القصد
[ ٣٩٠ ]
«عليكم هَدْيًا قاصدًا فإنه مَن يشاد هذا الدين يغلبه» (١).
تبتهج النفس برؤية شاب متحرق، متدفق، وينشرح الصدر لحديث الهداية حين ينطلق بقوة وهمة، ويرتاح القلب لحماسة الشباب للجهاد والدعوة والعلم، .. ومقابل كل هذا يغيظ القلب ما نرى من مظاهر الدعة والعجز والكسل والضعف والفتور، فهل نتفاءل بالانطلاقة المفرطة أم بالسكينة المفرطة؟!
القصد هو الاعتدال في السلوك، والتوازن في الفكر، والتوسط في كل الأمور بين طرفي الإفراط والتفريط، وخير الأمور الوسط ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: ١٤٣].
ولا يظنَّن أحدٌ أن القصد خلاف السنة، أو أن الغلوَّ زيادة في التقوى، فإن رسول الله - ﷺ - استنكر على مَن عزم على الغلو في الصيام أو القيام أو الانقطاع عن الشهوة، وأفهَمهم أن التوسط هو الأتقى: «أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفطِر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٢).
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ٤٠٨٦ (صحيح).
(٢) صحيح البخاري - كتاب النكاح - باب ١ - الحديث ٥٠٦٣ (ومسلم، النكاح، الحديث ١٤٠١).
[ ٣٩١ ]
كما أن الطبيعة البشرية - بفطرتها - أقرب إلى القصد، ولديها قابلية الانحدار والصعود، ولن يستطيع امرؤ أن يتجاوز طبيعته لبشرية إلى الطبيعة الملائكية، ولذلك لما ظن حنظلة الكاتب التميمي الأسيدي ملاعبته لأهله وضحكه معهم بعد أن كان في خشوع وبكاء في مجلس النبي - ﷺ -، لما ظن هذا التبدل في الحال نوعًا من النفاق، طمأنه رسول الله بقوله: «يا حنظلة! لو كنتم كما تكونون عندي، لصافحتكم الملائكة على فرشكم، يا حنظلة! ساعة وساعة» (١).
والقصد أقرب إلى الطاقة والاحتمال، لذلك كان رسول الله - ﷺ - يُعلِّق على صورِ الغلو في العبادة بقوله: «عليكم بما تُطِيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملُّوا» (٢)، «ليُصَلِّ أحدكم نشاطه فإذا فتَر فليقعُد» (٣).
والقصد أدعى إلى الدوام على العمل والاستمرار فيه والثبات عليه، يقول ابن حجر ﵀: (لأن المُشدِّد لا يأمن من الملل، بخلاف المقتصد فإنه أمكن لاستمراره، وخير العمل ما دوام عليه صاحبه) (٤) وقال النووي: (بدوام القليل تدوم الطاعة، حتى يثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة) (٥)، وقال ابن حزم: (فأمر أمته بأن يقتصدوا في الأمور؛ لأن ذلك يقتضي
_________________
(١) صحيح ابن ماجه للألباني - كتاب الزهد - باب ٢٨ - الحديث ٣٤١٧/ ٤٢٣٩ (صحيح).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب ٣١ - الحديث ٤٣ (ومسلم، المسافرين، الحديث ٢٢١).
(٣) صحيح البخاري - كتاب التهجد - باب ١٨ - الحديث ١١٥٠.
(٤) فتح الباري ٩/ ١٠٥ (من شرح كتاب النكاح باب ١).
(٥) شرح صحيح مسلم للنووي ٦/ ٣١٨ - ٣١٩.
[ ٣٩٢ ]
الاستدامة عادة) (١).
وإلى ذلك أشار رسول الله - ﷺ - بقوله: «سدِّدوا وقارِبوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا» (٢).
