نشرت سنة ١٩٨٧ (١)
أسرد عليكم قصة أسرة أميركية فيها ستة أولاد، أبوهم فلاح متين البناء قوي الجسد ماضي العزم وأمهم امرأة عاقلة مدبّرة حازمة، فتربى الأولاد على الصبر والاحتمال حتى صاروا رجالًا قبل أوان الرجولة.
وخرج الصغير يومًا يلعب، وكان في الثالثة عشرة، فقفز من فوق صخرة عالية قفزة وقع منها على ركبته، وأحس بألم فيها، ألم شديد لا يصبر عليه ولدٌ مثله، ولكنه احتمله وصبر عليه ولم يخبر به أحدًا، وأصبح فغدا على مدرسته يمشي على رجله، والألم يزداد وهو يزداد صبرًا عليه، حتى مضى يومان، فظهر الورم في
_________________
(١) * نُشرت هذه المقالة سنة ١٩٨٧ في سلسلة «صور وخواطر» التي بدأ جدي ﵀ بنشرها في جريدة «الشرق الأوسط» بعد الفراغ من نشر ذكرياته فيها. على أن لها أصلًا أقدم من ذلك؛ فقد أذيع جزء منها من إذاعة دمشق في أحاديث الدعوة إلى الاستسقاء سنة ١٩٦٠، وخبرها في «الذكريات» (في أول الجزء السادس)، وبعضها أذيع من مكة بعد ذلك بنحو عشر سنين (مجاهد).
[ ٧٧ ]
رجله وازْرَقّ وعجز عن أن يخطو عليها خطوة واحدة. فاضطربت أمه وجزع أبوه، وسألاه عن خبرها فأخبرهما الخبر، فأضجعوه في فراشه وجاؤوا بالطبيب، فلما رآها علم أنه قد فات أوان العلاج وأنها إن لم تُقطَع فورًا مات الولد من تسمم الدم، فانتحى بأبيه ناحية وخبّره بذلك همسًا يحاذر أن يسمع الولد قوله، ولكن الولد سمع وعرف أنها ستقطع رجله، فصرخ: لا، لا تقطعوا رجلي، لا تقطعوا رجلي! أبي، أنقذني.
وحاول أن يقفز على رجل واحدة ويهرب منهم، فأمسك به أبوه وردّه إلى فراشه، فنادى أمه نداء يقطع القلوب: أمي، أمي، أنقذيني! أمي، ساعديني! لا تقطعوا رجلي.
ووقفت الأم المسكينة حائرة تحس كأن كبدها تتمزق: قلبها يدعوها إلى نجدة ابنها ويفيض حنانًا عليه وحبًا له، وعقلها يمنعها ويناديها أن تفتدي حياته برجله. ولم تدرِ ماذا تصنع، فوقفت وقلبها يتفطر ودمعها يتقاطر، وهو ينظر إليها نظر الغريق إلى من ظنّ أنه سينقذه. فلما رآها لا تتحرك يئس منها كما يئس من أبيه من قبل، وجعل ينادي أخاه إدغار بصوت يختلط فيه النداء بالبكاء بالعويل: إدغار، إدغار! أين أنت يا إدغار؟ أسرع فساعدني، إنهم يريدون أن يقطعوا رجلي!
وسمع أخوه إدغار (وهو أكبر منه بقليل) صراخه فأقبل مسرعًا، فشدّ قامته ونفخ صدره ووقف دون أخيه متنمّرًا مستأسدًا وفي عينيه بريق عزيمة لا تُقهَر، وأعلن أنه لن يدع أحدًا يقترب منه. وكلمه أبوه ونصحته أمه، وهو يزداد حماسة، وأخوه يختبئ
[ ٧٨ ]
وراءه ويتمسك به فيشد ذلك من عزمه. وحاول أبوه أن يزيحه بالقوة، فهجم على أبيه وعلى الطبيب الذي جاء يساعده. واستأسد واستيأس.
