التبشير
[ ١١٠ ]
«يَسِّروا ولا تُعسِّروا وبَشِّروا ولا تُنفِّروا».
(التبشير) شعار أعلنه المنصِّرون، وتسموا به، وسلكوا طرقه وأساليبه، وكثيرًا ما كنا نرى أساليبهم يستبشر لها المتعاملون معهم، بينما كانت طريقة تعامل بعض الدعاة ينفر منها المدعوُّون، أوليس الداعية أحقَّ باسم التبشير خُلقًا ووسيلة وغاية؟!
وأقصد بخلق (التبشير): التخلق بالصفات التي تستدعي الاستئناس والارتياح والتحبب وبث الأمل في القلوب، والبعد عن أساليب (التنفير) ودواعي الانقباض، حتى في التخويف من الله والترهيب من النار.
لقد بُعث رسول الله - ﷺ - بشيرًا لأتباعه، نذيرًا لأعدائه، بل كانت مهمة الرسل لا تعدو هذينِ الوصفين: ﴿وَمَا نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ [الأنعام: ٤٨]، [الكهف: ٥٦]، وقد أمر الله في كتابه بتبشير المؤمنين والصابرين والمحسنين والمخبتين، في آيات كثيرة.
وكان من أساليب تبشير رسول الله - ﷺ - أنه يختار الوقت المناسب والقدر المناسب لأداء الموعظة والعلم كيلا ينفر الصحابة، وفي ذلك يقول - ﷺ -: «يَسِّروا ولا تُعسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنفِّروا» (١).
وعلق عليه ابن
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب العلم - باب ١١ - الحديث ٦٩ (فتح الباري ١/ ١٦٣).
[ ١١١ ]
حجر بقوله: (المراد تأليف من قرب إسلامه، وتركُ التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل، وكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج؛ لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلًا حبب إلى مَن يدخل فيه، وتلقَّاه بانبساط، وكانت عاقبته غالبًا الازدياد ..) (١).
ومن حكمته - ﷺ - أنه استعمل أساليب التبشير في إيقاظ الهمم والتنشيط للطاعة، ومن ذلك قوله: «بشِّر المشائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التامِّ يوم القيامة» (٢)، وصلى العشاء مرة بأصحابه، وقبل أن ينصرفوا قال لهم: «على رسلكم، أبشروا، إن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم»، قال أبو موسى الأشعري: فرجعنا ففرحنا بما سمعنا من رسول الله - ﷺ - (٣).
ويحتاج الإنسان في حالات الاضطراب إلى التبشير بما يزيل عنه دواعي الاضطراب، فبعد نزول الوحي على رسول الله - ﷺ - ذكر لخديجة ﵂ ما جرى له، وأخبرها بخوفه على نفسه من هذه الظاهرة الجديدة، فبشَّرته بأن له من سابقة الخير ما يستبعد معها مكافأة الله له بمكروه، فقالت: (كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله
_________________
(١) فتح الباري ١/ ١٦٣.
(٢) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب المساجد - باب ١٤ - الحديث ٦٣٣/ ٧٨١ (صحيح).
(٣) صحيح البخاري - كتاب المواقيت - باب ٢٢ - الحديث ٥٦٧ (فتح الباري ٢/ ٤٧).
[ ١١٢ ]
أبدًا، فوالله إنك لتَصِل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلَّ، وتَكسِب المعدوم، وتعين على نوائب الحق ..) (١)، وكان هذا شأن رسول الله - ﷺ - مع أمته ليزيل عنها دواعي القلق على مستقبل هذا الدين: «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض ..» (٢).
وحتى في حالات الضعف البشري لم يكن رسول الله - ﷺ - ليعنِّف أصحابه بفظاظة وغلظة، وهم الذين سمعوا بقدوم أبي عبيدة بجزية البحرين، فاجتمعوا على صلاة الفجر، وتبعوا رسول الله - ﷺ - بعد الصلام، ففهم ماذا يريدون، قال: «فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا ..» (٣).
والمؤمن محتاجٌ في حال البلاء إلى من يكشف همه، ويبشره بما يسره، إما بفرج عاجل، أو بأجر آجل، ولقد وجد رسول الله - ﷺ - أم العلاء مريضة فقال لها: «أبشري يا أم العلاء، فإن مرض المسلم يُذهب خطاياه، كما تُذهب النار خبث الحديد» (٤).
_________________
(١) صحيح البخاري - التفسير - سورة العلق - باب ١ - الحديث ٤٩٥٣ (فتح الباري ٨/ ٧١٥).
(٢) مسند أحمد ٥/ ١٣٤، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ٢٨٢٥.
(٣) صحيح البخاري - كتاب الجزية - باب ١ - الحديث ٣١٥٨ (فتح الباري ٦/ ٢٥٨).
(٤) صحيح الجامع برقم ٣٧ (صحيح).
[ ١١٣ ]
والمؤمن بشير في مواقف الأسى يسري عن الناس أحزانهم؛ بما يدخل البهجة إلى قلوبهم، ويُبعد الكآبة عنهم، كتب زيد بن أرقم إلى أنس بن مالك زمن الحرة يعزِّيه فيمن قُتل من ولده وقومه، فقال: أبشرك ببشرى من الله ﷿، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار » (١).
