الصراحة
[ ١٨١ ]
«لا خير فيكم إذا لم تقولوها».
هل من لوازم الصراحة سوء الأدب، وإثارة الفتن، والتشهير بالعيوب، والتطاول، أم هي النصيحة الصادقة، والنقد البناء، والجرأة الأدبية؟
(الصراحة): في اللغة: الوضوح والخلوص من الالتواء، ويُعرِّفها صاحب كتاب (الخلق الكامل) اصطلاحًا بأنها: (إظهار الشخص ما تنطوي عليه نفسه، من غير تحريف ولا مواربة؛ بحيث تكون أفكاره واضحة جلية، وبحيث توافق أفعاله أقواله) (١).
وكثيرًا ما يستنكر الناس صراحةَ الصريح، داعين إلى المداراة، التي ساقت كثيرين من الناس إلى المداهنة، ولَمَّا أفرط الناس في المداراة، كان لا بدَّ من تذكيرهم بالصراحة، وبحقيقة المداراة، ومواطنها الشرعية.
جاء في الفتح في شرح (باب المداراة مع الناس): (قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، والمداهنة محرمة، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه، من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه) (٢).
ترون أن المداراة
_________________
(١) الخلق الكامل لمحمد أحمد جاد المولى ٣/ ٤٦٤.
(٢) فتح الباري ١٠/ ٥٢٨.
[ ١٨٣ ]
بهذا المعنى: صراحة برفق حيث ينبغي الرفق.
وما رُوي عن رسول الله - ﷺ - أنه دارى، إلا الفاسق ذا الفحش الذي يُخشى شرُّه، أو حديث العهد بالإسلام ضعيف الإيمان، وفيما عدا ذلك كان يصرح بلسانه، ويُعرَف الاستنكار في وجهه، وتلكم هي صراحة المؤمن مع من يرى أنهم إخوة له في الإيمان، مهما تكن منزلته.
لما ظهر للصحابة أن رسول الله - ﷺ - نسي فصلى ركعتين بدل أربع، قال ذو اليدين - بكل أدب -: يا نبي الله أنسيت أم قُصرت؟ فقال - ﷺ -: «لم أنسَ ولم تُقصر»، عندئذٍ أجاب الصحابة - بكل صراحة - «بل نسيت يا رسول الله» (١) ولم يُعنِّفهم، ولم يغضب لصراحتهم، ولم يداور عليهم، وتعلموا سجود السهو، كما تعلموا احتمال الصراحة.
ومن صراحة الصحابة ﵃: ما ورد في حديث الصلاة على عبد الله بن أُبي كبير المنافقين، وكان من أبرزها موقف عمر - ﵁ -، حين استنكر على رسول الله - ﷺ - أن يصلي على رأس المنافقين، يقول: (تحوَّلت، حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله! أعلى عدو الله؟! ورسول الله - ﷺ - يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه، قال: «أخِّر عني يا عمر»)، وذلك قبل نهيه - ﷺ - عن الصلاة على المنافقين، ولرجائه بأن يغفر الله لهم إن استغفر لهم فوق السبعين - ويقول عمر في آخر الحديث: (فعجبت بعدُ من جرأتي على رسول الله) (٢).
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٤٥ - الحديث ٦٠٥١ (الفتخ ١٠/ ٤٦٨).
(٢) مسند أحمد ١/ ١٦ - واللفظ له - وهو عند البخاري برقم ٤٦٧١ (الفتح ٨/ ٣٣٣).
[ ١٨٤ ]
وكل ما في نفوسهم من إجلال وهيبة لرسول الله - ﷺ -، لم يمنعهم من المصارحة، وكل ما لرسول الله من منزلة عند ربه، لم يدفعه إلى منع الاعتراض، أو التساؤل، أو الاستفسار الناشئ عن صراحة وصدق.
فلا يحزننَّ أصحاب الوجاهة من صراحة أتباعهم، ولا يستاءنَّ المؤمن الداعية من وضوح إخوانه، فإن رسول الله - ﷺ - على رفعة قدره، ووجوب طاعته، كان يقابل الصرحاء بالتبسم، وبالكلمة الطيبة.
وفي قصة بيعة العقبة أن أبا الهيثم بن التَّيِّهان - ﵁ -، أراد أن يستوثق ويتثبت من مستقبل هذه البيعة، فقال - بصراحة -: (يا رسول الله.، إن بيننا وبين الرجال حبالًا - يعني اليهود - وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله، أن ترجع إلى قومك، وتدعنا؟)، لم ينفعل رسول الله ولم يغضب ولم يقل كما يقول الكثيرون: ألا تثقون بنا؟ أين الجندية؟ أين الثقة بالقيادة؟! بل (تبسم رسول الله - ﷺ - ثم قال: «بل الدَّم الدَّم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم» (١)، بهذه التربية تعلَّم الصحابة أن ينطقوا بالصراحة، وأن يقبلوها ممن يصارحهم.
