البر
[ ٥٢٢ ]
«إن الله تعالى يُوصِيكم بالأقرب فالأقرب».
البر اسم جامع للخير، ويأتي بمعنى الإحسان إلى الوالدين والأقربين، كما يأتي بمعنى الصلة، وهو في استعمال الشرع: (كلمة جامعة لكل أصناف الخير، ويُراد منه ما هو زائد عن حدود التقوى، فهو مرتبةٌ فوق التقوى، ودون مرتبة الإحسان) (١).
والرجل البارُّ رجل وفِيٌّ عطوفٌ مُخلِص في محبَّته، ويظهر أثر برِّه في تعامله مع والديه، وأقاربه، وجيرانه، وضيوفه، ومعارفه، ومعارف والديه، وأيتام المسلمين. ويتميز سلوك البارّ بالمداومة على الصلة؛ بالزيارة وبشاشة الوجه، والاستمرار في بذل المعروف، والإنفاق على الأرحام والمعارف، والإيثار على النفس.
وقد جعل رسول الله - ﷺ - البرَّ في مقابل الإثم في نصوص عديدة، مفسَّرة مرة باطمئنان النفس إلى الحلال الطيب، الذي لا شبهة فيه فقال: «البرُّ ما اطمأنَّت إليه النفس» (٢)، وفي رواية: «البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب» (٣)، ووصف ابن حجر النفس البارَّة بأنها: (المطمئنة الموهوبة نورًا، يُفرِّق بين الحق والباطل، والصدق
_________________
(١) البر والصلة - لابن الجوزي - من المقدمة ص (٤ - ٥).
(٢) مسند أحمد ٤/ ١٩٤ قال في بلوغ الأماني ١٩/ ٣٤: (حسنه السيوطي والنووي).
(٣) صحيح الجامع - الحديث ٢٨٨١ (صحيح).
[ ٥٢٣ ]
والكذب) (١)، كما فُسِّر البرُّ في السنة بحسن الخلق كقوله - ﷺ -: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك»، وقيل في شرحه: (أي التخلُّق بالأخلاق الحسنة مع الخلق والخالق، والمراد هنا المعروف، وهو طلاقة الوجه، وكف الأذى، وبذل الندى، وأنه يحب للناس ما يحب لنفسه) (٢).
ولأن درجة البرِّ من أعلى الدرجات، فلا يصل إليها المسلم إلا بعد مجاهدة للنفس، وإيثار للآخرة على علائق الدنيا وزينتها، ولذلك قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، حتى لا يكون للقلوب تعلُّق إلا بما عند الله، ولتخلص النفوس لبارئها، وعندئذٍ يعلو مقامها عند الله، ولذلك «فالناس رجلان: رجل برّ يرتقيّ كريم على الله، وفاجر شقي هّين على الله» (٣)؛ كما جاء في الحديث الصحيح، فالبر تقي كريم على الله، ومن كان كريمًا على الله كان كريمًا على عباده الصالحين والعقلاء، ولذلك يقول بعض الحكماء: لا تصادق عاقًّا فإنه لن يبَرَّك، وقد عقَّ من هو أوجب حقًّا منك عليه.
ومن أوجب البر الإحسان إلى الأقرب فالأقرب، وليس أقرب من الوالدين، وقد أمرنا بالإحسان إليهما، وبمصاحبتهما بالمعروف، وبشكرهما، وبالصبر عليهما، وعدم التضجر منهما، وبالتواضع لهما، وحسن الحديث معهما، والدعاء لهما، وقد جاء في الحديث: «إن
_________________
(١) بلوغ الأماني من الفتح الرباني ١٩/ ٣٣.
(٢) بلوغ الأماني من الفتح الرباني ١٩/ ٣٣.
(٣) صحيح سنن الترمذي - كتاب التفسير - سورة ٤٩ - الحديث ٢٦٠٨/ ٣٥٠١ (صحيح).
[ ٥٢٤ ]
الله يوصيكم بأمهاتكم - ثلاثًا - إن الله تعالى يوصيكم بآبائكم - مرتين - إن الله تعالى يوصيكم بالأقرب فالأقرب» (١) والهالك من أدرك والديه فلم يبرّهما، وقد دعا رسول الله - ﷺ - بالذل والهوان على من فاتته فرصة البر بوالديه فقال: «رغم أنفه. ثم رغم أنفه. ثم رغم أنفه مَن أدرك والديه عند الكبر: أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة» (٢)؛ لأن الحياة فرص، وتفويت الفرصة المتاحة ليس من شأن المؤمن الفَطِن.
وعدَّ رسول الله - ﷺ - من الثلاثة لا يدخلون الجنة «العاق لوالديه» (٣)، كما وصفه في حديث آخر بأنه ممن «لا يقبل منهم صرفًا ولا عدلًا» (٤)، ولا يسلم العاقُّ من عذاب الله حتى في الدنيا، لقوله - ﷺ -: «بابانِ مُعجَّلان عقوبتهما في الدنيا: الغي والعقوق» (٥)، بالإضافة إلى أن العقوق من الكبائر، وكما أنه كبيرةٌ شرعًا، فإنه من أكبر صورِ الجحود وعدم الوفاء في نظر العقلاء.
وقد جعل الله البر بالوالدين بابًا للفوز برضاه سبحانه، كما في قوله - ﷺ -: «رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما» (٦).
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ١٩٢٤ (صحيح).
(٢) أخرجه مسلم في الأدب برقم ٢٥٥١ (جامع الأصول ١/ ٤٠٠ - الحديث ١٩٣).
