حديث أذيع من دمشق سنة ١٩٥٩
يا أيها السامعون، إنكم تسمعون هذا الحديث ومنكم من يتهيأ ليذهب إلى سهرته، ومنكم من يعكف على قهوته ودَخينته، ومنكم من هو في خصام مع زوجته، ومنكم من يفكر في عمله أو في تجارته. يمرّ بكم ذكر الآخرة فتفكرون فيها لحظة واحدة ثم تنسونها، ينتقل بكم الرادّ من الموعظة إلى غيرها فتنتقلون حيث ينقلكم، فكأنكم ما سمعتم ذكرها.
إنكم كرَكْب طال عليه الأمد وامتدّ به المسير، فلم يعد يسأل: إلى أين المصير؟
لقد ضلّ به الطريق، فهو يَحُطّ الرحالَ كل عشية ويمشي كل صباح، لكنْ لا يدري إلى أين يمشي. وإذا نادى الدليلُ ليرشد الرَّكْبَ الضالّ ويهدي السَّفْرَ الحائر ضاع نداؤه الخافت في ضجة القافلة الصاخبة، التي غدا أكبر همها أن تستمتع بما حولها وأن تقطع باللهو الساعةَ التي هي فيها.
لقد شغلتكم مناظر الطريق عن غاية الطريق، واكتفيتم بمُتَع السفر عن التفكير بنهاية السفر.
[ ٢٣ ]
وأنا مثلكم، ما أنا بخير منكم؛ كلنا في غفلة عن الآخرة. فهل يكون لنا من هذه المجالس مذكِّر بها؟ هل نخرج من رمضان ونحن أقرب إلى الله، أم يمرّ بنا كما مرّ من قبله رمضان ورمضان، وعشر وعشرون وثلاثون من شهور رمضان؟
لقد عرفت رمضان أول مرة في قلب الصيف، ثم رأيته قد دار حتى صار في قلب الشتاء، ثم عاد فصار في الصيف، ثم صار في الشتاء. يمرّ بالشتاء وبالصيف، ونمرّ نحن قومًا بعد قوم، نولد ونعيش ونموت، ورمضان يدور. لقد رأيت ثلاث دورات كل دورة في خمس عشرة سنة، مرّت كأنها يوم واحد. إني لأفكّر في رمضان الأول فأراه من وراء خمس وأربعين سنة كأنها كانت أمس. قد مرت الأيام ولم نحسّ بها، ولكنّا خسرناها من أعمارنا.
تأتي الإجازة الصيفية ثلاثة أشهر فنراها في أولها طويلة، فإذا هي قد مرّ منها أسبوع ما شعرت به، ويكون يوم الجمعة فلا تحسّ إلا وقد جاءت الجمعة الأخرى، ثم جاء أسبوع جديد، ثم مضى الشهر، ثم انصرمت العطلة ورجعَت المدرسة!
فنحن نخسر أعمارنا بمرور الزمان، وبخسارة العمر نخسر كل شيء، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿والعَصْرِ، إنّ الإنسانَ لَفي خُسر﴾. لقد فسّروا العصر تفسيرات كثيرة، ولكن هذا هو التفسير الذي كشفه الله لي: العصر هو الزمان.
ونحن حين نقسم بشيء نكون قد عظّمناه التعظيم المطلَق الذي هو روح العبادة، ولذلك لم يَجُز الحلف بغير الله لأن العبادة له وحده، أما قَسَم الله في القرآن بشيء فإنما يكون لتنبيه الناس إلى
[ ٢٤ ]
مَزيّة فيه. فالله قد أقسم بالعصر (الذي هو الزمان) على أنّ الإنسان لفي خُسر إشارةً إلى أن هذه الخسارة تأتي حتمًا مع الزمان، وليست خسارةَ مالٍ يعوَّض ولا خسارة حبيب يُنسى. إنها خسارة الحياة نفسها. فإذا كان مقدَّرًا عليك أن تعيش سبعين سنة فإنك تخسر في كل دقيقة تمر عليك جزءًا منها، حتى إذا مرّت بك سبعون سنة لم يبقَ لك شيء وخلّفتَ وراءك كل ما كنت تحسبه لك.