وحين قام رجل يأمر عمر - ﵁ - بالتقوى، اعترض بعض الحاضرين، فقال عمر: (دعوه فليقلها، لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نقبلها) (٢).
إن الصراحة تدعو صاحبها للاعتراف بضعفه، والتراجع عن خطئه، ومن الأمثلة المعاصرة ما ذكره الدكتور
_________________
(١) مسند أحمد ٣/ ٤٦٢ وذكره ابن إسحاق - ورجاله كلهم ثقات - (بلوغ الأماني ٢٠/ ٢٧٤)
(٢) عن كتاب (أخلاقنا الاجتماعية) ص ٥٣.
[ ١٨٥ ]
مصطفى السباعي ﵀ -: (لقد مرَّت بنا فترات كانت فيها أعصاب الشباب تدفعنا إلى اتهام خصومنا في الرأي، فاللَّهم نشهدك أنا رأينا بأعيننا خطأ ما فعلنا ولمسنا بأيدينا نتيجة ما أفرطنا) (١)، وتلك الصراحة ترفع صاحبها في نظر الناس وتزيدهم ثقة به.
ويجب أن نكون عونًا للناس على أن يصارحوا، فلا نشدد النكير عليهم إن أظهروا من أنفسهم ضعفًا، ففي قصة المرأة التي جاءت تصارح رسول الله - ﷺ -، طالبة الطلاق من زوجها - مدعية عدم قدرته على القيام بحقها - قائلة: (ما معه يا رسول الله إلا مثل هذه الهُدْبة - لهُدْبة أخذتها من جلبابها - وما يزيد رسول الله - ﷺ - على التبسم) (٢)، فاحترم صراحتها، وقضى قضاءه بصراحة أيضًا.
ومن صور الصراحة الصادقة: موقف بشير بن الخصاصية - ﵁ -، حين جاء يعاهد رسول الله - ﷺ - على أعمال من الإسلام، فوافق على كل شيء إلا الزكاة والجهاد، وكان من قوله: (أما الجهاد: فإني رجل جبان، وأخاف إن حضر القتال، أن أخشع بنفسي فأفر، فأبوء بغضب من الله)، فلما قال رسول الله - ﷺ -: «يا بشير، لا صدقة ولا جهاد فبم إذًا تدخل الجنة؟» (٣)، بايعه على كل شيء، ولم يُعلِّق رسول الله - ﷺ - على صراحته تلك، ووصفه نفسه بالجبن، بما يجرحه أو يؤذيه.
كم تخسر من الأصحاب بسبب عدم الوضوح والصراحة!
يقول علي - ﵁ -: (لا تقطع أخاك عن ارتياب، ولا تهجره دون
_________________
(١) أخلاقنا الاجتماعية - ص ٦٥.
(٢) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٦٨ - الحديث ٦٠٨٤ (الفتح ١٠/ ٥٠٢).
(٣) عن حياة الصحابة ١/ ٢٤٠ - ٢٤١: وأخرجه أحمد ٥/ ٢٢٤، ورجاله موثقون - كما قال الهيثمي -.
[ ١٨٦ ]
استعتاب) (١)؛ إذ ربما تقطعه بلا مصارحة بسبب الريبة، فتحسب الوهم حقيقة، وقد تهجره بلا عتاب، فتتصور الوساوس أمرًا واقعًا.
والصحابة بايعوا على قول الحق وإن كان مُرًّا، وعلى ألا تأخذهم في الله لومة لائم، وأن يقولوا بالحق حيثما كانوا؟ وعلى النصح لكل مسلم، ومع كل ذلك فلماذا لا نرتاح للصراحة؟!
ألا يتوقع الذين يكرهون الصراحة أن الناس يمكنهم أن يداروهم في الظاهر، ويمقتوهم في الباطن، كما قال أبو الدرداء: (إنا لنَكْشِرُ في وجوه أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم) (٢)، وعندئذٍ أيهما أحب إلى العاقل، صديق صادق صريبح، أم منافق في كيل المديح فصيح؟
من تربية القرآن على الصراحة، وعلى حسن قبولها، أدب الاستئذان الذي علمنا الله إياه، بقوله: ﴿ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ﴾ [النور: ٢٨]، الرجوع أزكى للمزور لئلا يؤخذ بالحياء وهو كارهٌ، وأزكى للزائر لئلا يكون ثقيل الظل على الآخرين. فإن عدمت الصراحة، وغلبت المجاملات، فقدت الزيارات غايتها، وحُرمت القلوب تزكيتها.
