الفصل الأول
الحياء
[ ٣١٩ ]
«الحياء لا يأتي إلا بخير».
إنه لمن مظاهر التوازن، ومن علامات التكامل في التربية، أن تجد المؤمن القوي الحازم الدؤوب حييًّا خجولًا أديبًا وقورًا.
والحياء الممدوح: (خلق يبعث على ترك القبيح) (١)؛ كما عرَّفه ابن حجر.
أما التحرج من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واتخاذ المواقف الجريئة في الحق، والتفقه في الدين، فليس من الحياء، وهذا بعض ما أشار إليه ابن حجر حين صنَّف الحياء إلى شرعي وغير شرعي، فقال: (الشرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحرتام للأكابر - وهو محمود - وأما ما يقع سببًا لترك أمر شرعي، فهو مذموم وليس هو بحياء شرعي، وإنما هو ضعف ومهانة) (٢).
لا ينبغي الحياء في المطالبة بالحقوق، ولا في تعليم الجاهل، ولا في السؤال عما لا نعلم، فقد قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحيٍ ولا متكبِّر، وقالت السيدة عائشة ﵂: (نِعْم النساء نساءُ الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) (٣)، وكانت أم سُلَيم تسأل في مسائل دقيقة من أحكام النساء، وتستفتح سؤالها بقولها: (يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق)، قال ابن حجر: (أي لا
_________________
(١) فتح الباري ١٠/ ٥٢٢ عند شرحه لباب الحياء من كتاب الأدب - الحديث ٦١١٨.
(٢) فتح الباري ١/ ٢٢٩ عند شرحه لباب الحياء في العلم من كتاب الإيمان.
(٣) صحيح البخاري - كتاب العلم - من ترجمة باب ٥٠ (الفتح ١/ ٢٢٨).
[ ٣٢١ ]
يأمر بالحياء في الحق) (١).
ومَن لم يُرزَق الحياء بالفطرة، طُولِب به بالقصد والاكتساب والتعلُّم، خاصة وأنه الخلق المميز لأتباع هذا الدين، كما جاء في الحدث الحسن: «إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلام الحياء» (٢)، وقد ورد أنه من سنن المرسلين، وأنه من الإيمان: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبَذاء من الجفاء، والجفاء في النار» (٣)، وقد كان حبيبنا وقدوتنا (أشد حياء من العذراء في خدرها) (٤) (وكان رسول الله - ﷺ - حييًّا كريمًا يستحيي ..) (٥)، وبعد كل ذلك هل نختار الحياء أم البَذاء؟ ونتحلى بالإيمان أم بالجفاء؟ ونُؤثِر أخلاق أهل الجنة أم أخلاق أهل النار؟
لقد كان أهل الجاهلية - على جاهليتهم - يتحرَّجون من بعض القبائح بدافع الحياء، ومن ذلك ما جرى مع أبي سفيان عند هرقل، لَمَّا سئل عن رسول الله - ﷺ -، ويقول في ذلك: (فوالله لولا الحياء من أن يؤثروا عليَّ كذبًا، لكذبتُ عنه) (٦)، فمنعه من الحياء الافتراء على رسول الله، لئلا يوصف بالكذب، ويشاع عنه ذلك.
وكذلك ما جرى مع السيدة خديجة، حيث وافق أبوها في حضرة جمعٍ من قريش - وهو سكران - على خطبتها لرسول الله - ﷺ -. فلما صحا من سكره، وفكَّر
_________________
(١) المصدر السابق، عند شرح ابن حجر لقطعة من الحديث ١٣٠ من صحيح البخاري.
(٢) صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٤٠٦ - الحديث ٣٣٧٠/ ٤١٨١ (حسن).
(٣) صحيح سنن ابن ماجة ٢/ ٤٠٦ - الحديث ٣٣٧٣/ ٤١٨٤ (صحيح).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٧٧ - الحديث ٦١١٩ (الفتح ١٠/ ٥٢١).
(٥) مسند أحمد ٦/ ٣١٤.
(٦) صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي - باب ٦ - الحديث ٧ (الفتح /٣١).
[ ٣٢٢ ]
بالتراجع، ما ردعته إلا بالاستحياء من أن يقر بأنه كان سكران، فقالت له: (أما تستحيي؟ تريد أن تُسفِّه نفسك عند قريش، تخبر الناس أنك كنت سكران؟ فلم تزل به حتى رضي) (١)، وكم يحتاج المسلمون اليوم إلى إحياء هذا الخُلُق بالالتزام بالكلمة والارتداع عن الوقوع في القبائح أو الشبهات بشيءٍ من الحياء.
