كما أن للبدن مراحل نمو، كل مرحلة لها سماتها ومظاهرها، كذلك الإيمان في القلب.
والمرحلة الأولى للنمو الإيماني هي مرحلة «بداية اليقظة» .. يقظة القلب بنور الإيمان، حيث يمُنُّ الله ﷿ على العبد بإدخال نور الإيمان إلى قلبه، لتبدأ الحياة تدب في جنباته، وتبدأ معها مرحلة جديدة في مسيرة صاحبه وكيف لا، والقلب - قبل يقظته - مظلم قد سيطر عليه الهوى وتحكم في مشاعره .. يفرح بما تفرح به نفسه وهواها، ويغضب لها، ويحزن على ما يفوتها أو يُضايقها ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢].
تبدأ اليقظة - في الغالب - ببصيص من النور يجعل القلب يفيق قليلًا من غفلته ويستيقظ من سُباته، ليبدأ معها العقل في التفكير في حقيقة الحياة والموت، ويزداد شغفه للتعرف على تفاصيل ما يحدث بعد الموت، ومن المتوقع في هذه المرحلة، سيطرة الشعور بالندم على القلب كلما استرجع ذكريات الماضي، والأخطاء التي وقع فيها في حق الله، وفي حق الآخرين، فيدفعه هذا الشعور إلى الحياء من الله ﷿ والرجاء في عفوه ومغفرته وتوبته، ويدفعه كذلك إلى العمل على رد الحقوق التي استلبها من الآخرين.
_________________
(١) سبق تخريجه، ويخلق بمعنى: يبلى.
[ ٣٠ ]
وفي هذه المرحلة الأولى من مراحل النمو الإيماني من المتوقع أن يَصغُر حجم الدنيا - ولو قليلا- في عين العبد، وينعكس ذلك على تعامله مع مفرداتها، فبعد أن كان يُسابق ويُنافس عليها، ويُفكِّر فيها ليل نهار، ولا يُبالي - في سبيل نيلها - بغيره، وبالضرر الذي قد يُسببه للآخرين تجد حرصه عليها يتناقص، ليثمر ذلك تحسنا ملحوظا في المعاملات والعمل على ضبطها بضوابط الشرع، وإن بقي الكثير من حب الدنيا في القلب.
ومن أهم المظاهر العملية لهذه المرحلة: الاتجاه الإيجابي نحو أداء العبادات وفضائل الأعمال، فتجد العبد حريصًا على أداء الصلوات المكتوبة في أول وقتها، وإلحاقها بسننها الراتبة، وكذلك صيام رمضان وقيامه، والإكثار من صيام التطوع، وتتملكه الرغبة في تعلم أحكام تلاوة القرآن، وحفظ بعض سوره وأجزائه، ويزداد حرصه على سماع دروس العلم، والالتزام بما يمكن الالتزام به مما يُرضي الله ﷿ من عبادات الجوارح