الاحترام
[ ٤٧٨ ]
«ليس منا من لم يُجلَّ كبيرنا ويرحم صغيرنا».
أولى الناس بالاحترام والتوقير مَن كان حظه من الشرع أوفر، ونصيبه من العمل الصالح أكبر، فقد قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين» (١)، وذلكم هو ميزان التقديم والتكريم.
وصاحب (خلق الاحترام) يُجِلُّ العلم وأهله، ومن احترامك للعالم أن تستشعر مهابته، روى البخاري أن حذيفة حدَّث حديثًا عن الفتن، فأراد التابعون أن يسألوه، قالوا: (فهبنا حذيفة أن نسأله) (٢).
وقد كان هذا شأن الصحابة مع رسول الله - ﷺ -، ففي مرَّة أرادوا أن يسألوه عمَّن قضى نحبه، من المقصود به في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، (قالوا لأعرابي جاهل: سَلْه عمَّن قضى نحبه من هو؟ يقول الراوي: وكانوا لا يجترِئون على مسألته، يُوقِّرونه ويهابونه) (٣)، وفي حديث سجود السهو أن رسول الله - ﷺ - صلَّى ركعتين بدل أربع، فظن بعض الصحابة أن الصلاة قصرت، يقول
_________________
(١) صحيح مسلم - كتاب صلاة المسافرين - باب ٤٧ - الحديث ٨١٧ (شرح النووي ٣/ ٣٤٦).
(٢) صحيح البخاري - الحديث ٥٢٥ - ورواه أحمد ٥/ ٤٠٢ واللفظ له.
(٣) صحيح سنن الترمذي ٣/ ٩١ - الحديث ٢٥٦٠/ ٣٤٣٣ (حسن صحيح).
[ ٤٧٩ ]
أبو هريرة: (وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاباه أن يكلماه) (١)، وكان رسول الله - ﷺ - استحثَّهم على السؤال، فقال: (سلوني، فهاهبوه أن يسألوه) (٢)، فأرسل جبريل على صورة آدمي ليسأله، ولكي يتعلموا دينهم.
ومن احترام العلماء عدم الخوض معهم في نوادر المسائل، فقد نهى رسول الله - ﷺ - عن الغلوطات، قال الأوزاعي: (الغلوطات شداد المسائل وصعابها) (٣)، وقد ورد في الحديث الصحيح: «لا تَعَلَّموا العلم لتُهَابوا به العلماء، أو تماروا به السفهاء، ولا لتجزئوا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار» (٤)، فليحذر الذين يسألون ليجادلوا، أو ليختبروا، لا ليتعلموا. فإن شأن أمة محمد - ﷺ - التوقير والإجلال للعلم وأهله، و«ليس منا مَن لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحمْ صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه» (٥).
وكما وجب الاحترام للعالِم، فإن للمتعلم حقَّه من التوقير والإكرام، يروي أحمد في حديث وفد عبد القيس أن رسول الله - ﷺ - أنزلهم ضيوفا على الأنصار: «فلما أن أصبحوا»، «قال: كيف رأيتم كرامة إخوانكم لكم، وضيافتهم إياكم؟» «قالوا: خير إخوان: ألانوا فُرُشَنا، وأطابوا مَطْعَمنا، وباتوا وأصبحوا يُعلِّمونا كتاب ربنا ﵎، وسنة نبينا - ﷺ -» (٦)، وأوضح من ذلك ما جاء في الحديث
_________________
(١) صحيح البخاري الحديث ٦٠٥١ - ورواه أحمد ٢/ ٢٣٤ واللفظ له.
(٢) صحيح مسلم - كتاب الإِيمان - باب ١ - الحديث ٧ - ١٠ (شرح النووي ١/ ٢٧٨).
(٣) مسند أحمد ٥/ ٤٣٥.
(٤) صحيح الجامع - الحديث ٧٣٧٠ (صحيح).
(٥) صحيح الجامع - الحديث ٥٤٤٣ (حسن).
(٦) مسند أحمد ٣/ ٤٣٢.
[ ٤٨٠ ]
الحسن: «سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبًا بوصية رسول الله، وأفتوهم» (١)، فليستوصِ العلماء بطلابِهم خيرًا، فإن ذلك يزيد المتعلِّمين توقيرًا وتقديرًا لمربِّيهم ومعلِّميهم.
وإن من أحوج ما ينبغي التذكيرُ به احترام ذوي سابقة الخير، فقد كان من وصية عمر - ﵁ - قبل وفاته -: (أُوصِي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيرًا؛ أن يعرف لهم حقَّهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا - الذين تبَّوؤا الدار والإيمان - أن يقبلَ من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم) (٢)، فتجاوز عن زلَّة مَن سبقوك في ميدان الدعوة والجهاد، واحفظ لهم قدرهم ولا تنسَ لهم فضلهم.
يروي أنس أن جرير بن عبد الله كان يخدمه مع أنه أكبر منه سنًّا؛ لأن جريرًا هذا لم ينسَ إكرام الأنصار لرسول الله - ﷺ -، فقال: (لا أجد أحدًا من الأنصار إلا أكرمته) (٣)، ويروي أحمد أن رسول الله - ﷺ - قال في خطبة: «وإن الأنصار عيبتي التي أويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» (٤)، وحين يتربَّى أبناء الأمة على إكرام ذوي السبق في الخيرات، والأقدمية في خدمة الإسلام، عندئذٍ يعم الوفاء بين الأجيال.
