الفصل الأول
حفظ اللسان
[ ٤٢٤ ]
«كُفَّ عليك هذا».
تقوم صراعات، وتثور فتن، وتتفرق جماعات، وتضيع أوقات، وحين تُدقِّق في مبدأ الأمر ومصدره، تجد الشرارة الأولى، من كلمات طائشة، أو اتهامات غاضبة، أو نقل خاطئ، هذه بعض ثمار الاستعمال السيِّئ للسان، في الدنيا قبل الآخرة.
يفسر ابن حجر (حفظ اللسان) بالامتناع (عن النطق بما لا يسوغ شرعًا، مما لا حاجة للمتكلم به) (١)، ويُشِير النووي إلى ما يُعين المتكلِّم على حفظ لسانه، فيقول: (وينبغي لمن أراد النطق بكلمة أو كلام، أن يتدبَّره في نفسه قبل نطقه، فإن ظهرت مصلحته تكلَّم، وإلا أمسك) (٢)، فالضابط الأساسي لحفظ اللسان: الحذر من التسرع في الكلام، والتدبر والتفكر قبل إخراج الكلمة، ووزن الكلمة في ميزان الشرع، وابتغاء المصلحة الشرعية، وإلا فليملك المتكلم إرادته، وليلزم الصمت، فإنه نجاة، وهو خير له. ولذلك جاء في الحديث: «فكفَّ لسانك إلاّ من الخير» (٣)، مما يُفهِم أن الأصل الصمت والكفُّ.
ولما سأل عقبةُ بن عامر رسولَ الله - ﷺ -: «يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: أمسِك عليك لسانك، وليسَعْك بيتك، وابكِ على
_________________
(١) فتح الباري ١١/ ٣٠٨.
(٢) شرح صحيح مسلم للنووي ١٨/ ٣٢٨.
(٣) مسند أحمد ٤/ ٢٩٩. استشهد به ابن حجر ونقل عن ابن حبان تصحيحه (الفتح ١١/ ٣٠٩).
[ ٤٢٥ ]
خطيئتك» (١)، وفي البخاري: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا، أو ليصمت» (٢)؛ وذلك لأن غالب كلام المرء، قد يكون في اللغو أو الحرام، كما جاء في الحديث: «كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله» (٣).
ويُحدِّثنا معاذ بن جبل عن سفر له مع رسول الله - ﷺ - سأله فيه: «يا نبي الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار»، فعدَّ رسول الله - ﷺ - أبوابًا من الخير، قال بعدها: «ألا أخبرك بمِلاك ذلك كله؟» فقلت له: بلى يا نبي الله؟ «- فأخذ بلسانه - فقال: كُفَّ عليك هذا»، فقلت: يا رسول الله! وإنا لمؤاخَذون بما نتكلم به! فقال: ثكِلَتْك أمك يا معاذ! وهل يكبُّ الناس على وجوهِهم في النار - أو على مناخرِهم - إلا حصائدُ ألسنتهم؟!» (٤)، وزاد الطبراني: «ثم إنك لن تزال سالمًا ما سكتَّ، فإذا تكلمت كتب عليك أو لك» (٥).
مما يقتضي مزيد الحذر من حصائد الألسن: أن المرء قد يزلُّ لسانه عن غفلة منه، فيوقعه في النار: «وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم» (٦) يقول ابن
_________________
(١) أخرجه الترمذي وحسنه ووافقه الأرناؤوط (جامع الأصول ١١/ ٦٩٨).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب ٢٣ - الحديث ٦٤٧٥ (الفتح ١١/ ٣٠٨).
(٣) أخرجه الترمذي في الزهد برقم ٢٤١٤ وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ١١/ ٧٣١)
(٤) مسند أحمد ٥/ ٢٣١ وصححه الأرناؤوط بكثرة طرقه (جامع الأصول ٩/ ٥٣٥).
(٥) عن فتح الباري ١١/ ٣٠٩.
(٦) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب ٢٣ - الحديث ٦٤٧٨ (الفتح ١١/ ٣٠٨).
[ ٤٢٦ ]
حجر: (لا يُلقي لها بالًا؛ أي لا يتأملها بخاطره، ولا يتفكر في عاقبتها، ولا يظن أنها تؤثر شيئًا.) (١)، فقبل أن تخرج الكلمة من فيك، أعطِ نفسك فرصة للتفكير، هل ما ستقوله يرضي الله أم يغضبه؟ هل هو من طيِّب الكلام أم من بذيئه؟ هل تكون عاقبته خيرًا أم شرًّا؟ وطالما لم تخرج فأنت مالكُها، فإذا خرجت كنت أسيرَها.
