الفصل الأول
حُسْن الأسوة
[ ٢٢٢ ]
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾
يتطلع الناس إلى مَثَلٍ أعلى يقتدون به، ويقتَفون أثره، ويحذون حذوَه، وتربية الإسلام تنشئ في نفوس أتباعه السعي إلى معالي الأمور، والترفُّع عن سفسافها، والصعود نحو ذورة سنام الإسلام، ولذلك كان من دعاء عباد الرحمن: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].
وفي تفسير هذه الآية يوضح (مجاهد) المقصود بالإمامة هنا فيقول: (أئمة في التقوى؛ حتى نأتم بمن كان قبلنا، ويأتمَّ بنا مَن بعدنا) (١)، ومعنى ذلك أن صاحب الأسوة الحسنة متتبِّع لخطى الذين سبقوه في الخير، وقدوة لمن يلونه، فهو يرأس الناس في فعل الخير، ويقتدي الناس به، كما يتحرّى أن يقتدي بالصّالحين من سلف الأمة، وهذا ما يكون سبب الثقة به، وإتباعه، والتأسِّي به.
وقد أكَّدت هذا المعنى تفاسير عديدة، ونقل ابن حجر عدة أقوال تؤيِّد هذا المعنى، وقد كان هذا حال سيد المجاهدين؛ إذ جعله الله أسوة لمن بعده، كما أمره الله أن يقتدي بمن سبقه من الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وإن لم يكن الدعاةُ والهداة على هذا المستوى من الأسوة، حُرِموا الاستخلاف في الأرض، وهذا خليل الله إبراهيم - ﵊ -
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الاعتصام - من ترجمة باب ٢ (فتح الباري ١٣/ ٢٤٨).
[ ٢٢٣ ]
لَمَّا جعله إمامًا للناس يُقتدى به قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، أخبره الله تعالى أن فيهم عاصيًا وظالمًا لا يستحق الإمامة فقال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] (١)، فإذا أردنا أن يعيننا الله في إقامة الإمامة الكبرى، فلنستعِن بالله على أنفسنا؛ لنستأهل إمامة القدوة والتأسِّي.
ورأس الأمر في إمامة الأسوة: أن ندعو الناس بأفعالنا قبل أقوالنا. يقول عبد الواحد بن زياد: «ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ؛ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم عنه» (٢)، ولما نبذ رسول الله - ﷺ - خاتَمَه الذهبي، نبذ الناس خواتمهم (فدل ذلك على أن الفعل أبلغ من القول) (٣).
إن صاحب الأسوة الحسنة يترك كثيرًا من المباح، احتياطًا لأمر دينه، وبعدًا عن الشبهات (٤)، ويبتعد عن مواطن سوء الظنِّ؛ لأنها تُنفِّر الناس من الاقتداء به (وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يُقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظنِّ بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم) (٥)، كما قال ابن حجر.
وإن الرجل القدوة لأشدُّ على أعداء الله من كل عُدَّة، ولذلك لَمَّا
_________________
(١) عن تفسير القرطبي ٢/ ١٠٧ عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤].
(٢) نقلًا عن ممرات الحق ٢/ ٩١، والمنطلق ص ٢٥٥.
(٣) فتح الباري ١٣/ ٢٧٥ من شرح الحديث ٧٢٩٨ من كتاب الاعتصام - باب ٤.
(٤) في مدارج السالكين ٢/ ٢٦: (فالعارف يترك كثيرًا من المباح إبقاء على صيانته).
(٥) فتح الباري ٤/ ٢٨٠ عند شرحه لحديث (إنما هي صفية ..).
[ ٢٢٤ ]
تمنَّى الناس (ذهبًا ينفقونه في سبيل الله) كانت قولة عمر - ﵁ -: (ولكني أتمنَّى رجلًا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله) (١).
ولن يثق الناس بك، ولن يتأثَّروا بحديثك، وأنت ترتعُ في نعيم لا يجدونه، ولذلك كان سيدنا علي - ﵁ - يحتاط لنفسه ولأعين الناس، فيلبس المرقع من الثياب، فلما اعترض بعضهم على لباس علي - ﵁ -، أجابهم: (ما لكم وللَّباس، هو أبعد من الكبر، وأجدر أن يقتدي بي المسلم) (٢)، وفي رواية قال: (يخشع به القلب، ويقتدي به المؤمن) (٣).
