حديث أذيع من مكة سنة ١٩٦٦
[يقول لي السامعون: إنك تتكلم دائمًا عن نفسك. أنا ما أتكلم عن نفسي حبًا بنفسي، ولكنه أسلوب من أساليب البيان. ثم إنني حين أتكلم عن نفسي أتكلم عن أكثر النفوس، وهاكم الدليل في حديث اليوم، فانظروا تروا أن ما شعرت به وجئت أصفه لكم هو ما يشعر به كل واحد منكم ويريد أن يسمع وصفه.]
أنا أسكن في عمارة كبيرة فيها عشرة طوابق، في كل طابق أكثر من عشرة منازل. وقد كانت فارغة إلا من قليل من السكان، فلما كان الحج امتلأت غُرَفها ورِحابها وممرّاتها، فكان في كل غرفة عشرة أو عشرون، وفي الرّحَبات أناس يقعدون وينامون، وفي الممرات وعند الأدراج ناس من جميع الأجناس، يتكلمون بكل لسان ويتراءون في كل زيّ؛ هنود وجاويّون وأتراك ومغاربة وشاميون وعراقيون، فما كنت أستطيع أن أصل إلى المصعد من الزحام ولا أن أمرّ إلى البيت من كثرة الناس.
فإذا دخلت البيت وجدت حشدًا آخر؛ ستّ أسر وأربعة
[ ١١٣ ]
أجيال، فيهم البنت وأمها وجدّتها وأم جدّتها، إي والله، وما فيهم غريب؛ ما فيهم إلا بنت أو صهر أو حماة أو حفيد (١). وكنت أُعِدّ هذا الحديث في هذا الجو، فتصوروا كيف يمكن التفكير في هذه الحال.
هذا ما كان. أما ما هو كائن الآن فقد خلت الدور ورحل الحُجّاج وفرغ البيت، فصرت أركب المصعد وحدي وأمرّ إلى الدار فلا ألقى أحدًا، وأدخل البيت فلا أحسّ إلا الفراغ والسكون. فماذا تظنون أني شعرت؟
شعرت بالراحة بعد التعب والهدوء بعد الضجة؟ لا والله؛ بل شعرت بالوَحشة والفراغ. وما منكم إلا من كان في داره أو في جواره حجّاج، ورحلوا فخلت منهم الدار ونأى المَزار، أفما شعرتم بمِثْل هذه الوحشة وهذا الفراغ؟
* * *
أما فكّرتم فرأيتم أن هذا هو مثال الدنيا؟ ناس يعيشون معًا، يأكلون ويشربون ويختصمون ويصطلحون، ثم يفترقون كأنهم ما التقَوا ويرحلون كأنهم ما أقاموا.
_________________
(١) سكن جدي ﵀ في تلك الأيام في عمارة الكعكي في أَجْياد، غيرَ بعيد عن الحرم. وفي تلك السنة اجتمعت عنده بناته وأسرهنّ، جاؤوا للحج. وأذكر أنه كان في البيت نحن الحَفَدة وأمهاتنا، وكان فيه جدتنا وأمها رحمهما الله، فهذه هي الأجيال الأربعة التي أشار إليها (مجاهد).
[ ١١٤ ]
كان يجتمع على المصعد الجاوي والليبي والتركي والهندي والشامي والمصري، فأين هم الآن؟
لمّا جئت السنةَ الماضية إلى المملكة ركبت من بيروت، وكان معي أخي ناجي، فقعدنا في المقصف (البوفيه) نأكل شيئًا قبل السفر ونشرب الشاي. وكان المقصف ممتلئًا بالناس، كراسيّهم مزدحمة يكاد الكرسي يمسّ الكرسي، وكلٌّ يأكل ويشرب كما كنا نشرب ونأكل، فإذا بالمكبّر يخرج منه الصوت: "ركاب الطيارة الهولندية المسافرون إلى جزيرة جاوة"، فيترك ناسٌ طعامَهم وشرابهم ويقومون، ثم ينادي ركابَ الطائرة البريطانية المسافرة إلى لندن فيقوم ناس، ثم ينادي ركابَ الطائرة البلجيكية المسافرة إلى الكونغو وطائرة البان أميركان المسافرة إلى نيويورك
فرأيت أن هذا هو مثال الدنيا: ناس يعيشون، يأكلون ويشربون ويجمعون الأموال ويحرصون عليها ويظنون أنهم خالدون، لا يدرون متى يخرج النداء يدعو هذا أو يدعو ذاك، فمَن دُعي ترك كل ما كان فيه وأسرع؛ لا يأخذ معه إلى الطيارة مائدةَ المطعم ولا كرسيّ القهوة، بل يتركها ليأتي غيره فيجلس عليها، لا يأخذ معه إلا حقيبته؛ إن كانت حقيبته معدَّة معلقة حملها وسار، فإن كان عند وصول الطيارة مفرَّقَ الأمتعة لم يجمع أمتعته ولم يُعِدّ حقيبته، اضطرّ أن يدعها ويرحل بغيرها.
