[ ٩٣ ]
«ادع الله أن يحببني .. إلى عباده المؤمنين».
لا شك أن مقصود المسلم رضا الله قبل رضا سواه، كما أنه لا شك بأننا حين نتَّسِم بالفظاظة وغلظة القلب نُنفِّر الناس منا وينفضُّون عنا، والجمع بين ما يحبه الله والتحبب إلى الناس ليس بالأمر العسير؛ إن التزَمْنا الحكمة واشتغلنا بمقاصد الشرع.
ما نقصده بالتحبب إلى الناس: التخلق بمجموعة من الصفات الرفيقة والودودة، التي إن توفرت في شخصية المسلم تجعل الناس ينجذبون إليه، ويتعلقون به، ويقبَلون منه، وقد كان هذا شأنَ رسول الله - ﷺ - فقد ورد في الأثر أنه: (من رآه بديهةً هابه ومَن خالطه معرفةً أحبه) (١)، فالحرص على التحبب إلى الناس إنما يقصد منه المسلم ضمان فتح القلوب لقَبول الدعوة، وبالوسائل والأساليب المؤثرة في طباع البشر عادة، ولقد كان أبو هريرة - ﵁ - يطلب من رسول الله - ﷺ - أن يدعو له بالحب والتحبب: (ادعُ الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا)، فاستجاب رسول الله - ﷺ -، ودعا: «اللهم حبِّب عُبَيدك هذا - يعني أبا هريرة وأمه - إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين ..» (٢).
ولم يكن من العيب أن يأتي رجل ليقول لرسول الله - ﷺ -: دُلَّني
_________________
(١) سنن الترمذي - المناقب - باب ٣٨ - الحديث ٣٧١٨، وقال الترمذي: (ليس إسناده بمتصل).
(٢) صحيح مسلم - فضائل الصحابة - باب ٣٥ - الحديث ١٥٨/ ٢٤٩١ (شرح النووي ٨/ ٢٨٤).
[ ٩٥ ]
على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس، بل كان رسول الله - ﷺ - يدله على أسباب تحصيل هذه المحبة، كما في الحديث: «ازهَد في الدنيا يحبَّك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يُحبُّوك» (١).
وواضح في هذا حرص الصحابة على أن تكون شخصياتهم مقبولة ومرضية لدى الناس؛ بالإضافة إلى حرصهم على أن يبلغوا رضا الله بغير تعارض بين الحرصين؛ لأن في كل منهما رضا الله، فآل الأمر في كليهما إلى شيء واحد.
وقد كان رسول الله - ﷺ - يتحبب إلى بعض ضعاف الإيمان بشيء من العطايا تأليفًا لقلوبهم واستنقاذًا لهم من النار، كما في قوله: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه خشية أن يكُبَّه الله في النار» (٢).
وهل ترى حافزًا على التحبب إلى الناس أكثر من تحريض الأئمة والأمراء على التقرب إلى الرعية، ودفع الرعية إلى التحبب لأمرائهم الأتقياء؟!
وفي ذلك يقول رسول الله - ﷺ -: «ألا أخبركم بخيار أمرائكم وشرارهم؟ خيارهم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتدعون لهم ويدعون لكم، وشرار أمرائكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» (٣).
ولا ريب أن خلق التحبب هذا إن لم يكن خالصًا لله فسينقلب
_________________
(١) صحيح سنن ابن ماجه للألباني كتاب الزهد - باب ١ - الحديث ٣٣١٠/ ٤١٠٢ (صحيح).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب ١٩ - الحديث ٢٧ (فتح الباري ١/ ٧٩).
(٣) صحيح سنن الترمذي للألباني - كتاب الفنن - باب ٦٣ - الحديث ١٨٤٥/ ٢٣٧٦.
[ ٩٦ ]
إلى نوع من النفاق والمداهنة والتزلف، فالحب في الله هو الذي يجعلك تحرص على اكتساب حب الناس لك؛ لما تطمح من إيصال خير إليهم على يديك، فالواجب على المؤمن: «أن يحب المرء لا يحبه إلا الله» (١)، وإذا تمت المحبة بهذه الصورة دلت على كمال الإيمان: «من أحب لله وأبغض لله، وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (٢).
وقد وردت نصوص كثيرة تربط بين الإيمان وخلق التحابب، ومنها قوله - ﷺ -: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» (٣)، ولعظم شأن نشر المحبة واكتسابها اقتضى الأمر أن يدل الرسول - ﷺ - أمته إلى وسائلها وأسبابها، كما اقتضى قبل ذلك أن يجعل كمال الإيمان مرتبطًا بها.
ومن الصور الداعية إلى كسب الأصدقاء واستقطاب القلوب: الهدوء والسكينة، والوقار في المجالس، يروي أبو مسلم الخولاني أنه دخل مسجد حمص، فوجد شابًّا بين ثلاثين كهلًا من الصحابة (فإذا امترى القوم في شيء أقبلوا عليه فسألوه، فقلت لجليس لي: من هذا؟ قال: معاذ بن جبل فوقع له في نفسي حب ثم قلت: والله إني لأحبك، قال: فيم تحبني؟ قلت: في الله ﵎، قال: أبشر إن كنت صادقًا، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء ..» (٤).
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب ٩ - الحديث ١٦ (فتح الباري ١/ ٦٠).
(٢) صحيح سنن أبي داود للألباني كتاب السنة باب ١٦ الحديث ٣٩١٥/ ٤٦٨١ (صحيح).
(٣) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب ٢٢ - الحديث ٩٣/ ٥٤ (شرح النووي ١/ ٣٩٥).
(٤) مسند أحمد ٥/ ٢٣٩، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٤٣١٢.
