التثبت
[ ٢٤٠ ]
﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
قد انقطع الوحي الذي يكشف المنافقين والكاذبين، ولكن لم تنقطع الضوابط الشرعية والأصول الإسلامية للتبيُّن والتثبت، وما أحوج المؤمنين والدعاة - قادة وجنودًا - لأن يتدبروها ويتخلقوا بها!
من أول مزالق عدم التثبت سوء الظن، ولذلك يقول الغزالي - ﵀ -: (ليس لك أن تعتقد في غيرك سوءًا إلا إذا انكشفت لك بعيان لا يقبل التأويل) (١).
ثم ينحدر الظن إلى مزلق آخر، وهو إشاعة ظنه ذاك، وقد نقل الشوكاني عن مقاتل بن حيان قوله: (فإن تكلم بذلك الظن وأبداه أثم) (٢)، وحكى القرطبي عن أكثر العلماء: (أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز) (٣)، وقال الغزالي: (اعلم أن سوء الظن حرام، مثل سوء القول، فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به المال، وهو بعين مشاهدة أو بينة عادلة) (٤).
يقول ابن قدامة: (فليس لك أن تظن بالمسلم شرًّا، إلا إذا انكشف أمر لا يحتمل التأويل، فإن أخبرك بذلك عدل، فمالَ قلبك إلى تصديقه، كنت معذورًا ولكن أشار إلى قيد مهم فقال: «بل
_________________
(١) عن محاسن التأويل للقاسمي ١٥/ ٥٤٦٣.
(٢) عن فتح القدير للشوكاني ٥/ ٦٤.
(٣) عن فتح القدير للشوكاني ٥/ ٦٤ أيضًا.
(٤) عن محاسن التأويل ١٥/ ٥٤٦٣.
[ ٢٤١ ]
ينبغي أن تبحث هل بينهما عداوة وحسد؟) (١).
ويروى أن سليمان بن عبد الملك قال لرجل: (بلغني أنك وقعت فيَّ وقلت: كذا وكذا، فقال الرجل: ما فعلت، فقال سليمان: إن الذي أخبرني صادق، فقال الرجل: لا يكون النمام صادقًا، فقال سليمان: صدقت، اذهب بسلام) (٢).
والفطن من يُميِّز بين خبر الفاسق وخبر العدل، ومن يفرق بين خبر عدل عن ندٍ له، أو عمّن يحمل له حقدًا، وبين شهادة العدل المبرَّأة من حظ النفس، ومن يميز بين خبر العدل وظن العدل، والظن لا يغني شيئًا، ومن يفرّق بين خبر دافعه التقوى، وخبر غرضه الفضيحة أو التشهير.
والذي لم يتخلق بخلق (التثبت) تجده مبتلًى بالحكم على المقاصد والنويات والقلوب، وذلك مخالف لأصول التثبت، يقول الشافعي - ووافقه البخاري -: (الحكم بين الناس يقع على ما يُسمع من الخصمين، بما لفظوا به، وإن كان يمكن أن يكون في قلوبهم غير ذلك) (٣).
ومن أخطر المزالق أن يحسن الأمير الظن برجل من الناس ليس أهلًا للثقة، ثم يكون أسيرًا لأخباره، أُذنًا لأقواله، يصغي إليه ويصدقه، يقول ابن حجر: (المصيبة إنما تدخل على الحاكم المأمون من قبوله قول من لا يوثق به، إذا كان هو حسن الظن به، فيجب عليه أن يتثبت في
_________________
(١) مختصر منهاج القاصدين ص ١٧٢.
(٢) مختصر منهاج القاصدين ص ١٧٥.
(٣) عن فتح الباري ١٣/ ١٧٥ من شرح الباب ٢٩ كتاب الأحكام.
[ ٢٤٢ ]
مثل ذلك) (١).
ومن أصول التثبت ألا يؤخذ أحد بالقرائن، طالما هو ينكر ولا يقرُّ وشواهد ذلك في السنة كثيرة، ومنها ما رواه ابن ماجة بسند صحيح عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة، لرجمتُ فلانة، فقد ظهر فيها الريبة، في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها» (٢)، ومع ذلك فلم يرجمها رسول الله - ﷺ -، لأنها لم تقر، ولم يقذفها بلفظ الزنا.