والإنسان إذا استيأس صنع الأعاجيب. ألا ترون الدجاجة إذا هجم أحدٌ على فراخها كيف تنفش ريشها وتقوم دون فراخها؟ والقطة إذا ضويِقَت كيف تكشر عن أنيابها وتبدي مخالبها؟ إن الدجاجة تتحول صقرًا جارحًا والقطة تغدو ذئبًا كاسرًا. وإدغار صار رجلًا قويًا وحارسًا ثابتًا، يتزحزح الجدار ولا يتزحزح عن مكانه. وتركوه آملين أن يملّ أو يكلّ فيبتعد عن أخيه، ولكنه لم يتحرك، وبقي يومين كاملين واقفًا على باب أخيه يحرسه، لم يأكل في اليومين إلا لُقَيمات قربوها إليه، ولم ينم إلا لحظات، والطبيب يجيء ويروح، ورجل الولد تزداد زُرقة وورَمًا. فلما رأى الطبيب ذلك نفض يده وأعلن أنها لم تبقَ فائدة من العملية الجراحية وأن الولد سيموت، وانصرف. ووقفوا جميعًا أمام الخطر المحدق.
* * *
ماذا يصنع الناس في ساعة الخطر؟ إن كل إنسان -مؤمنًا كان أو كافرًا- يعود في ساعة الخطر إلى الله، لأن الإيمان مستقر في كل نفس حتى في نفوس الكفار، ولذلك قيل له «كافر»، والكافر في لغة العرب «الساتر»، ذلك أنه يستر إيمانه ويغطيه، بل يظن هو نفسه أن الإيمان قد فُقد من نفسه، فإذا هزَّتْه الأحداث ألقت عنه غطاءه فظهر.
قريش التي كانت تعبد هبل واللات والعزى إنما كانت تعبدها
[ ٧٩ ]
ساعةَ الأمن، تعبدها هزلًا منها، فإذا جدّ الجِدّ وركب القرشيون السفينةَ وهاج البحر من حولها بموج كالجبال، وصارت سفينتهم بيد الموج كريشة في كف الرياح، وظهر الخطر وعمّ الخوف، بدا الإيمان الكامن في أعماق النفس فلم يَدْعوا اللات ولا العزى ولا هاتيك المَسْخَرات، ولكن دَعَوا الله رب الأرض والسماوات.
وعندما تغرق السفينة وتبقى أنت على لوح من الخشب بين الماء والسماء، لا تجد ما تصنع إلا أن تنادي: «يا الله». هذا فرعون الذي طغى وبغى وتكبر وتجبر، حتى قال أحمقَ مقالة قالها إنسان، قال: «أنا ربكم الأعلى»، لما أدركه الغرقُ قال: آمنتُ بالذي آمنَت به بنو إسرائيل!
وعندما تضلّ في الصحراء ويحرّق العطش جوفك وترى الموت يأتيك من كل مكان، لا تجد ما تصنع إلا أن تنادي: «يا الله». وعندما تتعاقب سنوات القحط ويمتد انقطاع المطر، وفي غمرة المعركة العابسة التي يرقص فيها الموت، وعندما يدنف المريض ويعجز الأطباء، يكون الرجوع إلى الله؛ هنالك ينسى الملحد إلحاده والماديّ ماديّته والشيوعيّ شيوعيّته، ويقول الجميع: «يا الله»!
* * *
لما ذهب الطبيب واستحكم اليأسُ وملأ قلوبَ الجميع: قلب الولد الخائف وأخيه المستأسد المتنمّر وأبيه وأمه، واستشعروا العجز ولم تبقَ في أيديهم حيلة وبلغوا مرتبة المضطر، مدّوا أيديهم إلى الله يطلبون منه الشفاء وحده، يطلبونه بلا سبب يعرفونه لأنها
[ ٨٠ ]
قد تقطّعت بهم الأسباب. والله الذي يشفي بسبب الدواء والطب قادر على أن يشفي بلا طب ولا دواء. مدّوا أيديهم وجعلوا يقولون: «يا الله»، يدعون دعاء المضطر، والله يجيب دعوة المضطر ولو كان فاسقًا، ولو كان كافرًا، ما دام قد التجأ إليه واعتمد عليه ووقف ببابه وعلّق أمله به وحده، يجيب دعوته إن طلب الدنيا، أما الآخرة فلا تُجاب فيها دعوته لأنه كافر لا يؤمن بالآخرة.
