نشرت سنة ١٩٣٩
الآن استهلّ العام الجديد. لقد أوشك فجره الأول أن يطلّ على الدنيا وأنا حانٍ على مكتبي، أفكر منذ ساعات في أشياء لا أستطيع أن أصفها أو أعبّر عنها أو أحصيها، والليل ساكنٌ تتردّد بين جوانحه أنفاسُ السّحَر وأنا أنظر من غرفتي إلى صحن المسجد، مسجد أبي حنيفة في الأعظمية، فأراه مشرقًا بالنور مترعًا بالجلال ولكنه خالٍ من الناس، وأنظر إلى صحن المدرسة، دار العلوم الشرعية، وحديقتها الخالية الحالية بأشجار الموز والنخل والورد، والغرفة بينهما لها إلى كل من الصحنين باب. أريد أن أكتب مقالة العام الجديد فلا تواتيني الأفكار ولا تتوارد عليّ الكَلِم، وصدري أغنى بالمعاني منه في الأوقات كلها، ولكن ازدحام المعاني على الفكر وتكاثرَ الصور في الصدر يعيق المرء عن الكتابة كما تعيقه قلّتها، كالذي يريد أن يملأ الكأس من السبيل إن كان جافًا أو نَزْرًا قليلًا لم تمتلئ الكأس، وإن كان الماء يهدر وينحدر بقوة ويتدفق من فم الأنبوب مندفعًا تطاير الماء إلى كل جانب ولكنه لا يستقر في الكأس منه شيء، لأن كل قطرة تطرد أختَها كما تزيح كلُّ فكرة في رأسي الفكرةَ التي قبلها لتحل في مكانها.
[ ٢٩ ]
ولقد طالما وقفت هذا الموقف ففكرت في الزمان وتفلسفت، وعدت إلى ماضيّ فحزنت وفكرت في المستقبل فأيِست، ثم رأيت ذلك باطلًا كله؛ كله باطل! لا الماضي يعود ولا الحاضر يدوم ولا المستقبل يأتي؛ تفنى اللَّذاذات وتذهب الأحزان، وتمر الأيام بنا في طريق القبر حتى نبلغه، فتكون خاتمة المطاف هذه الآلام التي نودّع بها الدنيا، والتي تنسينا كل لذة وكل متعة استمتعنا بها.
ويا ليت الموت هو الغاية! إن الموت بداية لذّة لا آخر لها أو ألم ما له من نهاية.
فأين نحن، وفي أي واد من أودية الضلال نتخبط؟ اللهمّ إني أتوجه إليك في هذه الساعة لتصلني بك وتدلّني على الطريق إليك حتى أعرفك، فلقد عرفت أن كل شيء سواك باطل.
ما الحياة؟ ما هذه الفترة القصيرة من الزمان السّرمدي؟ وما الزمان في جنب الله الباقي؟ وما الجمال الدنيوي؟ وما الحب الأرضي؟ وما العلم؟ أليس العلم كله إدراك سطر واحد من سفر الوجود وكشف حفنة واحدة من رمال الصحراء؟ فما أجهل العلم إذن بالوجود! وما أحمق العلم حين يرفع رأسه ليتكلم في الموجِد وقد خرس عمّا أوجد، ولينظر إلى الخالق الباقي وقد عمي عن المخلوقات الفانية! وهل عرف العلم من نحن ومن أين جئنا وإلى أين نسير؟
* * *
وفكرت في نفسي، وقديمًا قال سقراط وكُتبت مقولته على باب المعبد في أثينا: «أيها الإنسان اعرف نفسك»، وجاء في الأثر:
[ ٣٠ ]
«من عرف نفسه فقد عرف ربه»، وقال الله جلّ مِن قائل: ﴿وَفي أَنْفُسِكُم أَفَلا تُبْصِرون؟﴾.
نظرت في نفسي فإذا هي قد كانت قبل أن أكون أنا، فلم أعرف أولها، وكل ما أعلم عنها أني أفقت يومًا من النوم فوجدت طفلًا، أبصرته في المرآة فإذا أنا أحبه أكثر من أبي وأمي، وإذا أنا لا أفارقه أبدًا، فسألت: من هذا؟ فضحكوا وقالوا: هذا أنت، هل أنت مجنون؟!
وكبر هذا الطفل، أو هذا الذي سمّوه «أنا». ونظرت فإذا أنا لا أدري من أين جاء، فقلت لعلي صنعته أنا وأنا لا أعلم! ولكن هذا الأنا ليس كما أريد أن يكون، لو صنعته أنا لجعلته أبرع جمالًا وأشد قوة وأحدّ ذكاء وأوسع عقلًا. ثم إنه قد وُجد قبل أن أكون أنا وقبل أن أعرفه، وعاش مرحلة في حياته في بقعة لا أعلم شيئًا عنها ولا أصدّق أني كنت فيها. أأنا عشت تسعة أشهر في بطن أمي؟ مستحيل!