ترى الرجل الحَيِيَّ يحتقنُ وجهه؛ وتحمرُّ وَجْنتاه، إذا صدر منه أو من غيره ما ينافي الحياء: (كان رسول الله - ﷺ - أشد حياءً من عذراء في خدرها، وكان إذا كرِه شيئًا رئي ذلك في وجهه) (٢).
ومن سمة الحياء: ما يتميز به الحَيِيُّ من مظاهر الوقار والسكينة؛ إذ روي عن بشير بن كعب قوله: (مكتوب في الحكمة: إن من الحياء وقارًا، وإن من الحياء سكينة) (٣).
قال القرطبي: (معنى كلام بشير: أن من الحياء ما يحمل صاحبه على الوقار، بأن يوقر غيره، ويتوقر هو في نفسه، ومنه ما يحمله على أنه يسكن عن كثير مما يتحرك الناس فيه من الأمور التي لا تليق بذي المروءة ..) (٤)، فالحياء يحجز النفس عن كثير من خوارم المروءة، وقوادح الدين.
ومن الحياء الواقع إجلالًا واحترامًا للأكابر: ما كان من ابن عمر حين سأل رسول الله - ﷺ - الصحابة: «إن من الشجرِ شجرةً لا يسقط ورقها، وهي مثل المسلم، حدِّثوني ما هي؟» (٥)، فعرَف ابن عمر أنها
_________________
(١) مسند أحمد ١/ ٣١٢.
(٢) صحيح سنن أبن ماجه ٢/ ٤٠٦ الحديث ٣٣٦٩ (صحيح).
(٣) صحيح البخاري - كتاب الأدب باب: ٧٧ الحديث: ٦١١٧ (الفتح ١٠/ ٥٢١).
(٤) عن فتح الباري ١٠/ ٥٢٢ عند شرحه للحديث ٦١١٧
(٥) صحيح البخاري - كتاب العلم - باب ٤ - الحديث ٦١؟.
[ ٣٢٣ ]
النخلة، واستحيا أن يُجيب، ويُعلِّل حياءه - كما في روايات الحديث - بأنه وجد نفسه أصغر الجالسين، وأنه رأى أبا بكر وعمر لا يتكلَّمان، فكرِه أن يتكلَّم (١).
كم يشرح الصدر ذلك المجتمع الذي يستحيي في الصغير من الكبير، ويتعامل الناس فيه بالاحترام والتوقير.
والحياء بنفسه وقاية من الوقوع في المعاصي، فقد ورد أن أحد الصحابة كان يعاتب أخاه على حيائه، وكأنما يقول له: قد أضر بك الحياء، فقال رسول الله - ﷺ -: «دَعْه فإن الحياء من الإيمان» (٢)، قال أبو عبُيَد الهَرَوِي: (معناه أن المستحيي ينقطع بحيائه عن المعاصي، فصار كالإيمان القاطع بينه وبين المعاصي) (٣)، ولذلك عمَّم الرسول - ﷺ - في بيان ثمرات الحياء، فقال: «الحياء لا يأتي إلا بخير» (٤)، ووصفه بأنه زينة للسلوك، فقال: «ما كان الفُحْش في شيءٍ قط إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زانه» (٥).
ومظاهر الخجل الاجتماعي، التي قد تجر إلى الشر، لا يمكن أن تكون من الحياء المحمود شرعًا؛ إذ إنه لا يأتي إلا بخير، ومداراة بعض الأعراف الاجتماعية المنحرفة، لا يعد حياءً؛ لأن الحياء زين وليس بشَين، والانحراف هو عين القبح والشين.
وكما أن الحياء أدب مع الخلق، فإن أسمى صورِه الأدب مع الخالق، وقد ورد أن عددًا من الأنبياء (آدم - نوح - موسى)، تطلب منهم الشفاعة يوم الموقف، والناس يقولون لكل منهم - لما يرون من
_________________
(١) فتح الباري ١/ ١٤٦.
(٢) صحيح البخاري - كتاب الادب - باب ٧٧ - الحديث ٦١١٨ (الفتح ١٠/ ٥٢١).