وأكاد أجزم أن أهم أصول التثبت فيما يُنقل من أخبار: السماع من الطرفين، فقد أخرج أبو داود والنسائي أن النبي - ﷺ -، أرسل عليًّا - ﵁ - إلى اليمن قاضيًا، فأوصاه: « فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء» (٣)، يقول علي - ﵁ -: (ما شككت في قضاء بعد)، فكان الصواب حليفه بالتثبت، وكم زلَّت أقدام، ووقعت فتن بسبب عدم التثبت! يقول الشوكاني: (الخطأ ممن لم يتبين الأمر، ولم يتثبت فيه، هو الغالب، وهو جهالة ..) (٤).
وكم تجد من الناس مَن يُسارِع للشهادة على أمرٍ لم يفقَهْه، في حق امرئ لا يعرفه! ولذلك أفتى الحسن البصري تحريًا للتثبت:
_________________
(١) فتح الباري ١٣/ ١٩٠ - كتاب الأحكام - باب ٤٢.
(٢) صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٨٢ - كتاب الحدود باب ١١ - الحديث ٢٠٧٣/ ٢٥٥٩ (صحيح) وروى الشيخان شطره الأول.
(٣) صحيح سنن أبي داود ٢/ ٦٨٤ الحديث ٣٠٥٧ (حسن).
(٤) عن فتح القدير ٥/ ٦٠.
[ ٢٤٣ ]
(لا تشهد على وصية حتى تُقرأ عليك، ولا تشهد على مَن لا تعرف) (١).
وليس من خلق المتثبت التسرع والعجلة، وإن - ﷺ -، حين أرسل خالدًا - ﵁ - للتحقق من عداوة بني المصطلق (أمره أن يتثبت ولا يعجل) (٢) ولما أرسله إلى بني جذيمة، للتحقق من إسلامهم، فتعجل في القتل، قال - ﷺ -: «اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» (٣)، بل إن مما ذكر القاضي شهاب الدين الشافعي في كتابه (آداب القضاء): (وعليه - إن لم يتضح له الحق - تأخير الحكم إلى أن يتضح ..) (٤).
قال الشوكاني في تفسيره لآية التبين: (ومن التثبت: الأناة، وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع، والخبر الوارد، حتى يتضح ويظهر ) (٥).
وإن سؤال العلماء ومشورتهم يسدِّد المتثبت، وقد نقل ابن حجر عن الشعبي - بسند جيد - قوله: (مَن سرَّه أن يأخذ بالوثيقة من القضاء، فليأخذ بقضاء عمر فإنه كان يستشير) (٦) ولا تخافوا من المشورة فإنها تقربكم إلى الحق.
_________________
(١) عن فتح الباري ١٣/ ١٤٤ - كتاب الأحكام - باب ١٥.
(٢) عن تفسير القرطبي ١٦/ ٢٠٥ عند تفسير الآية ٦ من سورة الحجرات.
(٣) صحيح البخاري - كتاب الأحكام - باب ٣٥ - الحديث ٧١٨٩.
(٤) آداب القضاء - ص ١١٠.
(٥) فتح القدير ٥/ ٦٠ عند تفسير الآية ٦ من سورة الحجرات.
(٦) فتح الباري ١٣/ ١٤٩ - من شرح باب ١٦ من كتاب الأحكام.
[ ٢٤٤ ]
وكثيرًا ما يُتهم شخص بتهمة، فينفيها، أو يبين عذره فيها، ثم يستمر الحديث عنه والتحذير منه، فهل هذا من التثبت؟! إن حاطب ابن أبي بَلْتَعة حين صدر منه إفشاء سرِّ - ﷺ -، طلب عمر أن تقطع عنقه، غير أن رسول الله - ﷺ - استمع إليه، حتى إذا انتهى قال: «صدق. لا تقولوا له إلا خيرًا» (١).
وكل مسلم ظاهره الصلاح صادق ولا نقول له إلا خيرًا، وإلا فإن الاتهام بغير تثبت سبب في كثير من المظالم، ولذلك كتب عمر بن عبدالعزيز إلى أحد أمرائه - عَدِي بن أرطأة أمير البصرة - في قتيل وُجد عند بيت ولم يُعرف قاتله: (إن وجد أصحابه بينة، وإلا فلا تظلم الناس، فإن هذا لا يقضى فيه إلى يوم القيامة) (٢) بل جاء في الحديث المتفق عليه: «لو يعطى الناس بدعواهم، لذهب دماءُ قوم وأموالهم» (٣).
