الورع
[ ٢٨٤ ]
«كن ورعًا تكن أعبد الناس»
إن مَن عرَف ربه وقدَّره حق قدره، وعظَّم حرماته وشعائره، يصل به التعظيم إلى الحيطة والحذر من كل ما يكون مظنة غضب الرب - ﷿ - في الحال أو في المال.
فالورع عنده نوع من الخشية والرهبة تجعله يترك كثيرًا من المباحات إن التبَست عليه مع الحرام لئلا يجازف بدينه؛ ولهذا عرف الهروي الورع بقوله: (الورع تَوْقٌ مُستقصًى على حذر، وتحرُّج على تعظيم) (١).
ومن العلامات الأساسية للورعين بشدة حذرهم من الحرام، وضعف جرأتهم على الأقدام إلى ما قد يجر إلى الحرام، وفي ذلك يقول رسول الله - ﷺ -: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شُبِّه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان» (٢)، فمَن تجرَّأ على مواضع الريبة والشك تزدَدْ جرأتُه على ما هو أشد «وأنه مَن يخالط الريبة يوشك أن يجسر» (٣).فالورع الحقيقي كما وصفه يونس بن عبيد: (الخروج من كل
_________________
(١) تهذيب مدارج السالكين ص ٢٩٠.
(٢) صحيح البخاري - كتاب البيوع - باب ٢ - الحديث ٢٠٥١ (الفتح ٤/ ٢٩٠).
(٣) سنن أبي دواد - كتاب البيوع باب ٣ الحديث ٣٣٢٩ من روايات حديث «الحلال بيِّن والحرام بيِّن»
[ ٢٨٥ ]
شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة عين) (١).
ورحلة الانحدار تبدأ بزلة واحدة، والحريص على آخرته يجعل بينه وبين الانزلاق وقايات تستره وتحميه، وقد أشار إلى هذا المعنى الشيخ القباري بقوله: (المكروه عقبة بين العبد والحرام؛ فمَن استكثر من المكروه تطرَّق إلى الحرام، والمباح عقبةٌ بينه وبين المكروه؛ فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه) (٢)، واستحسن ابن حجر قوله هذا وزاد عليه: (أن الحلال حيث يخشى أن يؤول فعله مطلقًا إلى مكروه أو محرم ينبغي اجتنابه كالإكثار - مثلًا - من الطيبات فإنه يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحق، أو يفضي إلى بطر النفس، وأقل ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية، وهذا معلوم بالعادة، مشاهد بالعيان ) (٣).
والعلامة الأساسية لصاحب الورع قدرته على ترك ما فيه مجرد الشك أو الشبهة كما قال الخطابي: (كل ما شككت فيه فالورع اجتنابه) (٤).
ونقل البخاري عن حسان بن أبي سنان قوله: (ما رأيت شيئًا أهون من الورع: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (٥) كما ورد عن الرسول - ﷺ - أنه قال: «البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب - وإن أفتاك
_________________
(١) تهذيب مدارج السالكين ص ٢٩٠.
(٢) فتح الباري ١/ ١٢٧ عند شرح الحديث ٥٢ (الحلال بين) من كتاب الإيمان - باب ٣٩.
(٣) فتح الباري ١/ ١٢٧.
(٤) فتح الباري ٤/ ٢٩٣ - من شرح الباب ٣ - من كتاب البيوع.
(٥) صحيح البخاري - من ترجمة الباب ٣ - من كتاب الإيمان.
[ ٢٨٦ ]
المفتون» (١) ويؤكد ذلك ما رواه ابن عساكر مرسلًا: «ما أنكره قلبك فدعه» (٢).
وأصحاب المراتب العالية يحتاطون لأنفسهم بالحذر من بعض الحلال الذي قد يُفضِي إلى شيء من المكروه أو الحرام، فقد ورد عن الرسول - ﷺ - أنه قال: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس» (٣)، ويُؤكِّده الحديث الآخر: «اجعلوا بينكم وبين الحرام سترًا من الحلال » (٤)، ومن لطيف ما حدَّث به ابن القيم - ﵀ - (قال لي يومًا شيخ الإسلام ابن تميمة - قدس الله روحه - في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطًا في النجاة) (٥).
