التواضع
[ ٣٣٩ ]
«وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله».
الله ﷿ عزيز، ويريد لعباده أن يكونوا عزيزين، على ألا تمتد مساحة عزتهم على إخوانهم، فتغدو عندئذٍ إعجابًا بالنفس، واستعلاءً على الآخرين، وحطًّا من شأنهم.
والله ﷿ يمن على عباده أن هداهم للإيمان، فإن أبَوْا إلا الضلالة، فهو قادر على الاستبدال بهم قومًا يعتزُّون بإيمانهم، ويتواضعون لإخوانهم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، فهذه الذلة على المؤمنين صفة المصطفين لحمل هذا الدين - حين يرتد عنه المرتدون.
وفي تفسير الآية: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: يرأفون بالمؤمنين، ويرحمونهم، ويَلِينون لهم، ويغلظون على الكفار، ويعادونهم.
قال ابن عباس: هم المؤمنين كالوالد للولد، والسيد للعبد. وهم في الغلظة على الكفار، كالسبع على فريسته؛ قال الله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] (١).
وفي تعليل استعمال حرف الجر (على) في قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ تفسيران: ففي قول إنه (ضمنه معنى الحنو والعطف
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢٢٠.
[ ٣٤١ ]
كأنه قال عاطفين على المؤمنين على وجه التذلل والتواضع)، وفي قول ثان أن (على) تدل على علو مقامهم، وأنه رغم فضلهم وارتفاع منزلتهم (يذلون ويخضعون لمن فضلوا عليهن مع شرفهم وعلو مكانهم) (١).
العزة صفة محمودة، والكبر على الناس والعجب بالنفس مذمومان، وإن الله ﷿ قد حط من قيمة الدنيا في نظر المؤمن، وبين هوانها على الله؛ ليعلم الناس جميعًا أنه ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] وأن الله يُكرِّم بها أولياءه حتى وهم في ذروة المحنة
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُون﴾ [المنافقون: ٨]، مع كل هذه العزة، فالمطلوب من المؤمن الشديد على الكفار، أن يتراحم مع المؤمنين، واللائق بالمؤمن العزيز على الكافرين، أن يتعامل بالذل على المؤمنين.
يقول ابن قدامة المقدسي في حديثه عن التواضع: (واعلم أن هذا الخلق كسائر الأخلاق، له طرفان ووسط: فطرفه الذي يميل إلى الزيادة يسمى تكبرًا، وطرفه الذي يميل إلى النقصان يسمى تخسسًا ومذلة. والوسط يسمى تواضعًا - وهو المحمود - وهو أن يتواضع من غير مذلة ..) (٢).
إن من تأديب رسول الله - ﷺ - للمؤمنين على خلق (الذلة على المؤمنين) أنه كان يدعو: «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين» (٣)، يقول ابن الأثير: (أراد به التواضع
_________________
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ٣/ ٤١٢.
(٢) مختصر منهاج القاصدين ص ٢٥٤.
(٣) صحيح سنن الترمذي ٢/ ٢٧٥ كتاب الزاهد - باب ٢٣ - الحديث ١٩١٧/ ٢٤٧١ (صحيح).
[ ٣٤٢ ]
والإخبات، وألا يكون من الجبارين المتكبرين) (١).
وقد كان عمر - ﵁ - عنه يُدرِّب ولاته على الذلة على الرعية، وينهاهم عن إذلال الناس، كما يعلم الناس حقهم في أن يعيشوا كرامًا، ومما جاء في خطبة له: (إلا إني والله ما أُرسِل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم؛ ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمَن فُعِل به شيء سوي ذلك، فليرفعه إلى، فوالذي نفسي بيده إذًا لأقصنه منه ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ..) (٢)، وكان عمر - ﵁ - عنه يوصي واليه على الحمى بقوله: (اضمُمْ جناحك عن المسلمين واتقِ دعوة المسلم ينح فإن دعوة المظلوم مستجابة) (٣).
الاعتراف بالخطأ يحتاج إلى شجاعة كبيرة، ونزاهة عالية، وتواضع جم. وإن حدثتك نفسك أن اعترافك قد يضع من قدركن فأحرص على سلامة الحق، أكثر من حرصك على تزيين نفسك، كما أن قبول عذر المعتذر إليك تواضع رفيع، وكرم عال. فالنفوس الخبيثة تتمنى الزلة من الآخرين؛ لتتشفى بالنقد والمحاسبة والتشهير .. ويعبر ابن القيم عن هذا المعنى بقوله: (مَن أساء إليك ثم جاء يعتذر عن إساءته، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته - حقًّا كانت أو باطلًا - وتكل سريرته إلى الله تعالى .. وعلامة الكرم والتواضع: انك إذا رأيت الخلل في عذره، لا توقفه عليه، ولا تحاجه ..) (٤)، فابتعِد عن الإحراج، واقلب الصفحة،
_________________
(١) من حاشية صحيح الجامع ١/ ٢٧١ تعليقًا على الحديث ١٢٦١.