[ ٩٧ ]
وكذلك فإن من المفاتيح السهلة للقلوب: اللقيا بالترحيب، والاستقبال بالبشاشة، واستدامة التبسم، فقد جاء في وصف رسول الله - ﷺ - قول الصحابي: (ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله - ﷺ -) (١)، وربما كان من حكمة الأمر بإعلان من تحبه بحبك له لتتفجر معاني الحب وتقوي أواصره لدى الطرفين (٢).
(وفي شمائل الرسول - ﷺ - وجوانب سيرته صور دقيقة تدل على مزيد حرص رسول الله - ﷺ - على التحبب إلى الناس، ومنها أنه: (كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم) (٣)، ويلاطفهم ويمازحهم، وحاله - ﷺ - مع أصحابه كذلك أنه: (كان إذا لقيه أحد من أصحابه فقام معه، قام معه فلم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه، وإذا لقيه أحد من أصحابه، فتناول يده ناوله إياها، فلم ينزع يده منها حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده منه، وإذا لقي أحدًا من أصحابه فتناول أذنه، ناوله إياها، ثم لم ينزعها حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها عنه) (٤).
وعُلم من تحبُّبه - ﷺ - حتى إلى ضعاف الناس أنه كانت تستوقفه الجارية في الطريق وتحدثه، فما ينصرف عنها حتى تكون هي التي تنصرف، و(كان يأتي ضعفاء المسلمين، ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم) (٥).
و(كان لا يُدفع عنه الناس، ولا يُضربوا
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي للألباني - المناقب - باب ٤١/ ٢٢ - الحديث ٢٨٨٠/ ٢٩٠٣ (صحيح).
(٢) الإشارة بقوله - ﷺ -: «إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه إياه» صحيح سنن الترمذي للألباني - كتاب الزهد - باب ٤٢ - الحديث ١٩٥٠/ ٢٥١٥ (صحيح).
(٣) صحيح الجامع برقم ٥٠١٤ (صحيح).
(٤) صحيح الجامع برقم ٤٧٨٠ (حسن).
(٥) صحيح الجامع برقم ٤٨٧٧ (صحيح).
[ ٩٨ ]
عنه) (١)، كما (كان لا يكاد يقول لشيء: لا، فإذا سُئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإذا لم يرد أن يفعل سكت) (٢)، كما كان (يخدم نفسه) (٣).
ومجموع هذه الصفات تجعل صاحبها مقبولًا عند الناس ومحببًا إليهم، ولذلك كان الرجل يأتي النبي - ﷺ - وهو لا يُطيقه، ثم يخرج من عنده ولا يؤثر عليه أحدًا، ومن ذلك ما حدث به عمرو بن العاص عن نفسه: (.. لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله - ﷺ - مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته ..)، وبعد أن تعرض لتأثير تحببه - ﷺ - انقلب الحال، (وما كان أحد أحب إلي من رسول الله - ﷺ - ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقتُ؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه) (٤).
وقد يكون التحبب أحيانًا بصور شخصية بسيطة، كالتي أشار إليها رسول الله - ﷺ - بقوله: «الرؤيا الصالحة من الله فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث بها إلا من يحب ..» (٥)، وذلك كنوع من المشاركة الوجدانية حتى للهموم القلبية، وخواطر العقل الباطن، وعالم ما وراء الشعور، وتلك أقصى مستويات التحبب والتفاعل الأخوي، ولذلك كان يحاول رسول الله - ﷺ - أن يعايش هموم أصحابه في اليقظة والمنام، حين كان ينصرف من صلاة الفجر ويعبر للناس رؤاهم، يقول ابن عباس: (كان مما يقول لأصحابه: من رأى منكم رؤيا فليقصها؛ أعبرها
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ٤٨٥٠ (صحيح).
(٢) صحيح الجامع برقم ٤٨٦٩ (صحيح).
(٣) صحيح الجامع برقم ٤٩٩٦ (صحيح).
(٤) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب ٥٤ - الحديث ١٩٢/ ١٢١ (شرح النووي ١/ ٤٩٦).
(٥) صحيح مسلم - كتاب الرؤيا - الحديث ٤ (شرح النووي ٨/ ٢٤).
[ ٩٩ ]
له ..) (١)، واختيار المداخل إلى القلوب يحتاج إلى فطنة، وترصد للمواقف المناسبة، وأصل الأمر ومِلاكه أن تكون محبوبًا من الله، فهو بعدئذٍ يضع لك القبول في الأرض، فاحرِص على حب الله لك يفتح لك قلوب الناس، وتخلّق بما يدعو إلى التحبب، فالداعية اللبيب من يكون قادرًا على فتح قلوب العباد؛ لتُفتح له البلاد.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الجمع بين ما يحبه الله والتحبب إلى الناس أمر شرعي.
- لا تعارض بين هيبة الناس لك وحبهم إياك.
- كما حرَص الصحابة على رضا الله، فقد كانوا يحرصون على التحبب إلى الناس.
- بعض التحبب ضروري لتأليف قلوب ضعاف الإيمان.
- حتى الأئمة والأمراء مدعوون للتحبب إلى الرعية.
- التحبب إن لم يكن خالصًا لله، كان نفاقًا ومداهنة.
- هنالك ارتباط بين الإيمان، وبين التحبب للمؤمنين.
- من دواعي التحبب:
- التزام السكينة والوقار.
- بسط الوجه وطيب المعشر.
- التقرب إلى الضعاف والمساكين.
- التواضع والذلة للمؤمنين.
- الاهتمام بالمشاركة الوجدانية والتفاعل الأخرى.
- المحبوب عند الله يكتب له القبول في الأرض فيحبه الناس.
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الرؤيا - باب ٣ - الحديث ١٧ (شرح النووي ٨/ ٣٦).
[ ١٠٠ ]