وإن الواحد من الصحابة على عدالته كان يُطالبَ - في الخصومات - بإحضار شهود أو الإدلاء ببيانات، أو القسم، ولم تكن عدالته لتشفع له في استقطاع شيء من حقوق الناس، أو مسِّ أعراضهم. وقد اشترط الشرع البينة دفعًا للاتهامات الرخيصة - غير المسؤولة - لئلا يبادر أحد إلى اتهام أحد إلا عن يقين، ولذلك حين قُتل صحابي وجد بين بيوت اليهود في خيبر، اتهم أصحابه اليهود في قتله، فطالبهم رسول الله - ﷺ - بالبينة) قالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون،
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب استتابة المرتدين - باب ٩ - الحديث ٦٩٣٩.
(٢) صحيح البخاري - كتاب الدياث - من ترجمة الباب ٢٢.
(٣) صحيح البخاري - كتاب تفسير - باب ٣ - الحديث ٤٥٥٢.
[ ٢٤٥ ]
قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود «١)، فاضطر رسول الله - ﷺ - أن يدفع ديته مائة من الإبل، ولم يتهم اليهود بلا بينة.
ولم يجعل الشرع لفاقد البينة إلا يمين خصمه - ولو كان الخصم غير ثقة عند المدعي - ويؤيد ذلك ما رواه مسلم في قصة الحضرمي المدعي على كندي؛ بأنه غصبه أرضه، فقال رسول الله - ﷺ - للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا، قال: «فلك يمينه»، قال: يا رسول الله إن الرجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، فقال: «ليس لك منه إلا ذلك» (٢)، ولم يعترض رسول الله - ﷺ - على اتهام الرجل لخصمه بعدم التورع في الحلف؛ لأنه من كلام الخصوم بعضهم في بعض - كما بوّب البخاري في الخصومات - وعقب ابن جحر بقوله:) أي فيما لا يوجب حدًا ولا تعزيرًا فلا يكون ذلك من الغِيبة المحرَّمة «٣)، كما قال ابن حجر:) يمين الفاجر تسقط عنه الدعوى، ولولا ذلك لم يكن لليمين معنى «٤).
وإن من التثبت: أن ترفض الاستماع إلى النمَّام، فقد جاء في مسند أحمد: «لا يبلغني أحدٌ عن أحدٍ من أصحابي شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» (٥).
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الديات - باب ٢٢ - الحديث ٦٨٩٨.
(٢) إرواء الغليل ٨/ ٢٥٧ من رواية مسلم - كتاب الإيمان - باب ٦١ الحديث ١٣٩.
(٣) فتح الباري ٥/ ٧٣ كتاب الخصومات - باب كلام الخصوم بعضهم في بعض.
(٤) فتح الباري ١١/ ٥٦٣ كتاب الأيمان والنذور - باب ١٧.
(٥) مسند أحمد ١/ ٣٩٦ وأخرجه الترمذي وأبو داود (جامع الأصول ٨/ ٤٥٢ - الحديث ٦٢٢٢) ضعف الأرناؤوط إسناده - وأشار ابن الأثير الجزري إلى أن الشيخين رويا معناه.
[ ٢٤٦ ]
فلا تجعلوا بطانتكم من النمَّامين، فإن مَن وشى إليكم اليوم يشي بكم غدًا، ومثله ليس أهلًا للثقة - لفسقه بالنميمة - وفي ذلك يقول ابن قدامة المقدسي:) لا تصدِّق الناقل، لأن النمَّام فاسق، والفاسق مردود الشهادة «١)، فإن ركنتم إلى النمَّامين، وأصبتم إخوانكم بجهالة فلا تنسوا أن تصبحوا على ما فعلتم نادمين.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- بعد انقطاع الوحي لا بد من ضوابط للتبين.
- من منزلقات عدم التثبت:
- سوء الظن بغير بينة.
- إشاعة هذا الظن.
- الحكم على المقاصد والنوايا.
- عدم التمييز بين خبر الفاسق وخبر العادل.
- إحسان الظن فيمن لا يوثق به.
- من أصول التثبت:
- الاعتماد على إقرار المتهم وليس على القرائن.
- الاستماع إلى الطرفين.
- استشارة أهل العلم.
- عدم الشهادة على ما لا نعلم بيقين.
- عدم التسرع حتى يتضح الأمر.
- لا يجوز التحدث عن شخص بتهمة لم تثبت عليه.
- الاتهام بغير تثبت سبب كثير من المظالم.
- الصحابة رغم عدالتهم كانوا مطالبين بالشهود والبيّنات.
_________________
(١) مختصر منهاج القاصدين - ص ١٩٠.
[ ٢٤٧ ]
- يمين المدعى يدفع عنه التهمة وإن لم يكن ثقة.
- من التثبت عدم الاستماع إلى النمام.
****
[ ٢٤٨ ]