[ ٣٤ ]
الإسلام يعلو ولا يُعلى
تظهر حقيقة اليقين بالله في مراحل الضعف؛ إذ ليس صاحب اليقين من تنفرج أساريره، وينشرح صدره، ويتهلل وجهه حين يرى قوة الإسلام وعزة أهله وبشائر نصره، وإنما يكون اليقين لصاحب الثقة بالله مهما حلك الظلام، واشتد الضيق، واجتمعت الكروب، وتكالبت الأمم؛ لأن أمله بالله كبير، ويقينه بأن العاقبة للمتقين، وأن المستقبل لهذا الدين.
ولأن المجاهد يسعى لإقامة دين الله في الأرض، فإن سبيله إلى ذلك الصبر واليقين، يقول ابن القيم: (سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول: بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] (١).
وأهم ما يؤتاه المرء اليقين، كما في الحديث: «وسلوا الله اليقين والمعافاة، فإنه لم يؤتَ أحدٌ بعد اليقين خيرًا من المعافاة» (٢).
ولا تهلِكُ هذه الأمة إلا حين يبخَل أبناؤها بتقديم الجهود المتاحة لنصرتها، ثم يتجرَّعون كؤوس الأمل بلا عمل؛ لذلك قال رسول - ﷺ -: «صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلِك آخرها بالبخل
_________________
(١) تهذيب مدارج السالكين - منزلة الصبر - ص ٣٥٢.
(٢) صحيح الجامع برقم ٤٠٧٢ (صحيح).
[ ٣٥ ]
والأمل» (١).
ولأن الله وحده هو عالم الغيب فلا ندري متى النصر؟ ولا نعلم أين الخير؟ ولكن الذي نعلمه أن أمتنا أمة خير - بإذن الله - يُرجَى لها النصر من الله - ولو بعد حين - ويشير رسول الله - ﷺ - إلى ذلك بقوله: «مَثَل أمتي مَثَل المطر، لا يُدرَى أوله خير أم آخره» (٢)، ولا ندري على يد أي جيل يكشف الله الغمة، ويرفع شأن هذه الأمة، ولكن الذي ندريه أن سنة الله في الكون كما أخبر رسول الله - ﷺ -: «لا يزال الله يغرِسُ في هذا الدين غرسًا يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة» (٣).
ولقد جاءت بشائر كثيرة في سنة رسول الله - ﷺ -، تجدد الأمل وتثبت اليقين، منها وعد الله بأن يبلغ مُلْك الأمة المشارق والمغارب، ومازالت هناك بقاع لم تقع تحت ملك المسلمين، ولابد أن يفتحها الإسلام، كما في الحديث: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوِي لي منها» (٤).
فإذا عرَفنا أن الأصل في الإسلام العلوُّ والسيادة والتمكين، فلا نستيئس من ضعف المسلمين حينًا من الدهر، فقد قال رسول الله - ﷺ -: «الإسلام يعلو ولا يُعلى» (٥).
وقد أخبر رسول الله - ﷺ - باستمرار زيادة الإسلام: « ولا يزال
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ٣٨٤٥ (حسن).
(٢) صحيح الجامع برقم ٥٨٥٤ (صحيح).
(٣) صحيح الجامع برقم ٧٦٩٢ (حسن).
(٤) صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب ٥ - الحديث ١٩/ ٢٨٨٩.
(٥) صحيح الجامع برقم ٢٧٧٨ (حسن).
[ ٣٦ ]
الإسلام يزيد، وينقص الشرك وأهله، حتى تسير المرأتان لا تخشيانِ إلا جورًا، والذي نفسي بيدِه لا تذهب الأيام والليالي، حتى يبلغ هذا الدين مبلغ هذا النجم» (١)، فالأمل باقٍ، وامتداد سلطان المسلمين مستمر - بإذن الله.
وقد بشَّر رسول الله - ﷺ - ببشريات تذيب كل يأس، وتدفع كل قنوط، وتثبِّت كل صاحب محنة، وتريح قلب كل فاقد للأمل بأبناء هذا الدين، حين لا يجد بصيص أمل يلمع له حيث قال: «بشَّر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والنصر والتمكن في الأرض ..» (٢).
والجهاد مستمر إلى يوم القيامة، والطائفة الظاهرة على الحق لا يضرها من خذلها، وهي مستمرة حتى يأتي أمر الله، وفي ذلك يقول - ﷺ -: «لن يبرح هذا الدين قائمًا، يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة» (٣).
