الفصل الأول
الربانية
[ ٢٦٨ ]
﴿.. كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ ..﴾
كم ينشرح صدرك حين تلقى قوة المؤمن وصلابته وعزيمته وجديته .. مشفوعة بسكينة وإخبات ورقة وصفاء! وهو ما يتمثل في شخصية المسلم بخلق الربانية.
وُصِف الربانيون في القرآن بأوصاف عديدة تتكامل بها صفاتهم. فقد وُصفوا بالثبات في الجهاد والصبر على البلاء ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، والرِّبِّيُّون بمعنى الجماعات الكثيرة من العباد والعلماء والربانيين - جمعًا بين التفاسير (١).
ومن علامات الربانيين أنهم يحرِصون على تحكيم الشريعة وإقامة الدين ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]، وفي موضع آخر وصفهم الله بأنهم المرشَّحون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣].
وجعل الله الأمر بالاتصاف بالربانية على لسان مَن يُؤتِيهم الله
_________________
(١) يراجع تفسير القرطبي ٤/ ٢٣٠ عند تفسير الآية ١٤٦ من آل عمران.
[ ٢٦٩ ]
الحكم والنبوة وجعل الله ميزة الربانيين في قيامهم بتعليم كتاب ربهم وحرصهم على الاستمرار في التعلم ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، فالرباني يبني نفسه ويبني غيره، يعمل بما علم ويعلم ما تعلم.
وقد حوت كتب التفسير والسنة كثيرًا من الصفات المميزة للرجل الرباني، ففي صحيح البخاري وعند ترجمة (باب العلم قبل القول والعمل): (قال ابن عباس: كونوا ربانيين: حلماء فقهاء، ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره) (١).
يقول ابن حجر: (والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله، وبكباره ما دق منها، وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده ..) (٢).
فالرباني صاحب حكمة وصاحب فقه، ومن حكمته أنه يتدرج بالمدعوِّين وييسر عليهم على علم وبصيرة وحسن عمل، ينقل ابن حجر عن ابن الأعرابي قوله: (لا يقال للعالم رباني حتى يكون عالمًا معلِّمًا عاملًا) (٣).
وأساس الربانية الإخلاص في ابتغاء رضي الرب - ﷿ - قال الأصمعي والإسماعيلي: (الرباني نسبة إلى الرب أي الذي يقصد ما
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب العلم - من ترجمة الباب ١٠.
(٢) فتح الباري ١/ ١٦٢ عند شرح الباب ١٠ من كتاب العلم.
(٣) المصدر السابق.
[ ٢٧٠ ]
أمره الرب بقصده من العلم والعمل) (١)، وقيل إنه منسوب إلى التربية، والتربية أبرز ما في حال الرباني.
وقد روي عن علي - ﵁ - في وصف الربانيين قوله: (هم الذين يغذُّون الناس بالحكمة ويربونهم عليها) (٢)، كما قيل إنه مشتق من قولهم: ربه يربه فهو ربان إذا دبره وأصلحه. (فمعناه على هذا: يدبرون أمور الناس ويصلحونها) (٣)، وفي تفسير ابن مسعود لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ قال: حكماء علماء. ويقول ابن جبير: حكماء أتقياء.
ومن اللفتات الطريفة في وصف الرباني أنه الذي يجمع إلى العلم البصر بالسياسة (٤)، وهي إشارة طريفة تنفي التصور المتفشي عن العالم الرباني بأنه بعيد عن عصره، مغفل في قضايا الحكم والسياسة. وقد أكد هذه الميزة في الرباني أبو عبيدة بقوله: (سمعت عالمًا يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العارف بأنباء الأمة وما كان وما يكون) (٥).
فهو مدرك لتاريخ الأمة، مبصر لسنن الله في خلقه بصرًا يتيح له أن يتوقع ما يكون حين تتوفر أسباب مضاء السنة الكلونية والاجتماعية.
ويتميز (الرباني) بأنه الكامل في العلم والعمل، الشديد
_________________
(١) فتح الباري ١/ ١٦١ عند شرح الباب ١٠ من كتاب العلم.
(٢) زاد المسير في علم التفسير ١/ ٤١٣ عند تفسير الآية ٧٩ من سورة آل عمران.
(٣) تفسير القرطبي ٤/ ١٢٢ عند تفسير الآية ٧٩ من سورة آل عمران.
(٤) عن تفسير القرطبي ٤/ ١٢٢.
(٥) المصدر السابق.
[ ٢٧١ ]
التمسك بطاعة الله ﷿ ودينه» (١)، أما حين يغفل العلماء عن مجتمعاتهم أو يسكتون عما يجري فيها ويتساهلون فتلك ظاهرة الفناء كما يقول سيد قطب ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣] يقول: (فهذه السمة - سمة سكوت القائمين على أمر الشريعة والعلم الديني عما يقع في المجتمع من إثم وعدوان - هي سمة المجتمعات التي فسدت وآذنت بالانهيار) (٢).
ويتميز سيد قطب ﵀ غيظًا من علماء المسلمين الذين انزلقوا إلى ما وقع فيه علماء أهل الكتاب حيث يقول: (ومثل هذا الفريق من أهل الكتاب فريق ممن يدعون الإسلام ويدعون العلم بالدين .. وهم أولى بأن يوجه إليهم هذا القرآن اليوم، وهم يلوون النصوص القرآنية ليًّا لإقامة أرباب من دون الله في شتى الصور، وهم يتصيدون من النصوص ما يلوونه لتمويه هذه المفتريات ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨] (٣).
فلا مجاهد بلا ربانية، ولا ربانية بغير علم وعمل وحكمة وإخلاص وصبر وتربية وبصيرة .. والذين يتبوؤون مراكز التوجيه ويتصدرون ساحات الجهاد لا بدَّ أن يأخذوا أنفسهم بالعزيمة ليحسنوا
_________________
(١) تفسير أبي السعود ١/ ٣٧٩.
(٢) في ظلال القرآن ٢/ ٩٢٨ عند تعليقه على الآية ٦٣ من سورة المائدة.
(٣) في ظلال القرآن ١/ ٤٢٠ عند تعليقه على الآية ٧٨ من آل عمران، والآية الأخيرة من آل عمران.
[ ٢٧٢ ]
أداء دورهم "القدوة" وليستحقوا من الله تبوأ "العليين" و"مقعد صدق" في الدار الآخرة، ولينالوا وسام (الربانية) بما يتعلمونه ويعلمونه.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- من صفات الربانية:
- الثبات في الجهاد والصبر على البلاء.
- تحكيم الشريعة وإقامة الدين.
- تعلم الكتاب وتعليمه.
- تعليم صغار العلم قبل كباره.
- الإخلاص والحكمة.
- العلم مع البصر بالسياسة.
- الكمال في العلم والعمل.
- تفسد المجتمعات حين لا يقوم الربانيون بدورهم.
- إذا لم يتميز العلماء بالربانية لم يؤمن عليهم من لي النصوص.
****
[ ٢٧٣ ]