فمن أين جاء إذن، هل خُلق من غير شيء؟
ونظرت حولي أفتّش عن هذا الخالق، فرأيت ناسًا مثلي، وما هؤلاء بخالقين لأنهم يحتاجون إلى مَن يخلقهم وحالهم كحالي. ورأيت جبالًا وبحارًا وكواكب، ولكن ذلك كله جامد لا حياة فيه، فهل يمنحني الحياة وهو لا يملكها؟ هذه هي الطبيعة فهل تخلق الطبيعة شيئًا؟ ثم إن معنى «الطبيعة» -كما تعلمتُ بَعدُ- أنها «مَطبوعة»، فأين الطابِع؟
فتّشت عنه فإذا الإيمان به في أعماق نفسي، لا أدري من
[ ٣١ ]
أين دخل إليها، ولعله مِن وَضْع الخالق الذي وضع السمع والبصر في الوجه والقلب في الصدر والعقل في الرأس. ووجدتني أعود في ساعات الشدة إلى الخالق الذي يَرى ولا يُرى، أرجوه وأخافه وأسأله وأعوذ به. ووجدتني أعتقد أنه لا يشبه شيئًا مما أرى ولا يحدّه مكانٌ ولا زمان، لأن الزمان والمكان مخلوقات هو خالقها، وأنه قديمٌ باقٍ متّصفٌ بكل كمال مطلق منزَّه عن النقائص كلها.
فآمنت به إيمانًا لا يزعزعه -بحمد الله- شك.
* * *
ولكني لبثت أسأل نفسي: لماذا خُلقت؟ وهل الحياة «تكليف» عليّ أن أحمله أو أن لي الحق بالتخلي عنها وطرحها؟ فقالت النفس: بل عليك أن تحملها؛ إنك لست مالك نفسك ولا أنت موجدها، وإنما هي وديعة في يدك، يكافئك صاحبها إن استعملتَها في الذي خلقها له، ويعاقبك إن اتخذتها وسيلة إلى لذتك وأطعت فيها هواك وحِدتَ بها عن سبيلها.
قلت: فما هي الغاية من الحياة؟ أهي الأكل والشرب واللذة؟ قالت النفس: لا، هذه أسباب الحياة بها تقوم وتبقى وليست هي الغاية منها.
قلت: أفخدمة الناس ونفع البشر، وأن أتخذ فيهم حسنًا وأبقي فيهم ذكرًا، هي غاية الحياة؟ قالت: لا، إن الناس لا يمكن أن يحيوا للناس، وما خدمة البشر إلا عرَض من أعراض الحياة وليست بجوهرها؛ إن المسافر يحرص على راحته في سفره،
[ ٣٢ ]
فيتخذ خير المركبات ويبتغي أطايب الزاد ويصحب خير الرفاق، ولكن للمسافر وراء ذلك كله غايةً من سفره، والحياة سفر. فإلى أين المسير؟
قلت: لا أدري. قالت: أعوذ بالله! وهل يتميز الإنسان من الحيوان إلا بأنه يدرك غاية الحياة؟ أمّا مَن يأكل كما تأكل الأنعام ويشرب كما تشرب ويلد كما تلد، فهو مثلها أو أضلّ منها سبيلًا، وإن عاش في باريس أو نيويورك! قلت: فخبريني أنت ما هي الغاية؟
قالت: لو سألتَ الجَنين في بطن أمه -وكان قادرًا على الفهم والإجابة- ما هي دنياك وما هي حياتك وما غاية الحياة، لقال لك إن دنياه هذه الأحشاء الضيقة وهذه الظلمة المستمرة، وإن حياته هذه الجلسة المتعِبة وهذا السكون الدائم، وإن غايته ليس يدري ما غايته! ولو أفهمتَ هذا الجنين أن هنا دنيا واسعة فيها شمس وقمر وفضاء رحب وبحر وسماء، وأن غايته أن يبلغها وأنه سيعرفها ويراها حقًا، لو أفهمته هذا لكذّبك وأعرض عنك، لأنه لا يستطيع أن يتخيل إلا ما هو فيه ولا يقدر أن يتصور ماذا يكون البحر والشمس والقمر. فإذا جاء إلى الدنيا وصار رجلًا نسي حياته الأولى وكذّب بها وقال: إنْ هي إلا دنيا فيها نموت ونحيا. فإذا خبّره الرسول أن هناك حياة أخرى، حياة ثالثة، وأنها هي دار البقاء، وأن فيها ما لا عينٌ رأت ولا أُذُنٌ سمعت ولا خَطرَ على قلب بشر، وأن غايته بلوغ تلك الحياة في طاعة الله وعبادته، إذا خُبِّر بهذا كذّب به كما كذّب ذلك الجنينُ. أفتكذب أنت بذلك؟ قلت: لا.
[ ٣٣ ]
قالت: فتلك -إذن- غايةُ الحياة؛ أن تتصل بالله وتعبده، وأن تُعِدّ نفسَك لحياة الخلود.
