يزداد إرهاف الحس، وتأجج المشاعر، ويقظة العقل عندما تحدث أمام المرء أحداث غير مألوفة، ويصبح على درجة عالية من الاستعداد للتلقي، لذلك نجد القرآن الكريم بعد الأحداث الكبيرة التي مرت بالصحابة رضوان الله عليهم ينزل ليعلمهم ويوجههم ويربيهم حتى يستفيدوا من هذه الأحداث في مزيد من الاستقامة لله ﷿، وبخاصة أن النفوس تظل مدة من الزمن متعلقة بتلك الأحداث، وتكون فيها على استعداد لتلقي التوجيهات المتعلقة بها، ومثال ذلك: تعقيب القرآن الطويل على حادثة الإفك وكيف يستفيدون منها بعد ذلك: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]، ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٧]، وتعقيبه على ما فعله حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - في محاولته -غير الناجحة - لإخبار أهل مكة بعزم الرسول ﷺ على السير إليهم ودخول مكة فاتحًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١].
وكذلك التعقيب القرآني بعد غزوة بدر، وأحد، وبني النضير، والأحزاب، وما فيها من دروس وعبر وتوجيهات نحو مزيد من الاستقامة.
ولقد كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك مع الصحابة رضوان الله عليهم ويربط دومًا بين الحدث غير المألوف والمعاني الإيمانية الدالة عليه.
ففي يوم من الأيام وبينما كان الرسول ﷺ بين صحابته إذ جاءه سَبْي، وفي هذا السبي امرأة تسعى ملهوفة مضطربة قد ضاع منها رضيعها، واستمرت على هذا الحال الشديد حتى وجدته، فأخذته وضمته إلي صدرها بشدة ثم أرضعته.
هذا المنظر شاهده الصحابة فأثر فيهم غاية التأثير، فلم يتركه ﷺ يذهب سُدى، بل وجهه توجيهًا إيمانيًا، فقال لهم: «أترون هذه طارحة ولدها في النار؟!» قالوا: لا والله. قال: «الله أرحم بعباده من هذه على ولدها» (١).
إذن علينا أن نستفيد من الأحداث غير المألوفة التي تمر بنا في توجيه أنفسنا والآخرين نحو مزيد من الاستقامة لله ﷿.
هل هناك مزيد من الوسائل؟
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٥/ ٢٢٣٥، رقم ٥٦٥٣)، ومسلم (٤/ ٢١٠٩، رقم ٢٧٥٤).
[ ٨٦ ]
ليست الوسائل السابقة هي فقط التي تستثير المشاعر وتحفزها للقيام بالعمل الصالح، فهناك وسائل أخري كالصوت المؤثر، والإشارة باليد، والقَسَم، والمسابقات التنافسية، ولكننا - بفضل الله - اخترنا في هذه الصفحات أكثرها تأثيرًا وأيسرها استخدامًا.
كلمة أخيرة عن وسائل التحفيز
كما ذكرنا من قبل بأن علينا الاجتهاد في استثارة مشاعرنا وتحفيز أنفسنا قبل القيام بالعمل حتى يزداد نفعه في زيادة الإيمان وتحسين السلوك، ولقد تم ذِكر العديد من وسائل التحفيز ..
نعم، هناك بعض الصعوبة في استخدام كل هذه الوسائل للمرء مع نفسه، فبعضها يكون أكثر نفعًا عند توجيه الآخرين وتحفيزهم للقيام بعمل ما، ومع ذلك فمن الممكن استخدام الكثير منها مع أنفسنا.
فقبل القيام بالعمل أسأل نفسي: لماذا أقوم بهذا العمل؟ وأبدأ بالجواب من خلال:
- تذكير النفس بأن هذا العمل قربة إلى الله وابتغاء مرضاته.
- وتذكير النفس بفضل هذا العمل.
- وأذكرها كذلك بأهمية القيام به.
- وأخوفها من عاقبة تركه.
- وأحاورها وأعرض عليها منافع القيام به، وأضرار تركه التي قد تصيبني.
- وأذكرها بالمواقف الإيجابية السابقة التي قمت فيها - بفضل الله - بأداء هذا العمل وغيره رغم الصعوبات التي واجهتني.
- وأشجع نفسي بمثل: هيا يا بطل .. هيا قم إلى العمل لعل الله ﷿ يختارك لنفع الأمة وتكون من السابقين في الدنيا والمقربين في الآخرة ..
- وأحاول تذكيرها ببعض القدوات التي تعرفها والتي تقوم بهذا العمل وغيره.
- وأقرأ قصة لها ارتباط بالعمل.
أما في حالة توجيه الآخرين فعلينا إضافة بقية الوسائل الأخرى.