الاعتذار
[ ٤٤٢ ]
«ولئن اعتذرت لا تعذرونني!»
الاعتذار: أدب اجتماعي في التعامل الإسلامي، ينفي منك شعور الكبرياء، وينفي من قلب أخيك الحقد والبغضاء، ويدفع عنك الاعتراض عليك، أو إساءة الظن بك، حين يصدر منك ما ظاهره الخطأ.
ومع أن الاعتذار بهذا المعنى حسن، فالأحسن منه أن تحذر من الوقوع فيما يجعلك مضطرًّا للاعتذار، فقد جاء في الوصية الموجزة، من رسول الله - ﷺ - لأبي أيوب الأنصاري - ﵁ -: «ولا تكلَّم بكلام تعتذر منه غدًا» (١) فإن زلت قدمك مرة فإنه «لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة» (٢) - كما في الحديث - وعندئذٍ فإن من التواضع ألا تكابر في الدفاع عن نفسك، بل إن الاعتراف بالخطأ أطيب للقلب، وأدعى إلى العفو، ومعلوم أن توبة الصحابي الكريم كعب بن مالك إنما أنجاه فيها الصدق، فقد كان يقول: (يا رسول الله، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني أخرج من سخطته بعذر، والله ما كان لي عذر) (٣)، ولن يُنقض من منزلتك أن تعترف بخطئك، وهذا رسول الله - ﷺ - لَمَّا كان يظن أنه لا ضرورة لتأبير النخل
_________________
(١) مسند أحمد ٥/ ٤١٢ وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٤٥ برقم ٣٣٦٣.
(٢) مسند أحمد ٣/ ٦٩ وحسنه الترمذي ووافقه الأرناؤوط (جامع الأصول ١١/ ٦٩٩).
(٣) مسند أحمد ٣/ ٤٥٧ واصل القصة في الصحيحين.
[ ٤٤٣ ]
أشار بعدم تأبيرها، ثم قال بعد ذلك: (إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذني بالظن) (١).
ولا تنتظر من نفسك أن تسيء لتعتذر، بل يمكن أن يكون الاعتذار توضيحًا للموقف، أو بيانًا للقصد، فقد كان الأنصار عند فتح مكة، قد توقَّعوا ميل النبي - ﷺ -، للإقامة مع قومه في مكة بعد الفتح، فقالوا: (أمَّا الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته)، فقال النبي - ﷺ -: «كلَّا، إني عبد الله ورسوله، هاجرتُ إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم»، فأقبلوا إليه يَبْكُون، ويعتَذِرون بأنهم قالوا ما قالوه لحرصِهم على إقامته معهم في المدينة، فقالوا: (والله، ما قلنا الذي قلنا إلا الضَّن بالله ورسوله)، فقال رسول الله - ﷺ -: «فإن الله ورسوله يُصدِّقانكم، ويعذرانكم» (٢).
وإن صاحب خلق (الاعتذار) ليستَحْيِي من افتضاح تقصيره، حين يظن من نفسه التقصير، فإن ابن عمر يروي أنه كان في سرية فانهزموا، ومن حيائهم رجعوا إلى المدينة خفية في الليل، واختفوا في المدينة، ثم قالوا: (لو خرجنا إلى رسول الله - ﷺ -، واعتذرنا إليه)، فخرجوا لبيان عذرهم، وقالوا له: «نحن الفرَّارون يا رسول الله!» «قال: بل أنتم العكَّارون، وأنا فئتكم» (٣)، فهوَّن عليهم ووصفهم بالعكَّارين،
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب الفضائل - باب ٣٨ - الحديث ٢٣٦١ (شرح النووي ١٥/ ١٢٥).
(٢) مسند أحمد ٢/ ٥٣٨ - وصحيح مسلم - الجهاد - باب ٣١ - الحديث ٨٦ (شرح النووي ١٢/ ٣٧٤).
(٣) مسند أحمد ٢/ ١١١ - وأخرجه أبو داود والترمذي وحسَّنه (جامع الأصول ٢/ ٦١٠).
[ ٤٤٤ ]
الذين يغزون كرة بعد كرة، ولا يتوقفون عن الغزو.
وإذا جاءك مَن يأمرك بالمعروف، فاقبَل منه، ووضِّح عذرك - إن كان لك عذر - فقد وعظ سالم بن عبدالله شابًّا مسترخي الإزار، فقال: (ارفع إزارك)، فأخذ الشاب (يعتذر فقال: إنه استرخى، وإنه من كتَّان) (١)، وبذلك بيَّن أنه لم يُرخِه كبرًا، وإنما استرخى بنفسه؛ بسبب طبيعة قماشه، وهذا شأن المسلم في دفع سوء الظن، وإثبات براءته - حين يكون بريئًا بحق.