ومن صور الاحترام المحمودة إكرام الصغير لمن هو أكبر منه سنًّا، أو أكثر منه فضلًا، فإن ابن عمر لما عرف جواب سؤال رسول الله - ﷺ - عن
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ٣٦٥١ (حسن).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الجنائز - باب ٩٦ - الحديث ١٣٩٢ (الفتح ٣/ ٢٥٦).
(٣) صحيح البخاري - كتاب الجهاد - باب ٧١ - الحديث ٢٨٨٨ (الفتح ٦/ ٨٢).
(٤) مسند أحمد ٣/ ٥٠٠.
[ ٤٨١ ]
الشجرة التي تشبه المسلم لم يُجب، يقول: (فأردت أن أقول هي النخلة، فنظرت فإذا أنا أصغر القوم، فسكتُّ) (١)، وفي حديث صحيح: «البركة مع أكابركم» (٢)، والكبير في قومه لا يليق أن يقابل بغير الإكرام جاء في الحديث الحسن: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» (٣).
ومن كرمِ المؤمن احترامُه لمن سبق أن أحسن إليه، فإن رسول الله - ﷺ - لم ينسَ لبعض المشركين ما كان لهم من دور في الذبِّ عنه وعن دعوته، حتى العرب في جاهليتهم كان من الأخلاق المحمودة لديهم: الوفاء والاحترام لمن أحسن إليهم، فقد روي أن رجلًا من المشركين مثل عروة بن مسعود لما أغلظ له أبو بكر القول في مفاوضات صلح الحُدَيْبية، لم يجبه بشيء؛ لما لأبي بكر عليه من جميل سابق لم يكافئه عليه بعد، فلذلك قال: (أما والذي نفسي بيده. لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك) (٤)، وفي حديث صحيح: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه» (٥) وأدنى ما تُكافِئ به المحسن إليك أن توقره وتحترمه.
وكل مؤمن حريٌّ بالاحترام فلا يُقَام من مجلسه ليجلس غيره، وتجب ضيافته، وتشرع مشاورته، ويُشكر على المعروف، وتُؤَدَّى إليه حقوقه غير مُتَعْتع، ونقابله بطلاقة الوجه، وندخل السرور إلى قلبه،
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب العلم - باب ١٤ - الحديث ٧٢.
(٢) صحيح الجامع - الحديث ٢٨٨٤ (صحيح).
(٣) صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٣٠٣ - الحديث ٢٩٩١/ ٣٧١٢ (حسن).
(٤) مسند أحمد ٤/ ٣٢٤.
(٥) صحيح سنن أبي داود ١/ ٣١٤ - الحديث ١٤٨٦/ ١٦٧٢.
[ ٤٨٢ ]
والإنسان بطبعه يحب أن يقابل بالاحترام والإكرام، ويطلب من ربه أن يكرمه. جاء في دعاء النبي - ﷺ -: «اللَّهم زِدْنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تُهِنَّا، وأعطِنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا» (١)، ألا خابت أمة لا تتبادل خلق الاحترام والتوقير، و«حسب امرئُ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» (٢).
إن من كان في نفسه حقيرًا قد لا يقابل الآخرين بالاحترام، والإكرام، والذي يحترم نفسه يُتوقع من مثله أن يحترم الآخرين المستحقِّين للاحترام، وفي موقف أبي سفيان في جاهليته درسٌ لأصحاب الجاهليات، ولكثير من المسلمين في احترام النفس. إذا أبت عليه نفسه أن يشهد أمام هرقل وأمام الوفد المرافق له من قومه شهادة كاذبة في حق رسول الله - ﷺ -، وفي رواية ابن إسحاق يعلل ذلك، فيقول: (فوالله لو قد كذبت ما ردوا عليّ. ولكني كنت امرءًا سيدًا أتكرم عن الكذب، وعلمت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبتُه - أن يحفظوا ذلك عني ثم يتحدثوا به، فلم أكذبه) (٣).
وأحيانًا يكون الاحترام الشكلي حتى مع من لا يستحق الاحترام لمصلحة شرعية كما كان من مخاطبة رسول الله - ﷺ - لهرقل بـ (عظيم الروم).
يقول ابن حجر: (لم يُخْلِه من إكرام لمصلحة التألُّف) (٤)، وكثيرًا ما يحتاج المسلمون للتعامل بالاحترام والتوقير لمصلحة وحدة الصف وتوفير الجهود، وتأليف القلوب، وإزالة الدَّخَن، وإغاظة العدو، وبقدر
_________________
(١) صحيح سنن أبي داود ١/ ٣١٤ - الحديث ١٤٨٦/ ١٦٧٢.
(٢) صحيح مسلم - الحديث ٢٥٦٤ - ورواه أحمد ٣/ ٤٩١ واللقظ له.
(٣) عن فتح الباري ١/ ٣٥.
(٤) عن فتح الباري ١/ ٣٨.
[ ٤٨٣ ]
ما يحترم بعضنا بعضًا نكون في نظر الناس محترمين.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- ميزان احترام المرء بقدر حظه من الصلاح.
- من صور الاحترام للعالم:
- إجلاله والهَيْبة منه.
- إقلال الأسئلة معه.
- عدم تعنيتِه بالغلوطات.
- احترام العالم لطالب العلم بإكرامه.
- احترام صاحب السبق بالخيرات علامة وفاء.
- احترام الصغير للكبير.
- احترام من أحسن إليك.
- كل مؤمن حري بالاحترام.
- من يحترم نفسه يحترم الآخرين.
- احترام من لا ينبغي لمصلحة شرعية.
- التعامل بالاحترام لمصلحة وحدة الصف.
****
[ ٤٨٤ ]