الفصل الأول
تجنب الفتن
[ ٣٧١ ]
«إن السعيد لمن جُنِّب الفتن ..».
نعني بالفتنة ما يصيب الفرد أو الجماعة من هلاك أو تراجع في المستوى الإيماني، أو زعزعة في الصف الإسلامي.
من أول أسباب الوقوع في الفتنة استعداد القلب لقَبولها كما في الحديث «تُعرَض الفتن على القلوب .. وأي قلب أُشرِبَها نُكِتَت فيه نكتة سوداء» (١)، وكذلك قَبول السعي فيها، ففي الصحيح «.. الماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه» (٢)؛ أي: مَن تطلَّع لها صرعته فيها.
وأشد ما يُؤجِّج الفتن الخوض بالألسنة، يقول القرطبي في تعليل أسبابِ كثيرٍ من الفتن أنها تبدأ: (بالكذب عند أئمة الجور، ونقل الأخبار إليهم، فربما ينشأ من ذلك الغضب والقتل، أكثر مما ينشأ من وقوع الفتنة نفسها) (٣).
وكم تكبُرُ الفتنة حينما يبني المرء موقفه على وهم!! وذلك مثلما حصل مع الصحابيَّين الكريمين أبي بكر وعمر - ﵄ - حينما أشار أبو بكر بتأمير رجل على وفد بني تميم وأشار عمر بتأمير
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب ٦٥ - الحديث ٢٣١ - واللفظ لأحمد ٥/ ٣٨٦.
(٢) صحيح البخاري - كتاب الفتن - باب ٩ - الحديث ٧٠٨١.
(٣) عن عون المعبود ١١/ ٣٤٧.
[ ٣٧٣ ]
غيره، فقال أبو بكر: (إنما أردتَ خلافي)، وعمر يقول له: (ما أردت خلافك)، وعلت أصواتُهما عند رسول الله - ﷺ - حتى إن راوي الحديث قال: (كاد الخيِّران أن يهلِكا) (١).
وأخطر ما يقود إلى الفتن تقديم الرأي على حكم الشرع، فقد جاء في صحيح البخاري أن سهل بن حُنَيف قال عند فتنة الصحابة: (أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم) (٢).
وقد تفر من الفتنة فيلاحقك أهلها وأنت كاره للخوض فيها كما ورد عن أبي الدرداء - ﵁ -: (إن ناقدت ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك، وإن هربت منهم أدركوك) (٣).
وقد يكون استلامك لإمارة لا تقدر عليها سببَ فتنةٍ لك ولمن معك، ولذلك جزع عمرو بن العاص - ﵁ - جزعًا شديدًا لما حضرته الوفاة، وتذكر حياته مع رسول الله - ﷺ - إلى أن قال: «فلو مت حينئذٍ قال الناس: هنيئًا لعمرو أسلم وكان على خيرٍ فمات فرُجِي له الجنة، ثم تلبست بعد ذلك بالسلطان وأشياء، فلا أدري عليَّ أم لي ..» (٤).
وإن كنت في موضع القدوة أو الإمرة فلا تحمل الناس ما لا يُطِيقون، فتفتنهم، فإن رسول الله - ﷺ - لما علم أن معاذًا - رضي الله
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الاعتصام - باب ٥ - الحديث ٧٣٠٢.
(٢) صحيح البخاري - كتاب الاعتصام - باب ٧ - الحديث ٧٣٠٨ موقوف على سهل ابن حنيف.
(٣) كنز العمال: الحديث ٣٠٩٨٩ - وقال: «رواه الخطيب وابن عساكر .. وصحح الخطيب وقفه».
(٤) مسند أحمد ٤/ ١٩٩.
[ ٣٧٤ ]
عنه - يُطِيل الصلاة بالناس قال له ثلاثًا: «يا معاذ! أفتَّان أنت؟!» (١)، وفي خطبة لعمر - ﵁ - قوله (ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم) (٢).
وإن الانشغال بالقول عن العمل كثيرًا ما يفضي إلى كثير من الفتن والمشكلات، يقول ابن تيمية - ﵀ -: (فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العدواة، حتى تقع بينهم الفتنة - كما هو الواقع -) (٣)، وفي المثل: (العسكر الذي تسوده البطالة يجيد المشاغبات) (٤).
