حديث أذيع سنة ١٩٧٣
أحب أن أسألكم الليلة سؤالًا أرجو ألاّ تغضبوا منه ولا تعتبوا ولا تعجبوا، وهو: هل أنتم مؤمنون؟ وتعالوا أدخل نفسي معكم فأسأل: هل نحن مؤمنون؟
تقولون: نعم، ما في ذلك شك.
طيّب، ولكن أحب أن تفكروا قليلًا. لو قالت الحكومة أن كل موظف يعطى مكافأة قدرها ألف ريال لَمَدّ يدَه كلُّ موظف يطلب مكافأته. ولكن لو حدّدت الحكومة الموظفَ المقصود بأنه الذي يحمل شهادة عالية وأمضى في الوظيفة أكثر من عشر سنين وكان فوق المرتبة الخامسة، لنظر كل في نفسه: هل فيه هذه الصفات أم لا؟
والله يعرّف المؤمنين ويصفهم بصفات فيقول: ﴿إنّمَا المُؤْمِنونَ الذينَ إذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زادَتْهُمْ إيمَانًا، وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكّلون﴾. واسمحوا لي أن أقرر لكم مسألة من علم العربية. كلمة «إنما» تفيد الحَصْر، ومعنى الآية أن وصف المؤمن محصور فيمَن اتصف بهذه الصفات.
[ ٢١٣ ]
فتعالوا نمتحن أنفسنا: ﴿الذينَ إذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي خافت واضطربت عند سماع اسمه من تصور عظمته وخشية عقابه. فهل نحسّ في قلوبنا هذا الوَجَل إذا ذُكر اسم الله أمامنا، أم نحن نسمع الأغنية فنقول «الله» بلا فكر ولا وجل! وربما ذكرنا اسمه على المعصية؟
والمؤمنون ﴿إذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زادَتْهُمْ إيمَانًا﴾، فهل نحن من الذين يسمعون آيات الله فيزدادون إيمانًا أم أننا (أو أن أكثرنا) يسمع آيات القرآن للطرب أو للعجب، فإذا سمعها لم تجاوز أذنيه ولم تصل إلى قلبه أو عقله؟
ثم وصف الله المؤمنين فقال: ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلون﴾، فهل نحن من المتوكلين على الله؟
لو وزّعوا الرواتب على موظفي الدائرة وتركوا واحدًا لم يعطوه وقالوا له: تركناك لله. ماذا يقول؟ يقول: كلهم أخذوا وأنا على الله؟ يريد أنه بقي بلا شيء!
فأين نحن من هاجر لمّا جاء بها إبراهيم هي وولدها إسماعيل، جاء بها من بلد بعيد بعيد إلى هذا الوادي. تصوروا مكة وليس فيها الكعبة ولا الحرم ولا البيوت ولا الشوارع، تصوروها وهي واد مقفر لا ماء فيها ولا شجرَ ولا بشرَ. إنها مثل هذه الأودية المخيفة التي تحتويها جبال الحجاز. وتصوروا لو أن أحدكم كُلِّف بأن يحمل زوجته الشابة وولده الوحيد الحبيب، فيضعهما في هذا الوادي ويرجع!
هكذا فعل إبراهيم. وجزعت هاجر وخافت وقالت: لمن
[ ٢١٤ ]
تتركنا هنا؟ قال: لله. قالت: إذن رضيت.
أين هذا من موقفنا نحن؟ فأين نحن من الذين على ربهم يتوكلون؟
* * *
وهل تعرفون ما هو التوكل؟ لا؛ ليس كما يقول متأخرو الصوفية الذين يدّعون أن المتوكل يقعد بلا عمل وينتظر الرزق أو يمشي في البرّية بلا رفيق ولا زاد! لا، ليس التوكل بترك الأسباب. وعمر بن الخطّاب -وهو أعرف من هؤلاء بالدين وأتقى لله منهم- قال: «لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهمّ ارزقني، فإن السماء لا تُمطر ذهبًا ولا فضة، ولكن الله يرزق الناس بعضَهم من بعض».
