النصرة
[ ٥٦ ]
«انصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا ..»
كم في المسلمين من ذوي الحاجة وأصحاب الهموم وصرعى المظالم وجرحى القلوب الذين لم يجدوا مَن يطرق بابهم، أو يسأل عن حالهم، أو يسعى في كشف الغم عنهم بدافع من خُلُق (النصرة).
نعني بالنصرة تلك الغَيْرة الإيمانية التي تدفع المسلم لرفع الظلم عن أخيه المسلم المستضعف، أو لمد يد العون إليه، وبقدر ما تمارس هذا الخلق في حياتك اليومية تكون أقدر على الاستجابة لنداء داعي الجهاد لمنازلة البغاة أو الكافرين.
الأخوة الإيمانية ضريبتها النصرة، والقائم بحق النصرة أو المتخاذل عنها؛ كل منهما يلقي ثمرة ذلك - في الدنيا قبل الآخرة - جزاءً وفاقًا كما جاء في قوله - ﷺ -: «ما من امرئ يخذل امرءًا مسلمًا عند موطِن تُنتهك فيه حرمتُه، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله ﷿ في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر امرءًا مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه، ويُنتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته» (١).
وقد أمر رسول الله - ﷺ - بسبعٍ، كان منها (نصر المظلوم)، ونصه: «أمرنا النبي - ﷺ - بسبع، ونهانا عن سبع، فذكر عيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، ونصر المظلوم،
_________________
(١) مسند أحمد ٤/ ٣٠، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم ٥٦٩٠.
[ ٥٧ ]
وإجابة الداعي، وإبرار القسم» (١).
ويصف ابن الجوزي الظلم بأن المعصية فيه أشد من غيرها من المعاصي معلِّلًا ذلك بقوله: (لأنه لا يقع غالبًا إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار) (٢).
وليس من شأن المسلم أن يرتضي لنفسه إيقاع الظلم بأخيه، أو أن يدع أخاه فريسةً بيد ظالم بذله، ورسول الله - ﷺ - يقول: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلِمه، ومَن كان فيه حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة» (٣).
فهل بعد هذا ترى مصيبة واقعة بأخيك وتسلمه لها وتخذله فيها، أم تُحتَقن دماؤك في عروقك ولا يروق لك نوم حتى تبذل ما تستطيع من جهد لكشف ما نزل من ضرٍّ بأخيك؟
لقد كان أبناء الجاهلية يتناصرون في الخير والشر، وأراد الإسلام لهذا الخلقِ أن يستمر بوجهه الخير معطيًا له معنًى جديدًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «انصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا.، فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه - أو تمنعه - من الظلم فإن ذلك نصره» (٤).
فإن كنت تنصر قومك وعشيرتك وعُصْبتك، وتمنعُهم بكل الوسائل من إيقاع ظلم بمسلم - منهم أو من غيرهم - فتلك هي النصرة، وإلا فهي العصبية المقيتة المنتنة؛ التي أُمرنا
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب المظالم - باب ٥ - الحديث ٢٤٤٥ (فتح الباري ٥/ ٩٩).
(٢) عن فتح الباري ٥/ ١٠٠ - كتاب المظالم - باب ٨ - من شرح الحديث ٢٤٤٧.
(٣) صحيح البخاري - كتاب المظالم - باب ٣ - الحديث ٢٤٤٢ (فتح الباري ٥/ ٩٧).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الإكراه - باب ٧ - الحديث ٦٩٥٢ (فتح الباري ١٢/ ٣٢٣).
[ ٥٨ ]
بأن ندعها، وقد قال في ذلك رسول الله - ﷺ - مشبهًا حال صاحب العصبية ببعيرٍ هلك: " من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي، فهو ينزع بذنبه" (١).
والقادر على النصرةِ لأخيه المسلم بكلمة أو شفاعة أو إشارة بخير، إن لم يقدمها مع قدرته على ذلك وهو يرى بعينه إذلال أخيه، ألبسه الله لباس ذل أمام الخلق يوم القيامة؛ لتقصيره في نصرة أخيه ورفع الذل عنه، وفي ذلك قال رسول الله - ﷺ -: «من أُذِل عنده مؤمنٌ فلم ينصره - وهو قادر على أن ينصره - أذله الله ﷿ على رؤوس الخلائق يوم القيامة» (٢).
لابد لكل دعوة من رجال متشبعين بخلق النصرة، وإلا فلن تكتب لها الحياة، وأدناها النصرة بالمعونة ورفع المظالم، وأعلاها النصرة في الجهاد، وحين كان رسول الله - ﷺ - يعرض دعوته في المواسم بمنى كان يقول: «مَن يُؤويني؟ مَن ينصرني؟» (٣).
وحين بُويِع بيعة العقبة اشترط النصرة، فقال: « وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تُؤونا، وتنصرونا، وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم» (٤).
وحتى ورقة بن نوفل كان يقول له في مطلع الرسالة: (وإن يُدرِكني يومك أنصُرْك نصرًا مؤزرًا) (٥).
والله ﷿ قادر على أن ينصر رسوله، لكنه ترك للمؤمنين حظًّا في النصرة يؤدُّونه، ويُسألون عنه ويؤجرون عليه، قال تعالى:
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود للألباني - كتاب الأدب - باب ١٢١ الحديث ٤٢٧٠/ ٥١١٧ (صحيح).