ولقد بشر الله المبايعين على الجهاد بما ادخر الله لهم من الأجر إن وفُّوا بالبيعة:
﴿ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ﴾ [التوبة: ١١١]، وبشر رسول الله - ﷺ - الموحِّدين بالجنة جزاءَ التزامهم بكلمة التوحيد قولًا واعتقادًا وعملًا - رحمة منه سبحانه -: «أبشروا. وبشروا من وراءكم؛ أنه من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه، دخل الجنة» (٢) وقال جبريل ﵇ لرسول الله - ﷺ - مبشرًا المؤمنين الحذرين من صور الشرك كبيرها وصغيرها: «بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة ..» (٣).
وفي توبة كعب بن مالك صورة عملية من صور التعاطف الاجتماعي والتهنئة بقبول التوبة، حيث ذهب إليه عدد من المبشرين، فناداه أحدهم قبل أن يصل إليه: (يا كعبُ بنَ مالكٍ، أبشر، يقول كعب: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج)، وتلقاه الناس فوجًا
_________________
(١) مسند أحمد ٤/ ٣٧٠، وفي إسناده عند أحمد رجل فيه كلام، ولكن رواه الشيخان من وجه آخر (انظر بلوغ الأماني ٢٢/ ١٧٣ - ١٧٤).
(٢) صحيح الجامع برقم ٣٥ (صحيح).
(٣) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب ١٣ - الحديث ٦٤٤٣ (فتح الباري ١١/ ٢٦١).
[ ١١٤ ]
فوجًا يهنئونه بالتوبة ويقولون له: (لتهنك توبة الله عليك)، ولما سلم على رسول الله قال - ﷺ -، وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ..» (١).
ومن لطيف ما ورد في هذه القصة رواية نقلها صاحب الفتح، تبين مدى حرص المجتمع الإسلامي على تبادل البشريات، يقول كعب: (فأنزل الله توبتنا على نبيه حين بقي الثلث الأخير من الليل، ورسول الله - ﷺ - عند أم سلمة، وكانت أم سلمة محسنة في شأني معتنية بأمري، فقال: «يا أم سلمة! تِيب على كعب»، قالت: أفلا أُرسِل إليه فأبشره؟ قال: «إذًا يحطمكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الليلة» (٢).
فقد كانت أم سلمة حريصة على ألا تنتظر الصباح وألا تدخر البُشرى لرجل مسلم.
وقد وعد الله الذين آمنوا وكانوا يتقون بأن ﴿لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ﴾ [يونس: ٦٤]، ومن البشرى العاجلة في الحياة الدنيا: أن يلقى المسلم قبولًا حسنًا من إخوانه، وأن تشكره على إحسانه، فذلك من التبشير، وقد روي مسلم في باب: (إذا أُثنِي على الصالح فهي بشرى ولا تضره) حديثًا جاء فيه: (قيل لرسول الله - ﷺ - أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟)، قال: «تلك عاجل بُشرى المؤمن» (٣).
وحالُه - ﷺ - مع أصحابه التبشير، كما
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب ٧٩ - الحديث ٤٤١٨ (فتح الباري ٨/ ١١٦).
(٢) عن فتح الباري ٨/ ١٢١ - ١٢٢.
(٣) صحيح مسلم - كتاب البر - باب ٥١ - الحديث ١٦٦/ ٢٦٤٢ (شرح النووي ٨/ ٤٢٨).
[ ١١٥ ]
في قوله: «إن الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا.» (١).
قال في الفتح: (وأبشروا: أي بالثواب على العمل الدائم - وإن قل - والمراد تبشير من عجز عن العمل بالأكمل، بأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المبشَّر به تعظيمًا له وتفخيمًا) (٢).
ومبنى هذا الخلق وأساسه أن يكون المسلم مصدرًا للفأل الحسن، والأمل الواسع، والعاقبة الخيرة، وألا يرى أخوه منه ما يكره.
أفبعد كل هذه الإشارات يقبل أحدنا لنفسه أن يكون مصدر شؤم، ومظنة تخذيل، أو إحباط، أو تنفير، أو قتل للقدرات؟ أم نشيع البشرى، وننشر التفاؤل، ونحيي النفوس، ونحرض على الخير، ونُعِين على المعروف، ونستنهض الهمم؟ إلى أن يكون كل منا بشيرًا لإخوانه يحيي فيهم الأمل ويدفعهم إلى مزيد من العمل.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- خلق التبشير يُعطي الأنس ويبعد عن التنفير.
- رسول الله - ﷺ - بُعث مبشرًا.
- من أساليب التبشير:
- أداء الموعظة المناسبة قدرًا وتوقيتًا.
- من المواقف التي تقتضي التبشير:
• تنشيط الهمم للطاعة.
• إزالة دواعي الاضطراب.
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب ٢٩ - الحديث ٣٩ (فتح الباري ١/ ٩٣).
(٢) فتح الباري ١/ ٩٥.
[ ١١٦ ]
• تهدئة الضعف البشري.
• إزالة هم المكروب.
• تحريض المقبلين على الشهادة.
- قصة توبة كعب بن مالك وما فيها من التبشير.
- يبشر الله عباده في الحياة الدنيا.
- ما يلقاه المؤمن من شكر على إحسانه من عاجل بشراه.
- حال رسول الله - ﷺ - مع صحابته التبشير.
- صاحب خلق التبشير ذو فأل حسن.
[ ١١٧ ]