الله وضع لهذا الكون نواميس وسننًا، وسننُ الله لا تجد لها تبديلًا ولا تحويلًا، فالذي يخالفها لا يُكتب له الفلاح. الزارع إذا لم يحرث الأرض ويبذر البذر لا يحصد الثمرة، ولو قال أنا متوكل على الله، لأنه خالف سنن الله ولم يفهم حقيقة التوكل. والتلميذ الذي يلعب السنةَ كلها ولا يدرس، إذا دخل الامتحان يسقط ولو ادّعى التوكل. والمرأة إذا أرادت أن تنظّف الثياب الوسخة فكوّمتها في الحمام وتركتها كما هي وقالت توكلت على الله، فإنها لا تتنظف ولا تُغسَل.
فماذا نصنع إذن؟ وكيف يكون التوكل؟
الله -يا سادة- جعل لكل شيء سببًا، فعلينا أن نتخذ الأسباب، ولكن علينا أن نعتقد أن السبب وحده لا يكفي. فالذي
[ ٢١٥ ]
لا يزرع لا يحصد، ولكن ربما زرع الزارع ووضع السماد وتعهد الزرع وعمل كل شيء، فجاءت آفة زراعية، حشرة أو دودة، فأكلت المحصول، أو جرفه السيل أو احترقت البيادر.
والذي لا يداوي ولده لا يبرأ غالبًا، ولكن ربما أخذه إلى أحسن طبيب وأدخله أفخم مستشفى وأعطاه أغلى دواء، فأدركه الأجل فمات. وقد يكون -كما قلت لكم مرات- مريضان في مستشفى واحد، مرضهما واحد وطبيبهما واحد والدواء واحد، فيموت الواحد ويشفى الآخر.
وقد يفتح أخوان دكانين متجاورين، ويكون لكل منهما من المال والذكاء مثل الذي للآخر، فيقع هذا على صفقة نادرة يصير بها من الأغنياء ويبقى الثاني بقّالًا.
فالسبب لا بدّ منه، ولكن السبب وحده لا يكفي والله من وراء السبب؛ فهو الذي يسلّم المحصول، وهو الذي يَشفي المريض، وهو الذي يُنجّح التلميذ. فالمسلم عليه أن يعمل كل ما يستطيع، ثم يتوجه إلى الله فيطلب منه النجاح، وهذا هو التوكل.
والذي يعمل بالأسباب ويقصد بها اتّباع أمر الله يكون عمله بالأسباب عبادة. الرسول ﷺ أمر بمداواة المريض فقال: «يا عباد الله تداووا فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء» (١)، فانووا بالتداوي امتثال أمر الرسول ﷺ.
لقد علمنا النبي ﷺ في حديث الأعرابي معنى التوكل؛
_________________
(١) أخرجه الترمذي (مجاهد).
[ ٢١٦ ]
الأعرابي الذي جاء إلى النبي وترك ناقته بلا عقال، فلما خرج لم يجدها، فقال له: «اعقلها وتوكل» (١).
فالحقيقة إذن وسط بين إفراط الإفرنج وتفريط بعض الصوفية؛ الإفرنج المادّيون يعتقدون أن الأسباب المادية هي كل شيء ولا يفكرون في الله ولا يلجؤون إليه، وهذا باطل. ومن الصوفية من يترك السعي ويحتجّ بحديث رزق الطير، وما ذهب إليه باطل؛ فالحديث يقول: «لو توكلتم على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصًا وتعود بِطانًا» (٢). الطير لم تبقَ في مكانها ولكن ذهبت ومشت وراء الرزق فرجعت وقد شبعت، فالحديث حجّة عليهم لا لهم.
فإذا أردتم أن تكونوا من المتوكلين فاعملوا للدنيا ما استطعتم، واطلبوا الرزق من كل طريق حلال، واسعوا لكل ما فيه النفع لكم، ولكن لا ترتكبوا في هذا السعي حرامًا، ولا تنسوا أن النجاح بيد الله فارجعوا إليه واطلبوه منه.
* * *
_________________
(١) معنى عَقْل البعير هو أن يُضَمّ رُسغُ يده إلى عَضُده ويُربَطا معًا بالعِقال ليبقى باركًا. والحديث أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك وفيه أن رجلًا قال: يا رسول الله، أعقلُها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل» (مجاهد).
(٢) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد (مجاهد).
[ ٢١٧ ]