إن من آثار الفتنة أنها تُنسِي الواقعين فيها حقائق يعرفونها وحدودًا كانوا يلتزمونها، وإن الواقِع في الفتنة تخف تقواه، ويرقُّ دينه، ولذلك حين يبعد أناس عن الحوض كان يظنهم رسول الله - ﷺ - من أمته يجاب: «لا تدري مشوا على القَهْقَرى»، قال راوي الحديث - ابن أبي مُلَيْكة -: (اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نُفتَن) (٥).
وفي الحديث الذي يسأل فيه حُذَيفةُ عن الشرِّ: «.. يا رسول الله، الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: «لا ترجع قلوب أقوام على الذي
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٧٤ - الحديث ٦١٠٦.
(٢) مسند أحمد ١/ ٤١. قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده حسن (٢٨٦). ومعنى تجمروهم: أي تطيلون غيابهم عن زوجاتهم.
(٣) مجموع فتاوي ابن تميمة ١٥/ ٤٤.
(٤) نقلا عن كتاب (العوائق) ص ١٥.
(٥) صحيح البخاري - كتاب الفتن - باب ١ - الحديث ٧٠٤٨.
[ ٣٧٥ ]
كانت عليه» (١)، يقول شارح الحديث: (أي لا تكون قلوبهم صافية عن الحقد والبغض كما كانت صافية قبل ذلك) (٢).
ترى الرجل العاقل ولا تدري أين ذهب عقله في حال وقوع الفتنة، ينقل ابن حجر حديثًا لابن أبي شيبة في الفتن: «ثم فتنة تموج كموج البحر وهي التي يصبح الناس فيها كالبهائم»؛ أي: لا عقول لهم، ويؤيده حديث أبي موسى: «تذهب عقول أكثر ذلك الزمان» (٣).
وحين بيَّن ابن حجر استحباب الاستعاذة من الفتن، حتى في حق مَن علم أنه على حق، علل ذلك بقوله: (لأنها قد تُفضِي إلى وقوع ما لا يرى وقوعه) (٤).
ومن أخطر آثار الوقوع في الفتن انعدام التأثر بالموعظة، روى أحمد (أن أخًا لأبي موسى كان يتسرع في الفتنة فجعل ينهاه ولا ينتهي فقال: (إن كنت أرى سيكفيك مني اليسير - أو قال من الموعظة - دون ما أرى ) (٥)، بل ويستصغر الناس المعاصي. يقول عبدالله بن عمر: (في الفتنة لا ترون القتل شيئًا) (٦)، فما سبيل النجاة من الفتن؟
من المنجيات من الفتن: أن تتنازل عن حقك في الدنيا، وإن كان
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود للألباني - الحديث ٣٥٧١ (حسن).
(٢) عون المعبود ١١/ ٣١٧، عند شرحه للحديث ٤٢٢٧.
(٣) فتح الباري ١٣/ ٤٩ - كتاب الفتن - الباب ١٧.
(٤) فتح الباري ١٣/ ٥٢، عند شرحه للحديث ٧٠٩٨.
(٥) مسند أحمد ٤/ ٤٠١، والشاهد من الحديث موقوف على أبي موسى.
(٦) مسند أحمد ٢/ ٣٢، موقوفا على عبدلله بن عمر.
[ ٣٧٦ ]
الصبر على ذلك شاقًا على النفس، كما جاء في سنن أبي داود: «إن السعيد لمن جُنِّب الفتن - ثلاثًا - ولمن ابتلي فصبر فواهًا» (١)، ومن كانت الفتنة تحيط به ولا مُنجِيَ به منها فليفرَّ بدينه من الفتن أو ليكثر من العبادة كما في الحديث: «العبادة في الفتنة كالهجرة إليَّ» (٢)، والتزود بالأعمال الصالحة مطلوب للوقاية من الفتنة قبل وقوعها، قال - ﷺ -: «بادروا بالأعمال فتنًا» (٣).
يقول النووي في شرح الحديث: (معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال قبل تعذُّرها، والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتراكمة المتكاثرة) (٤).