وفي الحديث الصحيح من رواية مالك وأصحاب السنن عن بلال ابن الحارث: «وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله ﷿ عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه»، قال علقمة - راوي الحديث - لرجل يحدِّثه: (فانظر - ويحك - ماذا تقول وماذا تكلم به، فرُبَّ كلام قد منعني أن أتكلم به ما سمعت من بلال بن الحارث) (٢)، والحديث صورة عملية في حسن التلقي، وفي حسن التوريث للمتلقي، لتبقى أمة الخير تحفظ ألسنتها.
وكما أن الكلمة الطيبة يدخل بها صاحبها في الإيمان، فرُبَّ كلمة تؤثر على إيمان صاحبها نفاقًا أو خروجًا من الملَّة، ففي حديث حذيفة: (إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد النبي - ﷺ -، فيصير بها منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم اليوم في المجلس عشر مرات) (٣)، وفي الحديث الصحيح: (قيل لابن عمر: إنا ندخل على أمرائنا، فنقول القول، فإذا خرجنا قلنا غيره، قال: كنا نعدُّ ذلك على عهد رسول الله - ﷺ - من النفاق) (٤)، وفي صحيح مسلم: «سباب
_________________
(١) فتح الباري ١١/ ٣١١.
(٢) صحيح سنن الترمذي ٢/ ٣٥٨ الحديث ٣٩٦٩ (صحيح).
(٣) مسند أحمد ٥/ ٣٨٦ من قول حذيفة.
(٤) صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٣٥٩ الحديث ٣٢١٠/ ٣٩٧٥ (صحيح).
[ ٤٢٧ ]
المسلم فسوق، وقتاله كفر» (١)، فكم للسان من زلَّات، وكم فيها من الخطر!!
والحيطة والحذر تقتضيان من المرء أن يتيقظ ويتنبه في (حفظ اللسان)، وألَّا يدع نفسه على هواها، فيقع فيما يلجئه إلى الاعتذار، وقد كان من وصية رسول الله - ﷺ - لرجل قال له: عِظْني وأوجز: «إذا قمت في صلاتك فصلِّ صلاة مُودِّع، ولا تكلَّم بكلام تعتذر منه غدًا، واجمعِ الإياسَ مما في أيدي الناس» (٢).
وتأديب النفس يكون بتعويد اللسان على الخير، وحفظه من كل شر، فقد روي أن عيسى ابن مريم لقي خنزيرًا بالطريق، فقال له: انفذ بسلام، فقيل له: تقول هذا لخنزير؟! فقال عيسى: إني أخاف أن أُعوِّد لساني النطق بالسوء) (٣)، فطيب الكلام بالدُّربة والتعويد، وفحش الكلام كذلك، ولكل امرئ مع لسانه ما اعتاد عليه، وألفه، فبشيء من المجاهدة يُحفظ اللسان، وفي لحظة من التفريط يكون الانزلاق.
وقد كان صحابة رسول الله - ﷺ - يحذرون من الكلام المباح، خشية الوقوع في الكلام المحظور، مبالغة منهم في حفظ ألسنتهم، واحتياطًا لدينهم، لذلك كانوا يقولون: (كنَّا نتَّقِي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد النبي - ﷺ -؛ هيبة أن ينزل فينا شيء.
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب ٢٨ - الحديث ١١٦ (شرح النووي ٢/ ٤١٣ ..).
(٢) مسند أحمد ٥/ ٤١٢ وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٤٠٥.
(٣) موطأ مالك (٢/ ٩٨٥) - كتاب الكلام - باب ١ - .
[ ٤٢٨ ]
فلما تُوفِّي النبي - ﷺ - تكلمنا، وانبسطنا) (١)، يقول ابن حجر: (قوله (فلما توفي) يشعر بأن الذي كانوا يتركونه كان من المباح، الذي يدخل تحت البراءة الأصلية) (٢)، فمن أراد السلامة فليجتنب مجالس الغِيبة، وليحفظ لسانه من الزلات، ولا يقولن إلاّ خيرًا، وليتواصَ وإخوانه بحفظ اللسان، وليستعِنْ بالله فرسول الله - ﷺ - كان يعلم أصحابه الاستعاذة بالله من شر اللسان: «قل أعوذ بك من شر سمعي، وشرِّ بصري، وشرِّ لساني، وشرِّ قلبي، وشرِّ منيِّي» (٣) يستعيذ بالله من أن يكون شر لسانه على المسلمين، أو أن يكون حلو كلامه مع غيرهم، فهذا والعياذ بالله من الانتكاس واختلال الموازين.
