البدر، سبعون ألفًا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضواء نجم في السماء » (١).
الحديث الثاني: حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، قال: «يُؤتَوْن نورهم على قدر أعمالهم: فمنهم من يُؤتى نوره كالجبل، ومنهم من يُؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يُؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورًا من نوره على إبهامه يطفأُ مرة ويَقِدُ مرة» (٢).
الحديث الثالث: حديث بريدة أن النبي - ﷺ - بيَّن أن إكثار المشي في الظلم إلى المساجد يُثمر إعطاء النور التام يوم القيامة، فعن بريدة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «بشّر المشَّائين في الظّلم إلى المساجد بالنُّور التَّامّ يوم القيامة» (٣).
الحديث الرابع: حديث أبي هريرة - ﵁ -،أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله
_________________
(١) مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة، ١/ ١٧٨، برقم ١٩١.
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ٢٣/ ١٧٩، والحاكم، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي على شرط البخاري، ٢/ ٤٧٨.
(٣) أخرجه أبو داود، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في المشي إلى الصلاة، ١/ ١٥٤، برقم ٥٦١، والترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة، ١/ ٤٣٥، برقم ٢٢٣، وقال: «هو صحيح مسند موقوف إلى أصحاب النبي - ﷺ -». وأخرجه ابن ماجه من حديث سهل بن سعد، وأنس ﵄، في كتاب المساجد والجماعات، باب المشي إلى الصلاة ١/ ٢٥٦، برقم ٧٨٠، ورقم ٧٨١، والحاكم في المستدرك، ١/ ٥٣، وقال الإمام المنذري عن رواية أبي داود والترمذي: «ورجال إسناده ثقات» الترغيب والترهيب، ١/ ٢٨٩، وقال العلامة الألباني في تحقيقه لمشكاة المصابيح للتبريزي، ١/ ٢٢٤: «الحديث صحيح لشواهده الكثيرة، عن جماعة من الصحابة جاوزوا العشرة، وقد خرجتها في صحيح أبي داود، برقم ٥٧٠».
[ ٤٤ ]
ليضيء للذين يتخلّلون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة» (١)، وذكر الطيبي، والمناوي، ثم المباركفوري: أن هذا النور يحيط بالمشَّائين إلى المساجد في الظُّلَم من جميع جوانبهم على الصراط، لمَّا قاسوا مشقة المشي في ظلمة الليل جوزوا بنور يضيء لهم ويحيط بهم على الصراط ووصف النور بالتامّ، وتقييده بيوم القيامة تلميح إلى وجه المؤمنين يوم القيامة، وقولهم فيه: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾، وإلى قصة المنافقين وقولهم للمؤمنين: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾، وفيه أن من انتهز هذه الفرص، وهي المشي إلى المساجد في الظلم في الدنيا كان مع النبيين، والذين آمنوا: من الصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا (٢).
ولا شك أن سرعة المرور على الصراط بحسب النور، فمن كان نوره أعظم كان مروره على الجسر أسرع، وهو أحدُّ من السيف، وأدقُّ من الشعر، فمن الناس من يمرّ عليه ويتجاوزه كلمح البصر، ومنهم من يمرّ كالبرق، ومنهم من يمرّ كالريح، ومنهم من يتجاوزه كالطير، ومنهم من يمرّ كالفرس الجواد، ومنهم من يمرّ كركاب الإبل (٣)، ومنهم من يزحف
_________________
(١) الطبراني في المعجم الأوسط، ٢/ ٤٣، برقم ٦٨٠، [مجمع البحرين في زوائد المعجمين]، وقال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، ١/ ٢٩٠: «رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن»، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «وإسناده حسن» ٢/ ٣٠.
(٢) انظر: شرح الطيبي على مشكاة المصابيح، ٣/ ٩٤١ - ٩٤٢، وفيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي، ٣/ ٢٠١، وتحفة الأحوذي، للمباركفوري، ٢/ ١٤.
(٣) هذه الدرجات الست في صحيح مسلم، كتاب الإيمان، معرفة طريقة الرؤية، ١/ ١٦٩، برقم ١٨٣، قال أبو سعيد الخدري: «بلغني أن الجسر أدق من الشعر، وأحد من السيف»، مسلم، ١/ ١٧١، رواية الحديث رقم ١٨٣، والبخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ٨/ ٢٢٨، برقم ٧٤٣٩.
[ ٤٥ ]
زحفًا (١) حتى يجيء آخرهم يسحب سحبًا (٢).
وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن الأنوار تقسم دون الجسر على حسب الأعمال، فيُعطَى العبد من النور هناك بحسب قوة نوره، وإيمانه، ويقينه، وإخلاصه، ومتابعته للرسول - ﷺ - في دار الدنيا، فقال ﵀: «فمنهم من يكون نوره كالشمس (٣)، ودون ذلك كالقمر، ودونه كأشدِّ كوكبٍ في السماء إضاءة، ومنهم من يكون نوره كالسراج في قوّته وضعفه، وما بين ذلك، ومنهم من يُعطَى نورًا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى، بحسب ما كان معه من نور الإيمان في دار الدنيا، فهو هذا النور الذي بعينه أبرزه الله لعبده في الآخرة ظاهرًا يُرى عِيانًا بالأبصار، ولا يستضيء به غيره، ولا يمشي أحدٌ إلا في نور نفسه، إن كان له نور مشى في نوره، وإن لم يكن له نورٌ أصلًا لم ينفعه نور غيره، ولما كان المنافق في الدنيا قد حصل له نور ظاهر غير مستمر ولا متصل بباطنه، ولا له مادة من الإيمان أُعطي في الآخرة نورًا ظاهرًا لا مادة له، ثم يُطفأ عنه أحوج ما كان إليه» (٤).
وبيّن ﵀ أن مشي الناس على الصراط بحسب سرعتهم في الخير
_________________
(١) من رواية لمسلم، ١/ ١٨٧، برقم ١٩٥.
(٢) من رواية للبخاري، برقم ٧٤٣٩، وانظر: معارج القبول، للشيخ حافظ الحكمي، ٢/ ٨٥٠ - ٨٥٧.
(٣) انظر: مسند الإمام أحمد، ٢/ ٧٧، ٢/ ٢٢٢، وشرح أحمد شاكر للمسند، برقم ٦٦٥٠، ٧٠٧٢.
(٤) اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم، ٢/ ٨٦.
[ ٤٦ ]