وإن الذي ينحدر للتَّسابق في الملذَّات؛ لن يرقى في سلَّم الطاعات؛ لأن القدوة تسابق في الخيرات، ومجاهدة للنفس إلى أن تحيا بنا دعوتنا؛ إذ (لا حياة لفكرة لم تتقمَّص روح إنسان، ولم تصبح كائنًا حيًّا، دب على وجه الأرض في صورة بشر) (٤)، فلا ينسين الداعية أن الناس ينظرون إليه على أنه مثلهم الأعلى، الذي يرون في سلوكه مصداق ما يدعو إليه، فإن زلَّ زلوا معه، وإن عاد إلى الصواب بعد ذلك قد لا يعودون.
إن من أبرز صفات الساعي لأن يكون للمتقين إمامًا: الحذر من سوء التصرف الذي قد يفتن بهم العامة، وقد يُلبِّس على مَن يحسنون الظن بهم، ولو كان الفعل في حدود ما تحتمله الاجتهادات الفرعية
_________________
(١) نقلًا عن ممرات الحق (٤/ ٨٧).
(٢) مسند أحمد ١/ ٩١.
(٣) عن حياة الصحابة ٢/ ٧٠٩.
(٤) أفراح الروح لسيد قطب ٢٥ - ٢٦.
[ ٢٢٥ ]
والرخص. ولذلك لمّا رأى ابن عباس أخاه عبيد الله صائمًا يوم عرفة حذّره بقوله: (إنكم أئمة يُقتدى بكم) (١)، ولما نهى عمر - ﵁ - عنه عبدالرحمن بن عوف عن لبس الخفَّين في الحج - أخذًا بالرخصة في ذلك - لخشية عمر أن يتوسع الناس في ذلك، قال له: (عزمت عليك إلا نزعتَها، فإني أخاف أن ينظر الناس إليك، فيقتدون بك) (٢)، ومثل هذا الموقف تكرر في استنكار عمر على طلحة حين رآه يلبس ثوبًا مصبوغًا وهو مُحرِم، فقال له: (إنكم - أيها الرهط - أئمة يقتدي بكم الناس) (٣).
إن أبا سفيان وهو على كفره حين سأله هرقل عن رسول الله - ﷺ - خشي أن يكذب وهو كبير قومه فيتناقلها الناس، فقال: (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليَّ كذبًا لكذبت عنه) (٤)، أفليس عباد الرحمن أجدر بتلك الرجولة وذلك الحياء.
صاحب الإمامة وحسن الأسوة، لا يستأثر بدنيا على إخوانه، فإن للإمرة ضريبتَها، وللرجولة ثمنها، ولا تُنال الرفعة في الدين إلا بالمجاهدة، ولذلك حين جاءت فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - تشكو من تشقق يديها من الطحن بالرحى، وتطلب خادمًا فلم تُعطَ (٥)، وكان - ﷺ - يجوع حتى يضع الحجارة على بطنه؛ لتخفف من جوعه، وينام
_________________
(١) مسند أحمد ١/ ٣٤٦.
(٢) مسند أحمد ١/ ١٩٢.
(٣) موطأ مالك (١/ ٣٢٦) الحديث ١٠ من كتاب الحج باب ٤.
(٤) صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي - باب ٦ - الحديث ٧ (فتح الباري ١/ ٣١).
(٥) صحيح البخاري - كتاب فضائل الصحابة - باب ٩ - الحديث ٣٧٠٥ (الفتح ٧/ ٧١).
[ ٢٢٦ ]
على الحصير حتى يؤثر في جنبه (١)، وهكذا كان حال الصالحين الذين يعدُّون الإمارة مغرمًا لا مغنمًا.