وكما يشمل الورع صور الكسب والمعاملات فإنه يشمل اللسان. فقد تجد كثيرا من الناس يندفعون إلى الفتوى وهم لا يعلمون؛ ولذلك عقد الدارمي بابًا في (التورُّع عن الجواب فيما ليس فيه كتاب ولا سنة).
ويعتبر إسحاق بن خلف الورعَ في الكلام أشدَّ من الورع في التعاملات المالية؛ حيث يقول: (الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة ..) (٦).
ومِن تأمُّلِ ابن القيم في أحاديث رسول الله - ﷺ - أعلن أنه (جمع
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ٢٨٨١ (صحيح).
(٢) صحيح الجامع برقم ٥٥٦٤ (صحيح).
(٣) أخرجه الترمذي - حسنه الترمذي وغيره (جامع الأصول ٤/ ٦٨٢ الحديث ٢٧٩١).
(٤) صحيح الجامع برقم ١٥٢ (صحيح).
(٥) تهذيب مدارج السالكين ص ٢٩٢.
(٦) تهذيب مدارج السالكين ص ٢٩٠.
[ ٢٨٧ ]
رسول الله - ﷺ - الورع كله في كلمة واحدة، فقال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه») (١).
ومن الثمرات البارزة لخلق الورع أنه يعصم صاحبه من الاستدراج لذلك تجد (من تعاطى ما نهي عنه يصير مظلم القلب لفقدان نور الورع فيقع في الحرام ولو لم يختَر الوقوع فيه) (٢)، كما قال ابن حجر، وفي حديث الإفك تقول السيدة عائشة ﵂ عن السيدة زينب بنت جحش حيث حَمَت سمعها وبصرها من الخوض فيما لا تعلم: (فعصمها الله ﷿ بالورع) (٣).
كما أن صاحب الورع يحمي دينه وعرضه من الطعن (فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه) (٤).
يقول ابن حجر: (وفيه دليلٌ على أن مَن لم يتوقَّ الشبهات في كسبِه ومعاشه، فقد عرَّض نفسه للطعن فيه، وفي هذا إشارة إلى المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة.) (٥).
فإذا كانت أعلى منازل العبادة الورع (كن ورعًا تكن أعبد الناس) (٦)، وإن كان أفضل الدين التورُّع (خير دينكم الورع) (٧)، أفلا يرتقي الداعية المؤمن إلى تلك الذروة ويربأ بنفسه عن السقوط والانزلاق، وهو الحريُّ بالحذر والاحتياط والخوف من أن يُحبَط عمله
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) فتح الباري ١/ ١٢٧ - ١٢٨ من شرح الباب ٣٩ من كتاب الإيمان.
(٣) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب ٣٤ - الحديث ٤١٤١ (الفتح ٧/ ٤٣١).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب ٣٠ - الحديث ٥٢ (الفتح ١/ ١٢٦).
(٥) فتح الباري ١/ ١٢٧.
(٦) صحيح الجامع برقم ٤٥٨٠ (صحيح).
(٧) صحيح الجامع برقم ٣٣٠٨.
[ ٢٨٨ ]
وهو لا يشعر.
فإن كثيرًا من الصحابة كانوا يخافون على أنفسهم من النفاق، ويعلل ابن حجر ذلك بقوله: (ولا يلزم من خوفهم من ذلك - النفاق - وقوعه منهم، بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى ﵃) (١).
هكذا كانوا فلنراجع أنفسنا ولنَزِنْ أعمالنا.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الورع خشية تدفع إلى ترك كثير من المباحات احتياطًا.
- من علامات الورع:
- شدة الحذر من الحرام والشبهات.
- اتخاذ وقاية بينه وبين المنهيات.
- اجتناب كل ما يشك فيه.
- عدم التوسع في المباح.
- عدم الفتوى بغير علم.
- تركه ما لا يعنيه
- من ثمرات الورع.
- تحصين النفس من الاستدراج.
- حماية الدين والعرض.
- من ورع الصحابة أنهم كانوا يخشون على أنفسهم من النفاق.
****
_________________
(١) فتح الباري ١/ ١١١ من شرح باب ٣٦ من كتاب الإيمان.
[ ٢٨٩ ]