هؤلاء الكفار لمّا دَعَوا الله مخلصين له الدين استجاب دعاءهم ونجّاهم إلى البر، بل هذا شر الخلق إبليس لمّا دعا دعاء المضطر فقال: «رَبِّ أنْظِرْني إلى يَومِ يُبعَثون» قال له: «إنّك من المُنْظَرين».
ولو أمعنتم النظر في أسلوب القرآن لوجدتم أن الله لم يخبر في القرآن إخبارًا أنه يجيب دعوة المضطر، لأن ذلك مشاهَد معلوم، ولكنْ ذَكَره حجةً على المشركين فقال: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وَأنْزَلَ لكُمْ مِنَ السّماءِ مَاءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كانَ لَكُم أنْ تُنْبِتوا شَجَرَها؟ أإلهٌ مَعَ الله؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلون. أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهَارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَينِ حاجِزًا؟ أإلهٌ مَعَ الله؟ بَلْ أكثَرُهُم لا يَعْلَمون. أَمَّنْ يُجيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعَاهُ ويَكْشِفُ السّوءَ، ويَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الأَرْضِ؟ أإلهٌ مَعَ الله؟ قَليلًا ما تَذَكّرون﴾.
يا أيها القراء، إنهم لمّا دعوا نظروا فإذا الورم بدأ يخفّ والزرقة تمّحي والألم يتناقص، ثم لم يمضِ يومان حتى شفيت
[ ٨١ ]
الرِّجْل تمامًا. وجاء الطبيب فلم يكد يصدق ما يراه.
ستقولون: هذه قصة خيالية أنت اخترعتها وتخيلتها. فما قولكم إن دللتكم على صاحبها؟ إن هذا الولد صار مشهورًا ومعروفًا في الدنيا كلها وهو الذي روى القصة بلسانه، هذا الولد هو آيزنْهاور، القائد العام لجيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ورئيس أميركا بعد ذلك.
* * *
وقد وقعت لي أنا حوادث رأيتها وعشتها، أو وقعت لمن كان حولي سمعتها وتحققت منها. سنة ١٩٥٧ مرضت مرضة طويلة لخيانة من طبيب شاب شيوعي وضع لي جرثومة يسمونها «العصيّات الزرقاء» قليلة نادرة في بلادنا، وكانت شكواي من حصاة في الكلية أقاسي من نوباتها التي لا يعرف مداها إلا من قاساها، فانضمّت إليها أمراض أخرى لم يكن لي عهدٌ بها. وقضيت في المستشفى، مستشفى الصحة المركزي الكبير في دمشق ثم في مستشفى كلية الطب، بضعة عشر شهرًا، أقيم فيه ثم أخرج منه ثم أعود إليه، وكانوا كل يوم يفحصون البول مرتين وينظرون ما فيه. فلما طال بي الأمر وضاق مني الصدر توجّهت إلى الله فسألته إحدى الراحتين، الشفاء إن كان الشفاء خيرًا لي أو الموت إن كان في الموت خير لي. وكان يدعو لي كثير ممّن يحبني، وإن كنت لا أستحق هذا الحب من الأقرباء ومن الأصدقاء. فلما توجهت ذلك اليوم إلى الله مخلصًا له نيتي واثقًا بقدرته على شفائي، سكن الألم وتباعدت النوبات، وفحصوا البول كما كانوا يفحصونه كل
[ ٨٢ ]
يوم فإذا به قد صفا وزال أكثر ما كان فيه. وعجب الأطباء ودُهشوا واجتمعوا يبحثون، فقلت لهم: لا تتعبوا أنفسكم، فهذا شيء جاء من وراء طبكم. إن الله الذي أمرنا أن نطلب الشفاء من الطب ومن الدواء قادر على أن يشفي بلا طب ولا دواء.