(٣) عن فتح الباري ١٠/ ٥٢٢ عند شرح الحديث ٦١١٨
(٤) صحيح البخاري - كتاب الادب - باب ٧٧ - الحديث ٦١١٧
(٥) صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٤٠٧ الحديث ٣٣٧٤ (صحيح)
[ ٣٢٤ ]
هول الموقف -: «.. فاشفَع لنا عند ربك؛ حتى يُريحَنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم - ويذكر ذنبه فيستحيي - .. لست هناكم - ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي - .. لست هناكم - ويذكر قتل النفس بغير نفس فيستحيي من ربه -» (١)، وكل منهم متحرج، ويمنعه الحياء من الجرأة على الشفاعة.
ولإحساس المؤمن في الدنيا بأن الله يراه على جميع أحواله، فإنه يستحيي من ربه، ولذلك ورد في التستر عند الاغتسال في الخلوة، قوله - ﷺ -: «الله أحق أن يُستَحْيَا منه من الناس» (٢)، والذي يستحيي من ربه، إن كشف عورته في خلوته، حريٌّ به أن يمنعه الحياء من الإقدام على معصية.
ويكفي في فضيلة الحياء وأثره، أن الأنبياء السابقين حذروا من كسر حاجز الحياء، لئلا يقع المرء في كل القبائح - وليس له رادع ولا وازع - كما في الحديث: «إن مما أدرك الناسُ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» (٣).
ومن الوجوه التي يفهم بها هذا الحديث أنه:
حيث تشعر بالحرج، وتخشى التأثم، فتوقف، وحيث يطمئن القلب، ولا تشعر بالحرجن فاصنع ما شئت.
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب التفسير - سورة ٢ - باب ١ - الحديث ٤٤٧٦ (الفتح ٨/ ١٦٠).
(٢) من معلقات البخاري في كتاب الغسل - باب ٢٠. قال في الفتح ١/ ٣٨٦: (.. وحسنه الترمذي وصححه الحاكم) ..
(٣) صحيح البخاري - كتاب الادب - باب ٧٨ - الحديث ٦١٢٠ (الفتح ١٠/ ٥٢٣)
[ ٣٢٥ ]
فاقد الحياء فليصنع ما يشاء، ولينظر بعدئذ ماذا يفعل الله به.
ليس عجيبًا ما نراه من منكرات الأخلاق، إذا علمنا أن رادع الحياء قد مات، فالذي لا يستحيي - عادةً - يصنع ما يشاء، بلا حرج من أحد (١).
أفلا يكون كل منا عونًا لأخيه في مجاهدة النفس، وتجنُّب ما لا يليق، والتزام حدود الأدب مع الخلق والخالق، في الخلوة والجلوة، وفي الغِيبة والشهادة، فقد جاء في الحديث: «إن الله ﷿ حليم، حَيِيٌّ، ستِّير، يحب الحياء والستر ..» (٢)، وربما كان لاقتران الحياء والستر فيما يحب الله، إشارة إلى أنه حيث وجد الحياء، وجد الستر والعفاف، وحيث تحل الجرأة على القبائح، يحل معها التكشف والفضائح وعيوب النفس مستورة بجلباب الحياء، فإذا ما نزع الستر، تكشفت أمراض النفوس، وتجرأ الصغير على الكبير، وانطلق الناس من كل قيد، وتحرَّروا من كل وازع، وغرِقوا في أوحال الرذيلة، وستبقى الفطرة ميالة إلى الحياء والستر.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الحياء خلق يبعث على ترك القبيح.
- ليس من الحياء الامتناع عن التعلم أو المطالبة بالحقوق.
- إن لكل دين خلقًا وخلق الإسلام الحياء.
_________________
(١) يراجع فتح الباري ٦/ ٥٢٣ - شرح الحديث ٣٤٨٣ وكذا ١٠/ ٥٢٣ - شرح الحديث ٦١٢٠.
(٢) صحيح سنن النسائي ١/ ٨٧ - كتاب الغسل - باب ٧ - الحديث ٣٩٣ (صحيح)
[ ٣٢٦ ]
- أهل الجاهلية كان عندهم من الحياء ما يمنعهم من بعض القبائح.
- الحياء وقار ومروءة.
- من الحياء احترام الأكابر.
- الحياء وقاية من الوقوع في المعاصي.
- من أسمى الحياء التأدب مع الخالق.
- الحياء وصية النبوة الأولى.
- كمال الحياء حين يكون مع الستر.
****
[ ٣٢٧ ]