هناك عدة أمور ينبغي مراعاتها عند الحديث عن «التربية». وضرورتها في تغيير الفرد والأمة.
أولًا: أن يتم تبنِّيها كثابت رئيسي ومتفرد للتغيير الحقيقي، فلئن كان تغيير وضع الفرد أو الأمة من السيئ للأحسن مرتبط بتغيير ما بالنفس كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد/١١].
_________________
(١) * يتم - بعون الله - عرض موضوع التكامل التربوي في هذا الفصل باختصار شديد كمدخل للتربية الإيمانية، فإن أردت - أخي القارئ - التعرف عليه بشيء من التفصيل فلك - إن شئت - أن تقرأ لكاتب هذه السطور كتاب «التوازن التربوي وأهميته لكل مسلم» والكتاب - بفضل الله - يوجد على موقع الإيمان أولُا.
(٢) «أصول التربية الإسلامية وأساليبها المختلفة» لعبد الرحمن النحلاوي ص (١٢)، دار الفكر.
[ ٤ ]
فإن حدوث هذا التغيير يستلزم سلوك طريق «التربية» تأمل معي ما قاله الإمام المجدد حسن البنا، وهو يحكي عن تجربته في الدعوة حتى أيقن بضرورة التوجه نحو التربية لتغيير الفرد والأمة على منهج الإسلام، فيقول:
طالعت كثيرًا، وجربت كثيرًا، وخالطت أوساطًا كثيرة وشهدت حوادث عدة، فخرجت من هذه السياحة القصيرة بعقيدة ثابتة لا تتزلزل، هي أن السعادة التي ينشدها الناس جميعا إنما تفيض عليهم من نفوسهم وقلوبهم، ولا تأتيهم من خارج هذه القلوب أبدا، وأن الشقاء الذي يحيط بهم ويهربون منه إنما يصيبهم بهذه النفوس والقلوب كذلك، وإن القرآن يؤيد هذا المعنى، ويوضح ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد/١١].
اعتقدتُ هذا، واعتقدتُ إلى جانبه أنه ليس هناك نُظُم ولا تعاليم تكفل سعادة هذه النفوس البشرية، وتهدي الناس إلى الطرق العملية الواضحة لهذه السعادة كتعاليم الإسلام الحنيف الفطرية الواضحة العملية ..
لهذا وقَفْتُ نفسي منذ نشأت على غاية واحدة، هي إرشاد الناس على الإسلام حقيقة وعملًا ..
ظلت هذه الخواطر حديثًا نفسانيًّا، ومناجاة روحية، أتحدث بها في نفسي لنفسي، وقد أُفْضِي بها إلى كثير ممن حولي، وقد تظهر في شكل دعوة فردية، أو خطابة وعظية، أو درس في المساجد إذا سنحت فرصة التدريس، أو حثّ لبعض الأصدقاء من العلماء على بذل الهمة ومضاعفة المجهود في إنقاذ الناس وإرشادهم إلى ما في الإسلام من خير.
ثم كانت في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي حوادث عدة ألهبت نفسي، وأهاجت كوامن الشجن في قلبي، ولفتت نظري إلى وجوب الجد والعمل، وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه، والتأسيس بعد التدريس (١).
وفي موضع آخر يقول ﵀:
إن الخطب والأقوال والمكاتبات والدروس والمحاضرات وتشخيص الداء ووصف الدواء .. كل ذلك وحده لا يُجدي نفعًا، ولا يُحقق غاية، ولا يصل بالداعين إلى هدف من الأهداف؛ ولكن للدعوات وسائل لابد من الأخذ بها والعمل لها. والوسائل العاملة للدعوات لا تتغير ولا تتبدل ولا تعدو هذه الأمور الثلاثة:
١ - الإيمان العميق ٢ - التكوين الدقيق ٣ - العمل المتواصل (٢).
ثانيًا: أن تستمر التربية ولا تنقطع أو تتوقف عند فترة معينة، لأن الأمر الذي استوجبها دائم لا ينقطع ولا يتوقف حتى الموت: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر/٩٩].
تأمل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [النساء/١٣٦].
يقول محمد قطب معلقًا على هذه الآية: أي حافظوا على إيمانكم، استمروا فيه، لا تغفلوا عن المحافظة عليه .. لا تفتروا عن معاهدته ورعايته وتغذيته وتقويته والحرص عليه (٣).
_________________
(١) رسالة المؤتمر الخامس، من مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا ص ١١٦، باختصار.
(٢) رسالة بين الأمس واليوم، ص ١٠٨.
(٣) مكانة التربية في العمل الإسلامي لمحمد قطب، ص ٢٦ - دار الشروق.
[ ٥ ]
ومما يؤكد هذا المعنى قوله ﷺ: «إن الإيمان يخلق في القلوب كما يخلق الثوب، فجددوا إيمانكم» (١).