ومما ورد بهذا المعنى: أن أناسًا من الأشعريين طلبوا من أبي موسى الأشعري مرافقتهم إلى رسول الله - ﷺ -، ولم يكن يعلم ماذا يريدون، وإذا بهم جاؤوا يطلبون التولية على أعمال المسلمين، فظهر أبو موسى وكأنه جاء يشفع لمن طلب الإمارة، فشعر بالحرج الشديد، قال: (فاعتذرت إلى رسول الله - ﷺ -، وعذرني) (٢).
وكان هذا الخلق صفة مميزة لمجتمع الصحابة ﵃، يروي أحمد: أن عثمان بن عفان جاء يعتب على ابن مسعود في أمور سمعها عنه، فقال: (هل أنت مُنْتهٍ عمَّا بلغني عنك؟ فاعتذر بعض العذر) (٣). ويمكن أن يكون الاعتذار دفعًا لاعتراض، أو إزالة لشبهة قد تثور، وما أعظم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب! حين جاء يوم الجابية يوضح للناس أسباب عزل خالد بن الوليد، فقال: (وإني
_________________
(١) مسند أحمد ٢/ ٣٩٠.
(٢) مسند أحمد ٤/ ٤١٧ - وفي صحيح سنن النسائي ٣/ ١٠٨٩ - الحديث ٤٩٧٥ (صحيح).
(٣) مسند أحمد ١/ ٦٦.
[ ٤٤٥ ]
أعتذر إليكم من عزل خالد بن الوليد)، وما أعظم المجتمع الذي يجرؤ أحد أفراده أن يعلن عدم قبوله لعذر الأمير! قائلًا له: (والله ما أعذرت يا عمر بن الخطاب) (١).
وقد يدعوك موقفٌ من المواقف إلى الشدَّة، التي قد يظنها الناس منك غلظة، فما أجمل أن تُبيِّن دواعي شدَّتِك؛ حتى لا يُفسِّرها أحد بأنها سوء خلق منك، روى أحمد أن حذيفة طلب ماءً من رجل من أهل الكتاب؛ ليشرب، فجاءه الكتابي بالماء في إناء من فضة، فرماه حذيفة بالإناء (ثم أقبل على القوم، اعتذر اعتذارًا، وقال: إني إنما فعلت ذلك عمدًا؛ لأني كنت نهيتُه قبل هذه المرة؛ أن رسول الله - ﷺ - نهانا عن لبس الديباج والحرير، وآنية الذهب والفضة) (٢)، فأوضح لمن معه أن هذا الرجل يعلم حرمة استعمال آنية الفضة على المسلمين، ومع ذلك تكرر منه ما يدعو إلى الغضب والشدة.
كل هذه الأخلاق وقاية لمجتمع المسلمين من تفشي سوء الظن، وتقاذف التُّهم، التي إن استقرت في القلوب، لم يعُدْ ينفع معها اعتذار، كما قالت عائشة في حديث الإفك: (والله لئن حلفتُ لا تصدقونني، ولئن اعتذرت لا تعذرونني) (٣) - فمن تغلب على نفسه فاعتذر، فتغلب أنت على كبريائك فاعذِر، فقد عدَّ ابن القيم قبول عذر المعتذر من التواضع، ويقول في ذلك: (من أساء ثم جاء يعتذر عن إساءته، فإن التواضع يوجب
_________________
(١) مسند أحمد ٣/ ٤٧٥ - ٤٦٧.
(٢) مسند أحمد ٥/ ٤٠٠.
(٣) صحيح البخاري - أحاديث الأنبياء - باب ١٩ - الحديث ٣٣٨٨ (الفتح ٦/ ٤١٨).
[ ٤٤٦ ]
عليك قبول معذرته وعلامة الكرم والتواضع: أنك إذا رأيت الخلل في عذره، لا توقفه عليه، ولا تحاجَّه) (١).
وتلقِّي الأعذار بطيب نفس، وبالعفو والصفح، يحضُّ الناس على الاعتذار، وسوء المقابلة للمعتذر، وتشديد اللائمة عليه، يجعل النفوس تصّر على الخطأ، وتأبى الاعتراف بالزلل، وترفض تقديم المعاذير، فإن بادر المسيء بالاعتذار فبادر أنت بقبول العذر والعفو عما مضى لئلا ينقطع المعروف.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الاعتذار ينبع عن تواضع وإنصاف.
- أحسن من الاعتذار تجنب ما يلجئ إلى الاعتذار.
- الاعتذار يدل على حياء المخطئ وعدم مكابرته.
- كان الاعتذار أدبًا مميزًا لمجتمع الصحابة.
- من مبررات الاعتذار بيان دواعي الشدة.
- الاعتذار ينفي سوء الظن وتقاذف التهم.
- حسن قبول الاعتذار يعين على الاعتراف بالخطأ.
****
_________________
(١) تهذيب مدارج السالكين - منزلة التواضع ص (٤٣٣).
[ ٤٤٧ ]