وكما تكون الإمامة والأسوة في الخير، فهنالك (أئمة يدعون إلى النّار) أي قدوة للضلال (٢)، وكلا الطريقين متاح، فهل تكون أسوة هدى، أم قدوة ضلال؟
لقد كان الحرص على حسن الأسوة، والحذر من الميل عمّا كان عليه حال رسول الله - ﷺ -، يدفع رجلًا مثل أبي بكر - ﵁ - ليقول: (إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ) (٣)، وإن من سار في طريق المجاهدة لا يرتضي لنفسه أن يكون من الخلوف، الذين وصفهم رسول الله - ﷺ - بأنهم: «يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون» (٤)، وإنما يحرص على أن يكون من أتباع النبي الذين وُصفوا بأنهم: (يأخذون بسنته ويقتدون بأمره) (٥)، وكما يقول مالك بن دينار: «إن العالم إذا لم يعمل بعلمه، زلَّت موعظته عن القلوب؛ كما يزلُّ القطر عن الصخرة الصماء» (٦).
ولا يليق بصاحب خلق (حسن الأسوة) أن يكون إمَّعة يسيء مع المسيئين، فقد روي عن ابن مسعود قوله:) وطّنوا أنفسكم: إن
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب المظالم - باب ٢٥ - الحديث ٢٤٦٨ (الفتح ٥/ ١١٦).
(٢) كما في تفسير الألوسي ٢/ ٨٣ سورة القصص - الآية ٤١.
(٣) صحيح البخاري - كتاب فرض الخمس - باب ١ الحديث ٣٠٩٣ (فتح الباري ٦/ ١٩٧).
(٤) أخرجه مسلم (جامع الأصول ١/ ٣٢٦) الحديث ١٠٨.
(٥) نفس المرجع السابق.
(٦) عن ممرات الحق (٢/ ٣٠٠).
[ ٢٢٧ ]
أحسن الناس أن تحسنوا، وإذا أساؤوا أن تتجنبوا إساءتهم «١)، وكذلك وطنوا أنفسكم ألا يفتتن بكم إمعة من الرعاع، وألا يتخذكم غيركم رأسًا في الضلال، يقول ابن العربي في شرح قوله - ﷺ -: «ولا غدرة أعظم من غدرة إمام عامة» (٢): (وإنما جعلها أعظم من الإمام؛ لأن متعلقاتها من المغرور به أكثر، ففحشت بكثرتها) (٣).
والرأس في الخير لا بد أن يقدم رأسه ثمنًا لرياسته، وأن يهون في نظره كل شيء في سبيل ثباته في مواقف الابتلاء، وقد سُجن البويطي - خليفة الشافعي - في فتنة خلق القرآن وقُيِّد بالسلاسل والأغلال، ولم يقبل أن ينطق بغير الحق ولو همسًا وهو يقول:) إنه يقتدي بي مائة ألف، ولأموتن في حديدي هذا؛ حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم «٤).
فعسى إن كنا على مستوى حسن الأسوة والتأسي، أن يجعلنا الله أئمة ويجعلنا الوارثين، ويُمكِّن لنا في الأرض، ويجعلنا للمتقين إمامًا.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- عباد الرحمن يتطلعون لأن يكونوا للمتقين إمامًا.
_________________
(١) مشكاة المصابيح ٣/ ١٤١٨ صححه الألباني موقوفًا على ابن مسعود.
(٢) أخرجه الترمذي (جامع الأصول ١١/ ٧٤٧ برقم ٩٤٤٤) وحسنه الترمذي، وضعفه الأرناؤوط وقال: لبضع فقراته شواهد.
(٣) عارضة الأحوذي ٩/ ٤٢.
(٤) طبقات الشافعية ١/ ٢٧٥ من ترجمة يوسف بن يحيى البويطي.
[ ٢٢٨ ]
- صاحب الإمامة يقتدي بمن سلف ويكون قدوة لمن خلف.
- الذين لا يكونون على مستوى الأسوة لا يُمكِّن لهم في الأرض.
- صورة صاحب الإمامة:
- يدعو بأفعاله قبل أقواله.
- يبتعد عن الشبهات.
- يتمناه الأمير الصادق.
- زاهد في الدنيا.
- الحذر من سوء التصرف لئلا يفتن به الناس.
- التزام الصدق.
- أخذ النفس بالعزيمة.
- الخلوف يقولون ما لا يفعلون.
- صاحب الأسوة يوطن نفسه على الإحسان وإن أساء الناس.
- صاحب الأسوة معرَّض للبلاء.
[ ٢٢٩ ]