(٢) مسند أحمد ١/ ٤١ وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀: إسناده حسن (٢٨٦).
(٣) صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ١٨٠ - الحديث ٣٠٥٩ (الفتح ٦/ ١٧٥).
(٤) تهذيب مدارج السالكين ص ٤٣٣.
[ ٣٤٣ ]
وابدأ من جديد، وسيكبر لك صاحبك حسن تجاوزك عنه، وعدم التحقيق في عذره.
وإذا أصررت على أن تضع أخاك في موقف تذله فيه وتحاسبه محاسبة الأرباب، فقد تجرأت على حرب الله عز وجلن وليس لك به طاقة لما جاء في الحديث القدسي: «مَن أذل لي وليًّا فقد استحل محاربتي» (١)، والله ولي كل مؤمن.
إن الذي يتصدر لقيادة الناس وتوجيههم، وكسب قلوبهم، لا بدَّ أن يتمتع بقدر كبير من التواضع، ولذلك أمر الله ﷿ نبيه - ﷺ - بقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] فما بال أكابر أمته من بعده، وهم دونه في المنزلة والخلق، لا يخفضون جناحهم؟! وقد جاء في الحكم: (من كثر تواضعه كثر صديقه)، فإذا أردت أن تكسب أنصارًا لدعوتك، فعليك بالتواضع، واحذر العجب والكبر، وأخطره عجب الطاعة، الذي يجعلك تستصغر الناس إزاء ما تقوم به أنت من طاعات، ولذلك يروى عن مطرف قوله: (لأن أَبِيت نائمًا، وأصبح نادمًا، أحب إليَّ من أن أبيت قائمًا، وأصبح معجبًا) (٢).
ويعرف الفضيل بن عياض تواضع المؤمن بأنه: (أن يخضع للحق، وينقاد لهن ويقبله ممن قاله) (٣)، وهذا الخضوع للحق هو عين العز؛ لأن طاعة الله، ورجوع إلى الصواب، وتعويد للنفس ألا تصر على
_________________
(١) مسند أحمد ٦/ ٢٥٦.
(٢) مختصر منهاج الصادقين ص ٢٥٤.
(٣) تهذيب مدارج السالكين ص ٤٢٩.
[ ٣٤٤ ]
باطل. ولذلك يقول - ﷺ -: «وما تواضع أحد لله، إلا رفعه الله» (١)، ومن كان قصده رضا الله، هان عليه الانقياد للحق؛ كالذي روي عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه سئل عن مسألة، فغلط فيها، فلما نبه إلى غلطهن أطرق ساعة، ثم رفع رأسه فقال: (إذًا أرجع وأنا صاغر، لأن أكون ذَنَبًا في الحق، أحب إليَّ من أن أكون رأسًا في الباطل «٢)، وهذا الأصل في العالم، أن يتواضع لله وينقاد للحق؛ لأنه مقصوده، وإن كان بينه وبين من ظهر الحق على لسانه أي نوع من العداوة والاختلاف.
وعدم الخضوع للحق هو عين الكبر والبغي، ولذلك عرَّف الرسول - ﷺ - الكبر بقوله «الكبر: بطر الحق، وغَمْط الناس» (٣)، وبهذا نرى أن التواضع بالإضافة إلى كونه خلقًا وجدانيًّا محمودًا، فإنه وقاية من الوقوع في الظلم، وحماية من التعالي والتفاخر على إخوة الدين، وفي الحديث: «إن الله أوحى إليَّ: أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» (٤).
ومن رفعة مقام رسول الله - ﷺ -، فإنه حين رأى رجلًا يرتعد منه، وكأنما كان يظنه كملوك الأرض، قال له رسول الله - ﷺ -: «هوِّن عليك فإني لست بمَلِك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القَدِيد» (٥)، وإقراره بما كانت عليه أمه من الفقر أو خشونة العيش، يزيد من إكباره في نفس سامعه، ولا يَضِيره شيئًا، ويدرب أصحابه بذلك على عدم
_________________
(١) أخرجه مسلم والترمذي: (جامع الأصول ٦/ ٤٥٥ الحديث ٤٦٦٠).
(٢) تهذيب التهذيب ٧/ ٧ (١٢).
(٣) صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب ٣٩ - الحديث ١٤٧.