يقول ابن حجر في شرح الحديث: («وقاربوا» أي لا تفرطوا، فتجهدوا أنفسكم في العبادة؛ لئلا يُفضِي بكم ذلك إلى المَلال؛ فتتركوا العمل فتفرطوا، وقد أخرج البزار: «إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإن المنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى» (٣).
وليس المقصود بالقصد التقصير، فقد كان النبي - ﷺ - يوجز الصلاة ويكملها (٤) وفي حديث آخر: (وكانت خطبته قصدًا وصلاته قصدًا) (٥)، كما روى ابن عباس في وصف وضوء رسول الله - ﷺ -: (فتوضأ ولم يكثر من الماء، ولم يقصر في الوضوء) (٦). بل كان القصد صفة بارزة للأنبياء كما في الحديث «السمت الحسن،
_________________
(١) نقلًا عن فتح الباري ١١/ ٣٠٠ - الرقاق - باب ١٨.
(٢) صحيح البخاري - كتاب الرقاق - باب ١٨ - الحديث ٦٤٦٣ (الفتح ١١/ ٢٩٤).
(٣) فتح الباري ١١/ ٢٩٧. حيث قال: (وقد أخرج البزار من طريق محمد بن سوقة عن ابن المندر عن جابر - ولكن صوب إرساله - وله شاهد في الزهد لابن المبارك من حديث ابن عمرو موقوف).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الأذان - باب ٦٤ - الحديث ٧٠٦ عن أنس بن مالك.
(٥) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب الإقامة - باب ٨٥ - الحديث ٩٠٨/ ١١٠٦ (صحيح).
(٦) صحيح مسلم - كتاب المسافرين - باب ٢٦ - الحديث ١٨٩ (شرح النووي ٦/ ٢٩٧)
[ ٣٩٣ ]
والتؤدة، والاقتصاد، جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة» (١).
وحين نستنكر الغلو، فإننا ننكر الإفراط بشدة الإقبال والالتزام المفضي إلى الترك، أو الملل أو الخروج عن القصد، بسبب المبالغة في النوافل، أو العمل على جهل وغفلة، كما ننكر التفريط والتهاون بشدة التكاسل والتقصير والإعراض والانفلات، ولكن الثاني تستنكره الطباع السليمة عادة، أما الأول فهو الذي يغتر به النغترون، ويلتبس على كثير من الناس، وهو الذي قال فيه رسول الله - ﷺ -: «هلك المتنطعون» (٢)، وحذر منه بقوله: «يا أيها الناس، إيَّاكم والغلو في الدين؛ فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (٣)، قال القرطبي في الخوارج: (لما حكموا بكفر من خالفهم، استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة، فقالوا: نفي لهم بعهدهم، وتركوا قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين، وهذا كله من آثار عبادة الجهال، الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم، ولم يتمسكوا بحبل وثيق من العلم ..) (٤).
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ٣٦٩٢ (حسن) عن عبد لله بن سرجس مرفوعًا. ونقل الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي في حاشية الموطأ قول الباجي: (يريد أن هذه من أخلاق الأنبياء وصفاتهم التي طبعوا عليها وأمروا بها، وجبلوا على التزامها - قال: ونعتقد هذه التجزئة ولا ندري وجهها، يعني لأن ذلك من علوم النبوة فطريق معرفة ذلك بالرأي والاستنباط مسدود).
(٢) صحيح مسلم - كتاب العلم - باب ٤ - الحديث ٢٦٧٠ (شرح النووي ١٦/ ٤٦١).
(٣) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب المناسك - باب ٦٣ - الحديث ٢٤٥٥/ ٣٠٢٩ (صحيح).
(٤) نقلًا عن فتح الباري ١٢/ ٣٠١ - النرتدين - باب ٧ - وعزاه ابن حجر إلى كتاب المفهم للقرطبي.