وقد كانت (الصراحة بالنصيحة) مطلبًا يسعى إليه الأمراء، وذكرى يبادر إليها العلماء، روي أن عمر - ﵁ -، ذكرت عنده امرأة حامل - قد غاب زوجها - بسوء، وأنه كان يدخل عليها الرجال، فبعث إليها فقالت: (يا ويلها، ما لها ولعمر)، فبينما هي في الطريق ضربها الطلق لخوفها من عمر فألقت ولدًا، فصاح الصبي صيحتين،
_________________
(١) الخلق الكامل ٤/ ٢٤٨.
(٢) من معلقات البخاري في ترجمة باب ٨٢ من كتاب الأدب (الفتح ١٠/ ٥٢٧).
[ ١٨٧ ]
ثم مات، فاستشار عمر أصحاب النبي - ﷺ -، فأشار بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت والٍ ومؤدِّب، وصَمَت عليٌّ، فأقبل عليه عمر، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك، فلم ينصحوا لك، إن دِيَتَه عليك؛ لأنك أفزعتَها فألقته، وضمن عمر دية الجنين (١).
بهذه الصراحة كانت الحقوق لا تُغمط، وكان أصحاب الحقوق لا يتتَعْتَعِّون في نيل حقوقهم.
والمؤمن صريح، لا يعرف النفاق والتحايل، لذلك فإنه يتعامل بوجه واحد، وقد قال رسول الله - ﷺ - في المذبذَبين والمتملقين: «تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» (٢).
وفي بيان ذي الوجهين قال في الفتح: (قال النووي: هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها، فيظهر لها أنه منها، ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق، ومحض كذب وخداع، وتحيُّل على الاطِّلاع على أسرار الطائفتين، وهي مداهنة محرمة، قال: فأمَّا مَن يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود، وقال غيره: المحمود أن يأتي لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى، ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى، وينقل إليه ما أمكنه من الجميل، ويستر القبيح) (٣).
ولعلم الإنسان بضعف نفسه، فإن كثيرًا من المواقف تقتضي منه الصراحة، تجنبًا لسوء تصرف قد يصدر منه، أو من غيره، ولذلك قال
_________________
(١) عن المغني ١٢/ ٣٥، ١٠١ ط القاهرة ١٩٩٠ - والقصة في مصنف عبد الرازق (كتاب العقول - باب من أفزعه السلطان).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٥٢ - الحديث ٦٠٥٨ (الفتح ١٠/ ٤٧٤).
(٣) فتح الباري ١٠/ ٤٧٥.
[ ١٨٨ ]
الصحابي الجليل عبد الله بن عبد الله بن أُبَيٍّ: (يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أُبيٍّ فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخززج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار)، بهذه الصراحة، وبهذا الوضوح، احتاط لنفسه، فكان جواب رسول الله - ﷺ -: «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا» (١). وهكذا نرى أن التربية على الولاء للحق وحده، تُنشِئ رجالًا صرحاء، لا يعرفون التزييف والالتواء، ويبقى سؤال: هموم أمة الإسلام وآمالها، هل يحملها ويؤدي حقها الخراف الوديعة، أم الأسود الجريئة؟ فلنكن صرحاء.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- إفراط الناس في المداراة انقلب إلى المداهنة.
- الفرق الدقيق بين المداراة والمداهنة.
- من صراحة الصحابة مع رسول الله - ﷺ -:
- أقصرت الصلاة أم نسيت؟
- يا رسول الله أَعَلَى عدو الله.
- حسبنا كتاب الله.
- تربية الصحابة على الصراحة جعلتهم لا يرون خيرًا فيمن لا يصارح.
- الصراحة في الاعتراف بالخطأ ترفع من قدر الصريح.
- لكي نعين الناس على الصراحة فلنقابل صراحتهم بالرفق.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٣/ ٣٠٥ - وقد وردت بعض تفاصيل هذا الموقف في روايات بعضها بسند رجاله ثقات، وأخرى بسند رجاله رجال الصحيح - وأصله في الصحيحين - (السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٤١٠).
[ ١٨٩ ]
- الصراحة عند البيعة ضرورية لما يترتب عليها من مسؤولية.
- الصراحة بين الإخوة تقطع دواعي الهجران.
- الصراحة أزكى لكلا الطرفين.
- الصيحة الصادقة لا تصدر إلا عن صريح.
- ذو الوجهين يفر من الصراحة فيقع في النفاق.
- الصراحة وضوح مع النفس ومع الناس.
[ ١٩٠ ]