لو اتخذت كيسًا فعلّقته في عنقك وجعلت فيه مالك، وحملت مسدسك على جنبك تدافع به عن نفسك فإن الناس يبتعدون عنك مدةَ حياتك، ولكنهم ينهبونه منك بعد موتك بدقيقة، ولا تقدر أن تمدّ يدك فتدفعهم عنك أو تفتح فمك فتقول لهم: ماذا تعملون؟
لا تأخذُ معك من كل ما تملك شيئًا، لا من مالك ولا من عماراتك ولا من سياراتك ولا من جاهك وسلطانك؛ العمارات تبقى في أرضها فيملكها وريثك، والسيارات يركب بها سواك، والجاه والسلطان يتمتع به غيرك. وتدخل القبر وحيدًا فريدًا عاريًا إلا من كفنك.
هذا شيء ظاهر لا ينكره منكر؛ إنها خسارة كل شيء إلا شيئًا واحدًا تأخذه معك إلى الدار الآخرة، هو الإيمان والعمل الصالح: ﴿والعَصْرِ، إنّ الإنسانَ لَفي خُسْرٍ، إلاّ الذين آمَنوا وعَمِلوا الصّالحات﴾.
* * *
إن مَثَلَنا مَثَلُ أهل تلك الجزيرة التي أخلاها الأمريكان من
[ ٢٥ ]
سنوات ليجربوا فيها تجربة ذرية، وقالوا لأهلها: إننا سنرحّلكم جميعًا بالطيارات ونعطيكم بدل كل ما لكم هنا أكثر منه في أميركا ونسكنكم في بيوت خير من بيوتكم، بشرط أن تقدموا طلبًا تربطون به الوثائق المثبتة وأن تستعدوا، فإن الطيارات تأتي تباعًا لنقلكم، فمن دُعي للسفر أجاب حالًا.
فانقسموا أقسامًا. قسم قالوا: هذا كله كذب ولا يوجد في الكون شيء اسمه أميركا، ليس في الوجود إلا هذه الجزيرة. هذا هو منطق العلم الذي لا يصدق إلا بما يراه ويلمسه، ولو كانت أميركا هذه التي يزعمونها موجودة حقيقة لرأيناها. فقال لهم العقلاء: يا ويحكم! إنكم تضرّون أنفسكم ولا تشعرون، وإنكم جَهَلة وتدّعون العلم، وأغبياء وتزعمون أنكم من أهل الفقه. إنه سيأتي يومٌ تنقلب فيه بلدكم رأسًا على عقب وتزلزل زلزالًا. فلم يصدقوا!
وقسم قالوا بألسنتهم: صدّقنا، ولكنهم لبثوا على ما كانوا عليه؛ ما فكّروا في الاستعداد للسفر ولا طلبوا تعويضهم عن مساكنهم التي ستدمّر بمساكن أخرى في أميركا، وراحوا يزينون دورهم ويتخذون لها فرشًا جديدًا وينقشون جدرانها ويشترون لها اللوحات الفنية ليعلقوها فيها، كأنها باقية لهم، لا يعلمون أن ساعة خرابها آتية قريبًا.
فقال لهم العقلاء: كيف تقولون بأفواهكم أنكم صدّقتم بأن هذه الجزيرة ستهدم وأن الحياة فيها أصبحت قصيرة، وأن حياتكم الباقية ستكون في أميركا، وأنكم لا تدرون متى تُدعَون إلى السفر، وأنكم حين تُدعَون لا تنتظركم الطيارة دقيقة واحدة،
[ ٢٦ ]
ثم لا تستعدون للسفر ولا تعملون على الحصول على مساكن في أميركا؟ لقد كذّبتم بفعلكم ما قلتموه بلسانكم، وزعمتم أنكم مصدّقون ولكن تبين أنكم لم تصدقوا.
وقسم علموا أن هذه الدار لم تعد دار مُقام وأنها صارت ممرًّا لا مقرًّا، فأحصوا أملاكهم وجاؤوا بالوثائق والبيانات وقدموا طلبًا ليأخذوا عوضًا في أميركا، وأطاعوا كل أمر صدر إليهم واتبعوا كل مادة في القانون، ثم حزموا أمتعتهم وأعدوا حقائبهم وقعدوا ينتظرون أن يدعوا ليُلَبّوا.
كذلك -يا سادة- مَثَل الدنيا والآخرة (١)؛ فالعاقل مَن استبدل بداره الفانية هذه دارًا هناك باقية، وعلم أن الموت يطرقه في كل لحظة فاستعدّ للقائه دائمًا، فكان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين استثناهم الله من الخَسار بفعل الزمان.
* * *
_________________
(١) انظر فصل «بين يدَي الكتاب» في أول كتاب «تعريف عام بدين الإسلام» (مجاهد).
[ ٢٧ ]
في مطلع العام الجديد