[ ٣٩٤ ]
ويعلق ابن حجر على نتائج الغلو فيقول: (.. من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينًا على دين الإِسلام) وحذَّر من الاغترار بالغالين في بعض صور العبادة، وأن ذلك لا يكفي دليلًا على الصلاح، فقال: (لا يُكتفى في التعديل بظاهر الحال، ولو بلغ المشهود له بتعديله الغاية في العبادة والتقشف والورع، حتى يُختبر باطنه) (١).
وإنه لمن الغلو في الدين، ومن مجانبة القصد، أخذ النفس بالعزيمة؛ فيما ترخَّص به النبي - ﷺ -، وفي ذلك يقول: «ما بال أقوام يتنَزَّهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني أعلمهم بالله، وأشدُّهم له خشية» (٢)، وفي الفتح: (.. نقل ابن التِّين عن الداودي أن التنَزُّه عما ترخَّص فيه النبي - ﷺ - من أعظم الذنوب؛ لأنه يرى نفسه أتقى لله من رسوله، وهذا إِلحاد. قلتُ (ابن حجر): لا شك في إلحاد مَن اعتقد ذلك .. فمهما فعله النبي - ﷺ - من عزيمة ورخصة فهو في غاية التقوى والخشية) (٣).
وقد طالبنا الشرع بالتعوُّد على القصد والتوازن في أمورنا الحياتية؛ حتى يغدو القصد خُلقًا وطبيعةً، فقد قال ربنا تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٧٦]
_________________
(١) فتح الباري ١٢/ ٣٠١ - ٣٠٢
(٢) صحيح البخاري - كتاب الاعتصام - باب ٥ - الحديث ٧٣٠١.
(٣) فتح الباري ١٣/ ٢٧٩.
[ ٣٩٥ ]
ونهى رسول الله - ﷺ - عن المغالاة في الطعام والشراب، وعن المغالاة في المهور، مثلما نهى عن الغلو في الرجاء الذي يجعل الناس يتَّكلون، وعن الغلو في الخوف الذي يجعلهم يقنَطون، وعن الغلو في المديح الذي يجعلهم يشركون أو ينافقون؛ كقوله: «لا تُطْرُوني كما أَطْرَتِ النصارى ابن مريم، فإنّما أنا عبده، فقولوا عبد الله ورسوله» (١)، وكما نهى عن الغلو في الحب الذي يُعمي عن القبائح، والبغض الذي يعمي عن المحاسن، كقوله: «أحبِبْ حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بَغيضك يومًا ما، وأبغِضْ بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما» (٢).
وكل ما نخشاه حين نغلو أن نقع في مشقة الدنيا وجحيم الآخرة، كما في قوله تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤، ٣] ويضيع بشؤم الغلو ثمرة الجهد في العبادة، بينما الهَدْي القاصد أهدى وأتقى وأبقى، ولا يكون التزام التوسط إلا بالعلم والمجاهدة.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- القصد هو الاعتدال في السلوك والفكر فلا إِفراط ولا تفريط.
- ليس في القصد خروج عن السنة، ولا في الغلو مزيد تقوى.
- من مزايا القصد:
- أنه أقرب إلى الفطرة البشرية.
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب أحاديث الأنبياء - باب ٤٨ - الحديث ٣٤٤٥ (الفتح ٦/ ٤٧٨).
(٢) صحيح سنن الترمذي للألباني - أبواب البر - باب ٥٩ - الحديث ١٦٢٥/ ٢٠٨٢ (صحيح).
[ ٣٩٦ ]
- أنه أقرب إلى الطاقة والاحتمال.
- أنه أدعى إلى الدوام على العمل.
- ليس المقصود بالقصد التقصير.
- يُستنكر الغلو في الطاعة إِذا كان يفضي إِلى الترك.
- من الغلو الاقتصار على العزيمة في كل أمره.
- القصد مطلوب في العبادات والعادات والأعراف.
- الهدي القاصد أهدى وأتقى وأبقى.
* * *
[ ٣٩٧ ]