* * *
ولما قدمت المملكة سنة ١٣٨٢هـ أقمت سنة في الرياض (ثم جئت مكة فلبثت فيها إلى الآن)، وكان معنا فيها رجل من الشام لا أسميه، كان مقيمًا في الرياض هو وأمه، فعرض له عمل اقتضى سفره إلى لبنان. وكرهت أمه هذا السفر لئلا تبقى وحدها، فلما حلّ موعده حمل ثقله (أي حقائبه وأشياءه) إلى المطار، فسلمه إلى الشركة وذهب إلى بيته على أن يأتي الفجر ليسافر. ورجا أمّه أن توقظه قبيل الفجر، فلم توقظه حتى بقي لموعد قيام الطيارة ثلاثة أرباع الساعة، فقام مسرعًا وأخذ سيارة وحث السائق على أن يبلغ به المطار ويضاعف له الأجر، وجعل يدعو الله أن يلحق بالطيارة قبل أن تطير. ولما وصل وجد أنه لا يزال بينه وبين الموعد ربع ساعة، فدخل المقصف وقعد على الكرسي فنام، ونودي من المكبر على ركاب الطائرة أن يذهبوا إليها فلم يسمع هذا النداء، وما صحا حتى كانت الطيارة قد علت في الجو! وكنت معه، فجعل يعجب كيف دعا الله بهذا الإخلاص دعاء المضطر ولم يُستجَب له. وجعلت أهوّن الأمر عليه وأقول له: إن الله لا يرد دعوة داع مخلص مضطر أبدًا، ولكن الإنسان يدعو بالشر دعاءه بالخير، والله أعلم بمصلحته منه.
وأهمّه الغضبُ والحزن عن إدراك ما أقوله. أفتدرون ماذا
[ ٨٣ ]
كانت خاتمة هذه القصة؟ لعل منكم من يذكر طيّارة شركة الشرق الأوسط التي سقطت تلك السنة وهلك من كان فيها. هذه هي الطيارة التي حزن على أنها فاتته!
إن الإنسان قد يطلب من الله ما يضره، ولكن الله أرحم به من نفسه. وإذا كان الأب يأخذ ولده الصغير إلى السوق فيرى اللعبة فيقول: أريدها، فيشتريها له، ويبصر الفاكهة الجميلة فيوصله إليها، ويطلب الشكلاطة فيشتري له ما يطلبه منها، فإذا مرّ على الصيدلية ورأى الدواء الملفوف بالورقة الحمراء فأعجبه لونه فطلبه، هل يشتريه له وهو يعلم أنه يضره؟ إذا كان الأب وهو أعرف بمصلحة ولده لا يعطيه كل ما يطلب لأنه قد يطلب ما لا يفيده، فالله أرحم بالعباد من آبائهم ومن أمهاتهم.
* * *
وقد وقع لي مرة (وذكرت هذا في بعض أحاديثي من قبل) أن دعانا كبير أسرتنا، الدكتور طاهر الطنطاوي الذي توفي من زمن بعيد رحمة الله عليه، إلى جمع في بيته يضم أفراد الأسرة جميعًا، وأعدّ لهم مائدة وضع لهم فيها كل ما يلذ ويطيب وهيأ لهم كل ما يسرهم ويرضيهم. وذهبت إلى الاجتماع وكنت منشرح الصدر، فما لبثت فيه إلا نصف ساعة حتى ضاق صدري وأحسست كأن دافعًا يدفعني إلى الخروج وأنني إن بقيت اختنقت.