ومَن كان يملك أسباب الفتنة فليتخلَّص منها كما جاء في الحديث: «كسِّروا فيها قِسِيَّكم» (٥) حتى إن كعب بن مالك - ﵁ - يذكر في قصة الثلاثة الذين خلفوا؛ كيف جاءه كتاب من ملك غسَّان وفيه (قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نُواسِك)، يقول كعب: (فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء فتيمَّمت التنُّور فسجرتُه بها) (٦).
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود للألباني - الحديث ٣٥٨٥ (صحيح). (واهًا: ما أطيب الصبر على البلاء).
(٢) مسند أحمد ٥/ ٢٧، وفي صحيح الجامع برقم ٤١١٩ بلفظ «العبادة في الهرج ..» (صحيح)
(٣) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب ٥١ - الحديث ١٨٦.
(٤) شرح صحيح مسلم للنووي ١/ ٤٩٢.
(٥) صحيح سنن الترمذي للألباني - الحديث ١٧٩٥/ ٢٣١٤ (صحيح).
(٦) صحيح البخاري - كتاب الفتن - باب ١٧ - الحديث ٧٠٩٨.
[ ٣٧٧ ]
وحاول في الفتنة ألا تكون أميرًا فإن أسامة - ﵁ - كان يقول: (ما أنا بالذي أقول لرجل - بعد أن يكون أميرًا على رجلين -: أنت خير) (١)، يقول ابن حجر: (فكان أسامة يرى أنه لا يتأمر على أحد، وإلى ذلك أشار بقوله: لا أقول للأمير: إنه خير الناس) (٢).
والدعاء بالحماية من شرور الفتن سبب من أسباب النجاة ففي مسند أحمد: «وإذا أردت بعبادك فتنة أن تقبضني إليك غير مفتون» (٣)، وفي دعاء عمر - ﵁ -: (نعوذ بالله من شر الفتن)، وقال أنس - ﵁ -: (عائذًا بالله من شر الفتن) (٤).
وينجيك عند الله أن تنكر الفتنة، ولا ترضى بها، ولا تعين عليه، قال - ﷺ -: «.. وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامتِ السماوات والأرض» (٥).
وأهم المنجيات أن يفقه المرء دينه، وأن يميز حدود الشرع - دون التباس - فقد نقل ابن حجر عن ابن أبي شيبة حديثًا عن حذيفة يقول فيه: (لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك، إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل) (٦).
ورغم كل هذه الأسباب المنجية وغيرها، لا بدَّ للقلب من أن يبقى
_________________
(١) فتح الباري ١٣/ ٥٢، عند شرحه للحديث ٧٠٩٨.
(٢) مسند أحمد ١/ ٣٦٨، وفي صحيح الجامع برقم ٥٩ (صحيح).
(٣) صحيح البخاري - كتاب الفتن - باب ١٥ - الحديث ٧٠٨٩.
(٤) صحيح البخاري - كتاب الفتن - باب ١٥ - الحديث ٧٠٩٠.
(٥) صحيح الجامع برقم ٢٩٦٠، ورواه أحمد ومسلم.
(٦) فتح الباري - ١٣/ ٤٩ - كتاب الفتن - من شرحه للباب ١٧.
[ ٣٧٨ ]
معلقا بالله، وحقًا: «إن السعيد لمن جُنِّب الفتن»، فاجتناب الفتن حفظ رباني، أكثر من كونه كسبًا بشريًّا، فخذ بالأسباب واستعِن بالله.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- من أسباب الوقوع في الفتنة:
- استعداد القلب لقبولها.
- الخوض بالألسنة واعتقاد الأوهام.
- تقديم الرأي على حكم الشرع.
- استلام إمارة لا يُعان عليها.
- الانشغال بالقول عن العمل.
- من آثار الفتنة:
- تُنسِي الناس حقائق يعرفونها.
- ترقق الدين.
- تُذهِب العقل.
- تعدم التأثر بالموعظة.
- من المنجيات من الفتن:
- التنازل عن حقك في الدنيا.
- الفقه في الدين.
- التخلص من وسائل الفتنة وأسبابها.
- عدم تولي إمرة في الفتنة.
- الدعاء بالحماية من شرها.
- إنكار القلب للفتنة.
- التزود بالعمل الصالح.
- اجتناب الفتن حفظ رباني أكثر من كونه كسبًا بشريًّا.
[ ٣٧٩ ]