فمهما تقدم عمر المرء، ومهما ارتقى في سلم المسئولية، فلابد له من الاستمرار في التربية حتى يستمر قيامه بحقوق العبودية لله ﷿.
(إن القلب البشري سريع التقلب، سريع النسيان، وهو يشف ويشرق فيفيض بالنور .. فإذا طال عليه الأمل بلا تذكير ولا تذكُّر، تبلد وقسا، وانطمست إشراقته، وأظلم وأعتم، فلا بد من تذكير هذا القلب .. ولابد من اليقظة الدائمة كي لا يصيبه التبلد والقساوة) (٢).
وأما النفس فهي كالأسير الذي يحاول مقاومة الأسر، فإن أسَرْتَه فلابد من اليقظة الدائمة معه حتى لا يفلت منك ويأسرك ويجعلك طوع أمره.
والعقل أيضًا يحتاج باستمرار إلى تزويده بالعلم النافع حتى تتسع مداركه، وتُفتح نوافذه، فتزداد معرفته بربه، وما يُقربه إليه ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
ثالثا: ومن الضوابط الحاكمة للعملية التربوية كذلك ضرورة أن تشمل التربية الجوانب الأربعة للشخصية، فأي إهمال لجانب منها يؤدي إلى عدم ظهور ثمرة التربية الصحيحة (فعندما يحصل اهتمام بتحصيل العلم، دون الاهتمام بزيادة الإيمان، فستكون النتيجة المتوقعة: شخص كثير التنظير، حافظا للنصوص، كثير الحديث عن القيم والمبادئ، والمعاني العظيمة، لكنك قد تجد في المقابل واقعًا يختلف عن الأقوال، فهو يتحدث عن العدل والمساواة، بينما لا يتعامل مع الآخرين بهذه القيم، وبخاصة مع من يرأسهم .. يتحدث عن الزهد في الدنيا وأهمية العمل للآخرة، في حين تجده يحرص على جمع المال، وينفق منه بحساب شديد، ويدقق في كل شيء مهما كان صغيرًا.
كل هذا وغيره بسبب عدم الاهتمام بالإيمان بنفس درجة الاهتمام بالعلم، فالذي يُقرب المسافة بين القول والفعل، ويُترجم العلم إلى سلوك هو: «الطاقة والقوة الروحية المتولدة من الإيمان».
أما عندما يتم الاهتمام بالإيمان دون العلم فستجد أمامك شخصًا جاهلًا، يتشدد فيما لا ينبغي التشدد فيه، ويترخص فيما لا ينبغي الترخص فيه .. ستجد شخصًا ضيق الأُفق لا يستطيع أن يتعامل مع فقه الواقع ومستجدات العصر.
وفي حالة الاهتمام بالعلم والإيمان مع عدم الانتباه للنفس، وإهمال تزكيتها، فسيكون النتاج: شخصًا كثير العبادة، كثير المعلومات، سبَّاق لفعل الخير وبذل الجهد، لكنه متورم الذات، يرى نفسه بعدسة مكبِّرة، ويرى غيره بعكس ذلك، لأن عبادته وأوراده وبذله - في الغالب - ستغذي إيمانه بنفسه وبقدراته، وأنه أفضل من غيره، فيتمكن منه - بمرور الأيام واستمرار الإنجازات والنجاحات - داء العُجْب، ومن وراءه الغرور والكبر والعياذ بالله، فيُعرِّض نفسه لمقت ربه وحبوط عمله.
ومع ضرورة الاهتمام بالتربية المعرفية والإيمانية والنفسية تأتي كذلك أهمية التعود على بذل الجهد في سبيل الله، وفي دعوة الناس إليه، فلو لم يتحرك المسلم، ويُعلّم الناس ما تعَلّمه، ويأخذ بأيديهم لتغيير ما بأنفسهم - بإذن الله - فإنه سيصاب بالفتور والخمول والكسل، ولن يدرك أسرار الكثير من المعاني التي يتعلمها، وقبل ذلك فإن الواجب الشرعي والواقع الأليم الذي تحياه أمتنا يُحتِّمان عليه فعل ذلك.
_________________
(١) حديث حسن: أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (١/ ٥٢) وقال الهيثمي: إسناده حسن. والحاكم (١/ ٤٥، رقم ٥) وقال: رواته مصريون ثقات. وقال المناوي (٢/ ٣٢٤): قال العراقي في أماليه: حديث حسن، وحسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم ١٥٨٥.
(٢) في ظلال القرآن لسيد قطب ٦/ ٣٤٨٩.
[ ٦ ]
وفي المقابل، فإن الحركة وبذل الجهد في سبيل الله إن لم يكن وراءها زاد متجدد، فإن عواقب وخيمة ستلحق بصاحبها، ويكفيك في بيان هذه الخطورة قوله ﷺ: «مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، مثل الفتيلة، تُضيء للناس وتحرق نفسها» (١).
فلابد من الأمرين معًا: لابد من الزاد، ولابد من التحرك بهذا الزاد (٢).