واستأذنت بالانصراف فعجبوا مني، وكنت أنا أعجب من نفسي ولا أعرف سببًا لهذا الذي حلّ بي. وفسد الاجتماع وضاع ما كانوا يتوقعونه من المسرّة والانبساط وألقوا اللوم عليّ، وأنا أعذرهم ولا أدري لما فعلت سببًا. وكانت داره في سفح جبل
[ ٨٤ ]
قاسيون في منطقة اسمها حي العفيف، وخرجت، ومرّ بي الترام وكان فارغًا، وهممت بأن أصعد إليه، ثم أحسست كأن يدًا قوية تصدّني عنه وتمنعني من ركوبه، فمشيت على رجلي ولا أعرف إلى أين أنا ذاهب.
وثقوا أني أصف لكم ما وقع كأنه وقع بالأمس، وقد مرّ عليه الآن أكثر من ثلاثين سنة. ما مشيت إلا قليلًا، وكان الطريق مقفرًا والليل ساكنًا، فوجدت امرأة تحمل ولدًا وتسحب بيدها ولدًا، وهي تنشج وتبكي وتدعو دعاء خافتًا لم أتبينه. فاقتربت منها وسألتها: ما لك يا أختي؟ فنفرت مني وحسبتني أبتغي السوء بها. ونظرَت إليّ، فلما رأت أنني كهل وأنه لا يبدو عليّ ما تخشاه نفضَت لي صدرها وشرحت لي أمرها، وإذا قصتها أنها من حلب وأن زوجها يعمل موظفًا في دمشق، وأنه طردها من بيته وهي لا تعرف أين تذهب، وما لها إلا خال لا تستطيع الوصول إلى مكانه.
فقلت لها: أنا أوصلك إلى بيت خالك، واذهبي من الغد إلى المحكمة فارفعي شكواك إلى القاضي. فازداد بكاؤها وقالت: وكيف لي بالوصول إلى القاضي وأنا امرأة مسكينة، والقاضي لا يستقبل مثلي ولا يستمع إليه؟
وكنت أنا يومئذ قاضي دمشق، فقلت لها: لقد استجاب الله دعاءك يا امرأة لأنك مظلومة، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وأنا القاضي، وقد استخرجني الله من بين أهلي وجاء بي إليك لأقضي إن شاء الله حاجتك، وهذه بطاقتي تذهبين بها غدًا إلى المحكمة فتلقينني.
* * *
[ ٨٥ ]
ولما جئت مكة كنت أقعد مع طائفة من الإخوان كل يوم في موضع المكبّرية قرب سدّة المؤذنين، وكان يقعد معنا كهل كبير السن فلسطيني صالح لا يكاد يفارق المسجد، جاء مَحْرَمًا مع بنت له وبنت أخيه. وكنت أستمع إلى حديثه وأحبه لأنه كان صافي القلب صادق اللهجة صالحًا، فانقطع عنا أيامًا طويلة، وسألت عنه فلم أجد من يعرف مكانه أو يعرف اسم بنته أو بنت أخيه، ثم جاءنا يمشي على رجليه بعد خمسة عشر يومًا، فقلت له: أهلًا يا أبا فلان، أين كنت وما هذه الغيبة التي غبتها عنا؟
فقال: اسمعوا أحدثكم حديثي، وثقوا أنني إن شاء الله لا أقول غير الحق. لقد أصابني ألم في رجلي لم أعد أستطيع معه أن أجلس عليها، فضلًا عن أن أقوم واقفًا أو أن أخطو ماشيًا. وبقيت على ذلك هذه الأيام كلها، والبنتان تخدمانني وتعتنيان بي حتى أحسست منهما بعض الضيق والملل، فتوجهت إلى الله وصرخت صرخة سُمعت من أقصى الدار: يا الله! يا رب، لا اعتراض على قضائك، ولكن لماذا لا تشفيني؟ (يقولها بلهجته العامية المخلصة) ألم أدعُك؟ ألم تقل يا رب ادعوني أستجب لكم؟ فها أنا ذا دعوتك فلماذا لم تستجب لي؟
وقال كلامًا طويلًا لا يخرج عن هذه المعاني. قال: وسمعتني البنتان -وكان ذلك وسط الليل- فقامتا من فراشيهما، وأقبلتا عليّ تتعجبان مني تقولان: مع من تتكلم؟ وكنت غائبًا عن نفسي متوجهًا إلى الله بكل قلبي ومشاعري، فنبهني كلامهما وأرجعني إلى نفسي وإلى ما حولي، وأحسستُ كأنني صحوت من حلم، أو كأنني كنت أحلّق في الجو بلا جناح وأنني هبطت إلى الأرض،
[ ٨٦ ]
وسكتّ وصرفتهما إلى منامهما. وكانت رجلي متصلبة لا أستطيع تحريكها، وإذا بها تتحرك، وإذا بالآلام التي كنت أجدها قد زالت كلها. وجربت أن أقعد فقعدت كالذي ليس به مرض، ثم حاولت أن أقوم فقمت ليس بي شيء.