وقد سئل رسول الله - ﷺ - «أي الإسلام أفضل؟» قال: «مَن سلِم المسلمون من لسانه ويده» (٤)، أفلا يطمح المؤمن أن يكون من ذوي الإسلام الأفضل! بأن يجعل سلاطة لسانه على أعداء الله، وحلو كلامه وحسن حديثه للمسلمين، فإنَّ «أحب الأعمال إلى الله حفظ اللسان» (٥).
ومن حفظ اللسان: حمايته عن الخوض فيما لا ينبغي ولا يهم، فإن رسول الله - ﷺ - وجّه المسلم لاغتنام طاقاته في المهمات: «من حسن
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب النكاح - باب ٨٠ - الحديث ٥١٨٧ (الفتح ٩/ ٢٥٣).
(٢) فتح الباري ٩/ ٢٥٤.
(٣) صحيح سنن النسائي ٣/ ١١٠٨ - كتاب الاستعاذة - باب ٤ - الحديث ٥٠٣١ (صحيح).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب ٥ - الحديث ١١ (الفتح ١/ ٥٤).
(٥) عن فتح الباري ١١/ ٣٠٩ حيث عزاه ابن حجر إلى أبي الشيخ في كتاب الثواب، والبيهقي في الشعب.
[ ٤٢٩ ]
إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (١) ومن سوء استعمال اللسان أن يطلق له العنان، ليلوك الأحاديث، ويجتزَّ الأخبار، ويُوقِد الفتن، وقد استشهد ابن ماجه بهذا الحديث في باب كف اللسان في الفتنة، وفي رواية لأحمد: «إن من حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه» (٢).
وكما يكون حفظ اللسان بإخراج خيره للمسلمين، فإنه كذلك بتسليط شره على أعداء الدين، وقد سمَّى رسول الله - ﷺ - ذلك جهادًا، فقال: «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم» (٣)، وحين أنشد ابن رواحة أبياتًا في تبكيت أهل مكة بين يدي رسول الله - ﷺ -، وهو داخل لعمرة القضاء، نهاه عمر، فقال رسول الله - ﷺ -: «خلِّ عنه، فوالذي نفسي بيده لكلامه أشدُّ عليهم من وقع النَّبل» (٤)، وفي صحيح مسلم عن الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، يقول - ﷺ -: «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن» (٥)، فعد إنكار المنكر، وإقامة الحجة، وتبيين سبيل المجرمين، من جهاد اللسان.
وأيُّ حفظٍ للسان أكبر من أن يستعمله صاحبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وإنها لأعلى المنازل، وأدناها إمساك اللسان، والتزام الصمت، والكفّ عن الأعراض، والحفظ
_________________
(١) صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٣٦٠ الحديث ٣٢١١/ ٣٩٧٦ من كتاب الفتن - باب ١٢ (صحيح).
(٢) مسند أحمد ١/ ٢٠١.
(٣) صحيح الجامع - الحديث ٣٠٩٠ (صحيح).
(٤) صحيح سنن النسائي - كتاب المناسك - باب ١٢١ - الحديث ٢٧١٠ (صحيح).
(٥) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب ٥٠ - الحديث ٣٥ (جامع الأصول ١/ ٣٢٦).
[ ٤٣٠ ]
من كل سوء.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- كثيرٌ من الفتن تبدأ من كلمات طائشة.
- ضابط حفظ اللسان الحذر من التسرُّع في الكلام.
- زلة من اللسان توقع في النار.
- الكلمة الخبيثة قد توقع صاحبها في النفاق أو الفسوق.
- يكتسب طيب الكلام بتعويد النفس عليه.
- التورع عن بعض الكلام المباح خشية الوقوع في المحظور.
- أفضل المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده.
- من أوجب الحفظ للسان كفُّه في الفتنة.
- من حفظ اللسان إخراج خيره للمسلمين وشره على المحاربين.
- من جهاد اللسان الأمر بالمعروف وإنكار المنكر وإقامة الحجة.
****
[ ٤٣١ ]