والمقياس عند الله غير مقياس البشر، إن الله يجعل من الضعف قوة، وذلك واضح من التأمل في قول رسول الله - ﷺ -: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها؛ بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» (٤)، إن ذلك المسلم المَسُوق بالأغلال، المحبوس في الأَقْبِية، المُلاحق في كل مكان، الفاقد للسلاح، الفقير المُعدَم؛ بدعوته وصلاته وإخلاصه ينصرُ الله هذه الأمة، رغم كل صور الضعف التي تمثَّلت فيه، وكما أشار رسول الله
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ١٧١٦ (صحيح) وطرفه «إن الله استقبل بي الشام ».
(٢) صحيح الجامع برقم ٢٨٢٥ (صحيح).
(٣) صحيح مسلم - كتاب الإمارة - باب ٥٣ - الحديث ١٧٢/ ١٩٢٢.
(٤) صحيح سنن النسائي للألباني - كتاب الجهاد - باب ٤٣ - الحديث ٢٩٧٨.
[ ٣٧ ]
- ﷺ -: «رُبَّ أشعثَ مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّه» (١).
قد نرى القوةَ اليوم بيد أعدائنا، والغلبة لهم علينا، ولكن لا ننسى أن الله هو المتصرِّف بهذا الكون، وعينُه لا تغفُلُ عن عبادة المؤمنين، ولن يرضى لهم دوام الذلة واستمرار القهر، كما قال رسول الله - ﷺ -: «الميزان بيد الرحمن، يرفع أقوامًا، ويضع آخرين» (٢)، ولابد أن يرفعَنا بعد أن وضعنا؛ إذا رأى منا صدق السعي لمرضاته.
وفي كل قرنٍ يُعِيد الله اليقين إلى نفوس الأمة، بأن يجعل فيها سبَّاقين في الخير، لا يُبالون بالمحن، يتأسَّى الناس بهم كما في الحديث: «في كل قرن من أمتي سابقون» (٣)، كما يجعل في الأمة مَن يُصحِّح لها المفاهيم، ويسير بها على الجادَّة، ويقودها إلى الهداية، ويجدد لها أمر دينها، وقد بشَّر بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يُجدِّد لها دينها» (٤)، فإما أن يأتي الفرج على أيدي السابقين، وإما على أيدي المجددين، ولكنَّ الكرب لا يدوم.
وجميع أعداء الإسلام واقعون في دائرة تهديد الله لهم بالحرب، ومَن كان الله حربًا عليه فلا خوف منه ولا أمل باستمرار سلطانه علينا، كما جاء في الحديث القدسي: «مَن عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب» (٥).
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب البر والصلة - باب ٤٠ - الحديث ١٣٨/ ٢٦٢٢.
(٢) صحيح الجامع برقم ٦٧٣٧ (صحيح).
(٣) صحيح الجامع برقم ٤٢٦٧ (حسن).
(٤) صحيح سنن أبي داود للألباني - كتاب الملاحم - باب ١ - الحديث ٣٦٠٦/ ٤٢٩١ (صحيح).
(٥) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب ٣٨ - الحديث ٦٥٠٢.
[ ٣٨ ]
فلنتواصل بالصبر على البلاء، والثبات إذا وقع القضاء، ولنكن بشيرَ خيرٍ، ولا نكونن نذير شر، ولنقُلْ للمتشائمين بعد طول انتظار كما قال النبي - ﷺ - لأصحابه حينما اشتكوا من كثرة البلاء وشدته: «واللهِ ليُتِمَّن الله هذا الأمر .. ولكنكم تستعجلون» (١).
إن الثقة التي يريدها الرب ﷾ من عباده هي الثقة التي تحققت في أم موسى عمليًّا، حين قال عنها:
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ﴾ [القصص: ٧] وهكذا ألقته في اليم ولم تخَفْ، ولم تحزن، مع أن اليم خطير على الطفل الرضيع عادة، وكتب الله له النجاة، وتلقَّى فرعونُ الطفل الرضيع، ولم يخَف من كفالته في قصرِه؛ لأن الطفل الرضيع لا يخيف من ربَّاه عادة، فكان هلاك فرعون على يديه، وهكذا تجري عجائب قدر الله.
وقد حدَّث رسول الله - ﷺ - عن ثلاثة أصناف من الناس لا خير فيهم: «ثلاثة لا تسأل عنهم ورجل في شك من أمر الله، والقنوط من رحمة الله» (٢)، ولذلك فإن الأمة التي نخرها الشك، ونهشها القنوط لا يُرجَى خيرها ما لم تستَعِدِ الثقةَ واليقين بنصر رب العالمين.