وكنا بضعة عشر رجلًا نستمع منه هذا الحديث، فما شكّ واحدٌ منا في صدق كلمة مما جاء فيه. وعندي من أمثال هذه الأخبار الكثير، وفي كتاب «الفرج بعد الشدة» للقاضي التَّنوخي، بل إن في كتاب «دع القلق وابدأ الحياة» كثيرًا من أمثالها.
* * *
والدعاء لا ينافي اتخاذ الأسباب، والله الذي جعل الشفاء بالدواء جعله أحيانًا بمجرد الدعاء، لكن لا تَدْعوا تجريبًا؛ تقولون: سننظر هل نستفيد من دعائنا أم نبقى على حالنا؟ فإن من شرط استجابة الدعاء أن تكون واثقًا منها. ثم إن الله لا يضيع دعوة داع أبدًا؛ فإما أن يعطيه الذي يطلبه، أو يعطيه ما هو خير له منه، أو يدّخر الدعوة له في الآخرة.
وإن في صيغ الدعاء صيغة أقرب إلى الإجابة من صيغة، وزمانًا أرجى لها من زمان، ومكانًا أفضل من مكان، ولكن المدار كله أو جلّه على ارتباط القلب بالله وعلى إخلاص الدعاء له، وعلى أن لا تدعو معه غيره ولا تبتغي وسيلة إليه إلا بما شرع هو.
والمسلم لا يدعو دعاء العاجز الخامل، بل يبتغي الأسباب كلها ويعمل كل ما أقدره الله عليه، ويمتثل إن كان مريضًا أمرَ
[ ٨٧ ]
رسول الله ﷺ لمّا قال: «يا عباد الله تداووا» (١). وإذا أراد الرزق طرق كل أبواب الكسب المباح، ثم يمدّ يديه فيسأل الله. فالدعاء هو السبب الأخير الذي لا يخيب إن خابت الأسباب، والرسول ﵊ دعا يوم بدر وألحّ في الدعاء حتى سقط رداؤه عن منكبه، ولكنه أعدّ قبل ذلك الجند وصفّهم للمعركة وخطط لها، عمل كل ما يقدر عليه البشر ثم دعا الله.
واعلموا أن الله جعل للحوادث أسبابًا وفتح للمطالب أبوابًا، فاطلبوا الأمور بأسبابها وادخلوا البيوت من أبوابها؛ فلا يقعد الطالب عن الدراسة ويطلب النجاح، ولا ينتظر الفلاح الحصاد من غير حرث ولا بذار، ولا ترقُب الأمة النصر بلا استعداد ولا جهاد، فإن الذي قال لنا: ادعوا، هو الذي قال لنا: اعملوا. ونحن نؤمن بالكتاب كله لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، والقدوة والأسوة في سيرة رسول الله وأكرم الناس على الله، ﷺ.
فمن استنفد الأسباب وغُلِّقت في وجهه الأبواب فليمدد يديه وليقل: «يا الله»، يجد اللهَ سميعًا مجيبًا كريمًا رحيمًا، وما خاب قط امرؤ قال: «يا الله»!
* * *
_________________
(١) أخرجه الترمذي (مجاهد).
[ ٨٨ ]