعبدون الحجارة، ويأتون الفواحش، ويقطعون الأرحام، ويئدون البنات، ويأكل القوي منهم الضعيف ..
فكيف حدث لهم هذا التحول العجيب؟!
كيف استطاعوا أن يصلوا إلى هذا المستوى الإيماني الفذّ؟
فإن قلت: قد يكون وجود الرسول ﷺ بينهم هو السبب في ذلك. أجبتك أنه ما من شك في أن وجود الرسول ﷺ بين الصحابة كان له دور كبير في استقامتهم، فهو المعلم والمُربِّي، ولكن لو كان الأمر يقف عند هذا الحد لأصبح من المستحيل الوصول إلى هذه الدرجة الإيمانية أو الاقتراب منها في ظل غياب شخص الرسول ﷺ.
هذه واحدة، والأخرى أنه ﷺ عندما هاجر إلى المدينة وجد مستويات إيمانية عالية من أُناس لم يسبق له أن رآهم أو تعامل معهم من قبل، فبعد بيعة العقبة أرسل الرسول ﷺ مصعب بن عمير لأهل يثرب - الذين كانوا على شركهم - ليدعوهم إلى الإسلام، وقد كان، وانشرحت الصدور للدين الجديد، وامتلأت القلوب بالإيمان من قبل مجيء المهاجرين إليهم ومن بعدهم رسول الله ﷺ، ويكفي للاستدلال على قوة إيمانهم ما فعلوه مع المهاجرين من إيثار عجيب مع شدة فقرهم، والذي تم الحديث عنه في مقدمة الكتاب، وذكرته الآية الكريمة ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
[ ٦٠ ]
والعجيب أن الكثير من شعائر الإسلام لم تكن فُرِضت في هذه المرحلة حتى نقول بأن التزامهم بالعبادات والأعمال الصالحة كان السبب في هذا الإيمان الفذ ..
فكيف وصلوا لهذا المستوى؟!
ماذا فعل معهم مُصعب بن عمير؟!
كل ما في الأمر أن مصعبًا عندما ذهب إلى يثرب كان معه ما نزل من القرآن، أو بعبارة أخرى كانت معه المعجزة التي نزلت من السماء والتي من شأنها أن تُحدث زلزالًا رهيبًا في القلوب فلا تستقر بعده على حالها السابق، بل تكون في حالة من الانبهار الشديد، والاستسلام لرب هذه المعجزة.
لقد كان مصعب يُدرك أن معه معجزة عظيمة له آثار مزلزلة على من يتعرض لها، لذلك كان إذا أراد أن يدعو أحدًا إلى الإسلام؛ يقرأ عليه آيات من القرآن، فيحدث له الزلزال ومن ثَمَّ التسليم والإذعان الفوري، لدرجة أن أهل يثرب أطلقوا عليه لقب: «المُقرئ»، ولك - أخي القارئ - أن تتأكد من هذا الأمر إذا ما قرأت قصة إسلام أُسيد بن حضير، وسعد بن معاذ.
فأُسيد بن حضير، وسعد بن معاذ كانا من سيدي (الأوس)، وقد ضاقا ذرعًا بالدعوة الجديدة التي يحمل لوائها مصعب بن عمير، فعزما على إخراجه من يثرب بعد أن تزايد عدد من أسلم من أهلها على يديه، وذات مره كان مصعب في بستان من بساتين بني (عبد الأشهل) يدعو الناس إلى الإسلام، ويقرأ عليهم القرآن، فإذا بأُسيد يأخذ حربته ويتوجه نحو البستان، فلما رآه أسعد بن زرارة مقبلًا قال لمصعب: ويحك يا مصعب، هذا سيد قومه وأرجحهم عقلًا: أسيد بن حضير، فإن يُسلم يتبعه في إسلامه خلقٌ كثير، فاصدق الله فيه ..
وقف أسيد بن حضير على الجمع، والتفت إلى مصعب وصاحبه أسعد، وقال: ما جاء بكما إلى ديارنا، وأغراكما بضعفائنا؟! اعتزلا هذا الحي إن كانت لكما بنفسيكما حاجة.
فالتفت مصعب إلى أسيد قائلًا: يا سيد قومه، هل لك في خير من ذلك؟
قال: وما هو؟
قال: تجلس إلينا، وتسمع منَّا، فإن رضيت ما قلناه قبِلته، وإن لم ترضه تحولنا عنكم ولم نعد إليكم.
فقال أسيد: لقد أنصفت، وركز رمحه في الأرض وجلس، فأقبل عليه مصعب فكلمه عن الإسلام، وقرأ عليه شيئًا من آيات القرآن، فانبسطتت أساريره، وأشرق وجهه، وقال: ما أحسن هذا الذي تقول، ما أخلَّ ذلك الذي تتلو!! كيف تصنعون إذا أردتم الدخول في الإسلام؟
قال مصعب: تغتسل وتطهر ثيابك، وتشهد أن إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتصلي ركعتين ففعل، ثم قال: إن ورائي رجلًا إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرشده إليكما الآن - سعد بن معاذ - ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد في قومه. فقال سعد: أحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.
ثم ذهب سعد إلى مصعب فحدث له ما حدث لأسيد .. حدث له الزلزال فأسلم واستسلم لله، وخرج مسرعًا إلى قومه يقول لهم: إن كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله (١).