يقول بديع الزمان النورسي في فائدة ضرب الأمثال: أنها تُظهر الحقائق البعيدة جدًّا أنها قريبة جدًا، وتوصل إلى أسمى الحقائق وأعلاها بسهولة ويسر (٢).
ومن فوائد المثل (إبراز صورة معنوية في صورة حسية فيتقبلها العقل؛ لأن المعاني المعقولة لا تستقر في الأذهان إلا إذا صِيغت في صورة حسية قريبة الفهم .. فيكون وقعها التأثيري أقوى وأومض في النفوس والعقول.
والأمثال تخاطب عقول الناس بما يعرفونه، وتجعل ما هو غائب ماثلًا أمامهم فتُقرب إليهم البعيد) (٣).
ولضرب المثل وظيفة مهمة في تحفيز الإنسان للقيام بالعمل من خلال تقريب المعنى والتأثير في المشاعر، يقول الإمام محمد عبده: واختير للمثل لفظ الضرب لأنه يأتي عند إرادة التأثير، كأن ضارب المثل يقرع به أُذن السامع قرعًا ينفذ أثره إلى قلبه، وينتهي إلى أعماق نفسه (٤).
لذلك قيل بأن: المعلم الناجح هو الذي يُكثر من ضرب الأمثال.
فعلينا استخدام هذه الوسيلة للتأثير على المشاعر قبل القيام بالعمل وبخاصة عند مخاطبة الآخرين.
والقرآن والسنة بها الكثير من الأمثال التي تُقرب المعاني البعيدة في صور قريبة محسوسة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩].
وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
ومما جاء في السنة قوله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (٥).
_________________
(١) التعبير القرآني للجيوسي (٤٨١ - ٤٨٢) باختصار.
(٢) المكتوبات ص ٤٨٧.
(٣) الإعجاز التأثيري في القرآن ص (١٨٨ - ١٩٠) د. مصطفى السعيد، باختصار - مؤسسة أجيالنا.
(٤) التعبير القرآني ص (٤٥٤) عن تفسير المنار لمحمد رشيد رضا (١/ ٢٣٦).
(٥) متفق عليه أخرجه: البخاري (٩/ ٦٢ برقم ٧٠٧٥)، ومسلم (٤/ ١٩٩٩، رقم ٢٥٨٦).
[ ٨٤ ]
وقوله: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيَك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة» (١).