فإذا أردتم أن تحملوا معكم من حسناتكم حينما تُدعَون الدعوة التي لا بدّ منها للقاء ربكم فكونوا مستعدين. وكما يجمع المسافر متاعه في الحقيبة ليحملها ويمشي، يستعدّ المرء بالتوبة
[ ١١٥ ]
وقضاء الحقوق؛ فكونوا دائمًا في حال التوبة، انظروا كل يوم فيما اقترفتم من سيئات فتوبوا إلى الله منها، وإن كان عليكم حقوق فأدّوها حتى تكونوا مستعدين، فإذا دُعيتم إلى ذلك السفر الذي لا بدّ منه، السفر إلى الآخرة، كنتم دائمًا متهيئين له.
وكما كان الناس في مطار بيروت قاعدين معًا ثم أُخذوا، هذا إلى حَرّ الكونغو وهذا إلى وَحشة الصحراء وهذا إلى ملاهي باريس، كذلك يكون الناس في الدنيا؛ يكونون متجاورين في المساكن مشتركين في التسابق إلى خيرات الدنيا والحرص عليها، وإذا بهم يُدعَون فجأة، فيذهب هذا إلى النعيم المقيم وهذا إلى العذاب الأليم.
أما رأيتم «عرفات» يوم الموقف؟ أما بقيتم على الطريق منها إلى مِنى أو إلى المزدلفة ساعات لا تستطيعون أن تمروا رغم كثرة الطرق وسعة الشوارع؟ اذهبوا إليها الآن ترَوا فضاءً خاليًا وسكونًا بالغًا وقَفرة ما فيها أحد.
أين تلك الخيام ومَن كان تحتها وأين تلك السيارات ومن كان فيها؟ لقد كانت الخَيمة تكاد تلتصق بالخيمة والسيارةُ تكاد تلمس السيارة، فأين أولئك الناس؟ إن أهل خيمة من هذه الخيم يعيشون الآن في دهلي أو لَكْنَو، وأهل الخيمة التي تجاورها يقيمون في السنغال أو نيجيريا، وركاب سيارة في إسطنبول وركاب السيارة التي كانت إلى جنبها في فاس!
* * *
[ ١١٦ ]
يا إخوان، كنتم كلما أزمعتم أمرًا أو طلبتم من أحد شيئًا قلتم لأنفسكم أو قيل لكم: بعد الحج. وكنتم تترقبون الحج، منكم مَن يرتقبه ليستقبل أهله ويلقاهم، ومَن يرتقبه ليربح من ورائه مالًا ويبيع بضاعة، ومنكم من يرتقبه للثواب. فها هو ذا الحجّ قد انقضى، ولقيتم الأقرباء والأهل ثم فارقتموهم، وربحتم المال وستنفقون ما ربحتم من مال، ونال منكم مَن نال مِن الثواب.
وكذلك الحياة؛ أيام تمرّ وسنون تكرّ، ومستقبل يصبح حاضرًا وحاضر يصير ذكرى، ثم يُطوى الزمان ويذهب الماضي والحاضر ولا يبقى إلا أمل واحد في مستقبل واحد: جنة فيها النعيم المقيم أو نار فيها العذاب الأليم.
فاعملوا لذلك المستقبل.
* * *
[ ١١٧ ]