(٢) مسند أحمد ٣/ ٤٨٧، وحسّنه عبد الرحمن البنا (بلوغ الأماني ١٩/ ٦٩).
(٣) مسند أحمد ٣/ ٣٢٢، صحح الحاكم إسناده وأقره الذهبي، وقال ابن كثير في تاريخه: هذا إسناد جيد على شرط مسلم (عن بلوغ الأماني ٣٠/ ٢٧٠).
(٤) مسند أحمد ٤/ ١١٩، وفي بلوغ الأماني ٢٠/ ٢٧٦ (رجاله ثقات).
(٥) صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي - باب ٣ - الحديث ٣ (فتح الباري ١/ ٢٣).
[ ٥٩ ]
﴿ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] والمفلحون هم الذين ﴿آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقد شرع للمؤمن أن يدعو بالنصرة، كما في الحديث: «ربِّ أعنِّي ولا تُعِن عليَّ، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسِّر الهدى إلي، وانصرني على من بغى علي» (١)، ولكن هذه النصرة لا تكون غالبًا بسبب غيبي، وإنما بتسخيرك يا صاحب خلق (النصرة) لتؤدي دورك بحميَّتك الإيمانية، وغيرتك للحق، أما الخذلان في ساعة الحاجة، فشأن المنافقين مع أوليائهم الذين قال الله فيهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ ﴾ [الحشر: ١٢].
وقد اشترط رسول الله - ﷺ - على الجالسين على قارعة الطريق أن يتحمَّلوا ضريبة جلوسهم هذا، وشهودهم لمواقف تقتضي منهم التدخُّل وأداء الواجب، فقال لهم: «إن أبيتم إلا أن تجلسوا فاهدوا السبيل، وردُّوا السلام، وأعينوا المظلوم» (٢).
والمبادرة إلى نصرة الأخ في الله في الدنيا - وخاصة في حال غيابه حيث تسقط المجاملات وتظهر حقيقة المشاعر، وتخلص النصرة لله - يكون من ثمرتها أن يسخر الله للناصر مَن يقف إلى جانبه وينصره في الدنيا ويتولاه الله في الآخرة، كما في الحديث: «من نصر أخاه بظهر الغيب، نصره الله في الدنيا والآخرة» (٣).
_________________
(١) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب الدعاء - باب ٢ - الحديث ٣٠٨٨/ ٣٨٣٠ (صحيح).
(٢) مسند أحمد ٤/ ٢٨٢، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ١٤٠٧.
(٣) صحيح الجامع برقم ٦٥٧٤ (حسن).
[ ٦٠ ]
وأوجبُ صور النصرة ما يكون فيه دفع أذى من أمير أو ذي سلطان أو صاحب سطوة؛ لأن هؤلاء أذاهم شديد، وناصحوهم قليل، والمتملقون لهم كثير، فيضيع الحق في غمرة المجاملات والمداراة، ورسول الله - ﷺ - يتبرأ ممن يعينهم على ظلمهم، ولا ينصرهم على أنفسهم وأهوائهم بردعهم عن الظلم، وقد جاء هذا المعنى في قوله - ﷺ -: «إنه ستكون بعدي أمراء، من صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، وليس بوارد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وهو وارد علي الحوض» (١).
وإذا كان منع ظلم الملوك بنصرة المستضعفين خُلُقًا يتجمل به غير المسلمين، فالمسلمون به أولى وأحرى، وقد وصف عمرو بن العاص الروم بخصال استحسنها فيهم، فقال: (إنّ فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرَّة بعد فرّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك) (٢).
ومن كانت نصرته بصورته الجاهلية نصرة على الباطل، ودورانًا مع العصبية، وإعانة على الظلم، فقد غضب الله عليه، كما في الحديث: «من أعان على خصومة بظلم - أو يعين على ظلم - لم يزل
_________________
(١) صحيح سنن النسائي للألباني - كتاب البيعة - باب ٣٥ - الحديث ٣٩٢٣ (صحيح).
(٢) صحيح مسلم - كتاب الفتن - باب ١٠ - الحديث ٣٥/ ٢٨٩٨ (شرح النووي ٩/ ٢٣٩).
[ ٦١ ]
في سخط الله حتى ينزع» (١).
فكن نصيرًا للحق حيث كان، وإلا فلا تطمع بوسام الجهاد ولا شرف الاستشهاد.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
النصرة استعداد لنصرة المستضعف، وهي ضريبة الأخوة.
- صاحب (النصرة) ينصره الله في موطن يحب فيه نصرته.
- الظلم لا يقع - غالبًا - إلا على الضعيف فهل تُسلمه أو تخذله؟
- الجاهليون يتناصرون فكيف تكون النصرة للمسلم؟
- الدعوات تقوى بالنصرة لمن يقوم بتبليغها.
- يشرع للمؤمن أن يدعو ربه بأن ينصره.
- تتوجب النصرة بشهود مواقف الظلم أو العلم بها.
- حقيقة النصرة الخالصة نصرتك لأخيك في غَيبته.
- أوجب صور النصرة بدفع ظلم ذوي السلطان.
- مما استحسن عمرو بن العاص في الروم منعهم ظلم الملوك.
- في النصرة للعصيبة، والإعانة على الباطل، سخط الله.
_________________
(١) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب الأحكام - باب ٦ - الحديث ١٨٧٨/ ٢٣٢٠ (صحيح).
[ ٦٢ ]