(٤) صحيح مسلم - كتاب الجنة - باب ١٦ - الحديث ٦٤.
(٥) صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٢٣٢ الحديث ٢٦٧٧/ ٣٣١٢ (صحيح).
[ ٣٤٥ ]
التعالي على الخلق؛ باستحضار جوانب من بشريتهم، أو سابق حالهم، وبتذكر أنهم جميعًا بنو آدم، وآدم من تراب، وأن الكرم عند الله بالتقوى، وأن المتفاخر بالقيم الجاهلية أهون على الله من الجعلان.
ومع ما عُرِف عن ناقة رسول الله - ﷺ - من السرعة، فقد سبقتها مرة ناقة أعرابي، وشق ذلك على الصحابة، بينما تلقى رسول الله - ﷺ - الأمر بكل بساطة، بل اغتنم الفرصة، وعمق في النفوس سنة كونية، فقال: «حق على الله: ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه» (١)، بحيث يرتدع المتعالين ويتواضع المتفاخر؛ لأنه لا يدوم شيء في الدنيا على حاله، فقد يَذِل الرفيع، ويرتفع الوضيع.
ومن كمال ما عرف عن تواضع النبي - ﷺ -: أنه كان يخدم أهله - وهو القادر على أن يستعين بالخدم - ويُسلِّم على الصبيان الذين يلقاهم في الطريق - وهو الذي تهابُه الملوك - وحتى حين يكون في أوجِ قوَّتِه وانتصاره، لا يكون جبارًا في الأرض، فقد كان يوم غزو بني قُرَيظة على حمار مخطوم بحبل من ليف، وحين دخل مكة فاتحًا، دخل منكس الرأس، تواضعًا لربه، وحذرًا من تسلل مشاعر الكبر إلى نفس المنتصر، الذي تحدثه نفسه بأنه هو الذي صنع النصر، وقد ينسى فضل الله وتوفيقه، وقد وصف ابن تيمية حال رسول الله - ﷺ - بقوله: (إنه اختار العبودية - والتواضع وإن كان هو الأعلى وهو ومن اتبعه - .. ولم يرد العلو، وإن كان قد حصل له) (٢).
ويكفي المتكبرين ليؤوبوا إلى رشدهم، أن يعلموا أن الله لا
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ٥٩ - الحديث ٢٨٧٢ (الفتح ٦/ ٧٣٩).
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١١/ ١٣١.
[ ٣٤٦ ]
يحبهم، ويصرفهم عن آياته، ويطبع على قلوبهم، ويسقيهم طينة الخَبَال، وتوعدهم بأن يقصمهم، و«مَن كان في قلبه مثقال حبة خَرْدل من كِبْر أكبَّه الله على وجهه في النار» (١)، كل هذا الجزاء من أجل مثقال حبة خردل من كبر، فكم يحتاج المرء إلى حفظ قلبه من مشاعر الكبر والعجب والغرور!
ولا يدفع المرء إلى الكبر، إلا حب التميز عن الآخرين، أو الرغبة في عدم الخضوع لأحد، أو محاولة إخفاء نقص في ذاته، وكلها مهلكة للمرء «.. فأما المهلكات: فشُحٌّ مُطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه» (٢).
كما يكفي المتواضع أن يعلم: أن الله يرفعه، وأن عباد الله تحبه، وأن رسول الله - ﷺ - أسوته، وأنه أعرف بقدر ربه وبقدر نفسه، فاحذر من الانزلاق مع وساوس الشيطان، وأهواء النفوس، لعلك تكون من الذين يحبهم الله ويحبونه ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين﴾ [المائدة: ٥٤].
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الذين يحبهم الله ويحبونه متواضعون.
- لا تعارض بين العزة على الكافرين والذلة على المؤمنين.
- عمر يدرب ولاته على الذلة لرعيتهم.
- من التواضع الاعتراف بالخطأ وقبول أعذار الناس.
- خفض الجناح من صفات مَن يتصدر لقيادة الناس.
_________________
(١) مسند أحمد ٢/ ٢١٥ ورواته رواة الصحيح.
(٢) صحيح الجامع - الحديث ٣٠٤٥ (حسن)،
[ ٣٤٧ ]
- من التواضع الخضوع للحق والانقياد له.
- يعين على التواضع تذكر الأصل البشري الواحد.
- من أعظم التواضع ما يكون في أوج القوة والانتصار.
- يعين على التواضع استحضار ما فيه من الأجر وما على المتكبرين من الوزر.
- يكفي المتواضع محبة عباد الله له ورفع الله إياه.
****
[ ٣٤٨ ]