إن عقيدة الإيمان بالقدر مصدر من مصادر الثقة بأن العاقبة للمتقين، ولذلك قال رسول الله - ﷺ -: «إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئَه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» (٣).
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود الألباني - الجهاد - باب ١٠٧ - الحديث ٢٣٠٧/ ٢٦٤٩ (صحيح).
(٢) صحيح الجامع برقم ٣٠٥٩ (صحيح).
(٣) صحيح الجامع برقم ٢١٥٠ (صحيح).
[ ٣٩ ]
ليست المسألةُ مسألة تخلُّف وعد الله - حاشاه سبحانه - ولكنها مسألة التوقيت المقدور، والأجل المحدود، الذي لا يتقدَّم لاستعجال متعجِّلٍ، ولا يتأخر لهوى كسول، ولذلك كان عمر بن عبد العزيز كثيرًا ما يدعو: (اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته، ولا تأخير شيء عجلته) (١)، وبهذه النفسية تزول ظاهرة الاستعمال، ويطمئن القلب بأن العاقبة للمتقين.
ولئن مرَّت الأمة بفترات ضعف، فلا ننسى أنها تقادير الله، الذي يقدر على إعادة عزٍّ ضاع، واسترجاع سيادة مضت، وشأن البشر الصعود والنزول، كما في الحديث: «مَثَل المؤمن مَثَل السنبلة؛ تميل أحيانًا وتقوم أحيانًا» (٢)، المهم أنها تقوم يومًا ما - وتلك سنة كونية - وهذا اليوم آتٍ لا محالة، إذا توفرت الأسباب.
وهكذا مضت سنة الله في الأمم، كما في الحديث: «عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد » (٣).
ومع ذلك استمرت الدعوة، وستبقى مهما لقيت من الضعف في بعض الأزمان، ولن يعيب النبيَّ الذي ليس معه أحد أنه لم يهتدِ على يديه أحد، رغم بذلِه جهدَه في دعوته، كما لا يعيب المجاهدَ ألا يصل إلى النصر رغم طول جهاده، إنما يَعيبُنا التقصير في أخذ الأسباب، والبخل بالجهد المستطاع - وإن قلَّ - والباقي
_________________
(١) تهذيب مدارج السالكين - منزلة الرضا - ص ٣٨٠.
(٢) صحيح الجامع برقم ٥٨٤٥ (صحيح)، وبرقم ٥٨٤٤ رواية: «تستقيم مرة، وتخر مرة» (صحيح).
(٣) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب ٩٤ - الحديث ٣٧٤/ ٢٢٠ (ِشرح النووي ٣/ ٩٣).
[ ٤٠ ]
تعهَّد به الله حين يشاء.
ولِمَا يخشاه الشهداء على مَن بعدهم من الأحياء من ضعفِ الثقة المُفضِي إلى الزهد بالجهاد، أو اليأس من ثماره، يقولون لربهم ﷾: «مَن يبلِّغ إخواننا عنَّا أنَّا أحياء في الجنة نُرزق؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب، فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم ..» (١).
فلابد لليلِ أن ينجلي، ولابد للغثاء أن يذهب جفاءً، ولابد لِمَا ينفع الناس أن يمكث في الأرض، ويمضي قدر رب العالمين في أن تكون العاقبة للمتقين.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- صاحب اليقين واثق بالله مهما ضاقت عليه الدنيا.
- بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين.
- اليقين خير ما يُؤتاه المرء، وبه صلَحت الأمة.
- لا يزال الله يغرِسُ لهذا الدين، والخير آتٍ بإذن الله.
- من البشائر بنصر الله:
- مُلك الأمة سيبلغ المشارق والمغارب.
- الإسلام يعلو ولا يُعلى، وهو يزيد، والشرك ينقص.
- الوعد بالتمكين، ولن يبرح الدين قائمًا.
- ينصر الله الأمة بضعيفها، ويرفع أقوامًا ويضع آخرين.
- في كل قرن سابقون ومجددونـ والله آذن أعداءه بالحرب.
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود للألباني - كتاب الجهاد - باب ٢٧ - الحديث ٢١٩٩/ ٢٥٢٠ (حسن). وفي صحيح الجامع برقم ٥٢٠٥ (صحيح).
[ ٤١ ]
- النصر آتٍ ولكن الناس يستعجلون، أو يشكون ويضعف إيمانهم بالقدر.
- الوعد آتٍ، ولكن الله هو الذي يحدِّد ميقاته.
- لا حرج في قلة الأتباع، ولكن الحرج في التقصير في الأخذ بالأسباب.
[ ٤٢ ]