* * *
وعادت النفس تقول: إن غاية الحياة تتحقق كلها في الصلاة؛ فالصلاة اتصال بالله واستعداد لحياة الخلود، ثم إنها لذة لا تعدلها -إذا أقيمت على وجهها- لَذّةٌ من لذائذ الدنيا، وهي راحة للنفس ومتعة وليست تكليفًا شاقًا ولا «مهمة» صعبة.
وليست الصلاة ركوعًا وسجودًا ورياضة، فإن ذلك جسمها. والجسم لا يقوم إلا بالروح، فإذا خلت منها الصلاة كانت صلاة ميتة لا تنهى عن فحشاء ولا منكر ولا تُشعِر بلذة. أما روح الصلاة فهي أنك إذا طهّرت أعضاءك بالماء طهّرت نفسَك بالتوبة، وذلك هو الوضوء الحق. وإذا قمت إلى الصلاة وقلت «الله أكبر» خرجتَ من دنياك وارتفعت عنها كمَن يرتفع في طيارة حتى تراها -كما هي في الحقيقة- ذرّة صغيرة تافهة، ولم تخشَ عدوًا، ولا شغلك حبُّ حبيب ولا ملأ نفسَك همّ ولا غم ولا لذة ولا متعة، لأنك تتوجه إلى الله، والله أكبر من ذلك كله وبيده كل شيء، فأنت كمَن يتصل بالوزير أو الحاكم المطلق (ولله المَثَل الأعلى)، فهل يفكر بين يديه بحاجة له عند موظف صغير ويشتغل بذلك عن حديث الحاكم أو الوزير؟
فالصلاة تحقيق لغاية الحياة وحياةُ لحظات في «الحياة الأخرى». وهي اللذة التي لا تقدر لغات البشر على وصفها، ولكن الناس يرون منها بُروقًا خاطفة في ساعة من ساعات السحَر،
[ ٣٤ ]
ولحظة من لحظات العبادة، أو سكرة من سكرات الحب، أو عندما يسمعون نغمة أو يقرؤون شعرًا. هذه اللحظات هي التي تدلنا على ذلك العالَم، هي أشعة ضئيلة من ذلك النور الباهر، تُذيق النفسَ حلاوة الآخرة في الدنيا لتسعى لها وترغب فيها.
قابل بين هذه اللذائذ الروحية وبين اللذاذات المادية. الطعام والشراب؟ إنك لتشبع فتصير لذة الطعام في نظرك صفرًا. والنساء؟ إنك لتتصل بهن حتى تأتي عليك ساعات وهن أبغض إليك من كل شيء. على أن هذه الصلة لا تروي غليلًا ولا تُشبع للنفس جوعًا. فيا بؤس مَن قنعَ بالحياة المادية وحُرم من لذائذ الروح! ويا ويح من يكفر بما وراء المادة وما بعد الحس، يا ويحه!
أليس في أثناء نفسه ذكرى؟ أما فيها أمل؟ أليس بين جنبيه روح؟ فكيف ينكر روحه وأمله وذكراه؟ أيجحد ما دليله في نفسه؟ ﴿أفَلا تُبْصِرون﴾؟
* * *
وكان الفجر يؤذن فخرجت إلى المسجد. وللمسجد في ساعة الفجر روعة وجلال وأثر في النفس لا يدركه البيان، ولمسجد أبي حنيفة أوفرُ نصيب من ذلك. وأشهد أني لم أجد في بغداد كلّها مكانًا أحسّ فيه الاطمئنان وأشعر فيه بالخشوع والتجلي كهذا المسجد؛ لا لمكان أبي حنيفة منه، فإن أبا حنيفة لا يضرّ ولا ينفع، ولا يكون مؤمنًا من يرى فيه ذلك أو يتخذ من قبره صنمًا يعبده ويتمسح به. ولكن الله قد خصّ هذا المسجد بهذه الروح لإخلاص أبي حنيفة الإمام الأعظم، وعلمه وأثره في الفقه
[ ٣٥ ]
الإسلامي وإجماع المسلمين على محبته وإجلاله.
هنالك عرفت الحقيقة الكبرى في الحياة. فلن أسأل بعد اليوم: لماذا خُلقت؟ ولن أعيش في حيرة. فيا ربِّ لا تُنسني هذه الحقيقةَ بتُرّهات العيش وأحلام الأدب وضلالات العلم. إن هذه الحقيقة شمس ساطعة، ولكنّ سحابة صغيرة قد تحجب الشمس عن عينيّ الضعيفتين. اللهمّ إني قد فرغت (أو كدت) من الشهوات، فهَب لي الخلاص من غرور الفكر، فإن ذلك أشدّ عليّ.
اللهمّ لك الحمد، وإليك المآب، وأنت الحي الباقي، فصِلْنا بك ودلّنا على الطريق إليك.
بغداد (الأعظمية)
* * *
[ ٣٦ ]