(٣) صحيح الجامع ٣٠٦٣ (صحيح) ونصه: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء»
(٤) صحيح الجامع ٣٠٦٥ (حسن) ونصه: «ثلاثة لا يقبل الله منهم يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا: عاق، ومنّان، ومكذب بالقدر».
(٥) صحيح الجامع - الحديث ٢٨١٠ (صحيح).
(٦) صحيح الجامع - الحديث ٣٥٠٧ (صحيح).
[ ٥٢٥ ]
وهو مَن أحب الأعمال إلى الله «أحب الأعمال إلى الله: الصلاة لوقتها، ثَم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله» (١).
وقد عبَّر رسول الله - ﷺ - عن المبالغة في التماس رضا الأم بقوله: «الزَم رجلها فَثمَّ الجنة» (٢)، وآثر الصحابي أن يُقدِّم خدمة والديه على الجهاد الكفائي، فقال له: «فيهما فجاهد» (٣)؛ يعني الوالدين.
وفي قصة الثلاثة الذين حبسهم المطر في غار، واسند عليهم الغار بصخرة كبيرة، مثل بليغ لتنزل رحمة الله وتفريج الكروب، إذا ما صلحت العلاقات المالية، وحفظت الأعراض، واستقرَّت العَلاقات الأُسْرِية؛ حيث توسَّل كل منهم بصالح عمله، ومنهم الحريص على رضا والديه والمقدم لهما على أهله وولده، فكانت تنفرج الصخرة كلما دعَوا حتى خرجوا من الغار سالمين (٤).
ومن أبلغ البر بالوالدين وأصدقه وأخلصه ما يداوم عليه البارُّ في حضور الوالدين، وغِيبتهما، وفي حياتهما، وبعد موتهما، ومن صور هذا البر إكرام أصدقائهما وأحبابهما، فقد قال رسول الله - ﷺ -: «إن أبر البر أن يصل الرجل أهل وُدِّ أبيه بعد أن يولي الأب» (٥)، وفي
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ١٦٤ (صحيح).
(٢) صحيح الجامع - الحديث ١٢٤٨ (حسن).
(٣) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (جامع الأصول ١/ ٤٠٢ الحديث ١٩٥).
(٤) القصة في الصحيحين. وهي في اللؤلؤ والمرجان ٣/ ٢٣٦ - الحديث ١٧٤٥.
(٥) صحيح سنن الترمذي - الحديث ١٥٥٢/ ١٩٨٣ (صحيح) ورواه مسلم بألفاظ مقاربة.
[ ٥٢٦ ]
رواية أخرى: «من البر أن تصلَّ صديق أبيك» (١)، و«مَن أحب أن يصل أباه في قبره، فليَصِلْ إخوان أبيه من بعده» (٢)، يقول النووي: (وفي هذا أفضل صلة أصدقاء الأب وإكرامه؛ لكونه بسببه، وتُلحَق به أصدقاء الأم، والأجداد، والمشايخ والزوج والزوجة) (٣).
ومن إكرام الأب إكرام العمّ لقوله - ﷺ -: «إن عمَّ الرجل صِنْوُ أبيه» (٤)، ومن البِر بالأم الإحسان إلى الخالة، فقد ورد أن رجلًا أذنب ذنبًا كبيرًا وتساءل إن كان له توبة؟ فدلَّه رسول الله - ﷺ - على بابٍ من البر يُكفِّر عنه ما أذنب، فقال له: «ألك ولدان؟» قال: لا، قال: «فلك خالة؟»، قال: نعم، قال رسول الله - ﷺ -: «فبِرَّها إذًا» (٥).
وأثر بر الولد يصل إلى والديه، حتى بعد موتِهما؛ بدعائه لهما، كما في الحديث: «أربعٌ مِن عمل الأحياء تجري للأموات: رجل ترك عقبًا صالحًا يدعو له ينفعه دعاؤهم» (٦)، وكم يستبشرُ قلبك حين تعلم أن استغفارك لأبيك المؤمن يرفع درجته في الجنة، ويعجب هو هناك، وفي ذلك يقول رسول الله - ﷺ -: «إن الرجل لتُرفع درجته في الجنة، فيقول: أنَّى لي هذا؟! فيُقال: باستغفار ولدك لك» (٧).
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ٥٩٠١ (صحيح).
(٢) صحيح الجامع - الحديث ٥٩٦٠ (صحيح).
(٣) عن بلوغ الأماني ١٩/ ٤١.
(٤) صحيح الجامع - الحديث ٢١١٣ (صحيح).
(٥) مسند أحمد ٢/ ١٤. وأخرجه الترمذي والحاكم وابن حبان وصححه الحاكم وأقره الذهبي: (بلوغ الأماني ١٩/ ٤٢).
(٦) صحيح الجامع - الحديث ٨٨٨ (حسن).
(٧) صحيح الجامع - الحديث ١٦١٧ (صحيح).
[ ٥٢٧ ]
ومن صور البِر إليهما بعد موتهما التصدُّق عنهما، جاء في الحديث الصحيح «أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: إن أبي مات ولم يوصِ، أفينفعه أن أتصدق عنه؟ قال: «نعم» (١)، ولقد كان من بر رسول الله - ﷺ - بأمِّه رغم أنها ليست من أمته أنه استأذن ربه في الاستغفار لها؛ حيث قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذَن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي» (٢)، وورد عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: قدمت عليَّ أمي وهي راغبةٌ مُشرِكة، فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة مشركة، أفأصلها؟ قال رسول الله - ﷺ -: «صِلِيها» (٣).
هذا شأن البارِّ حين يكون ابنًا، وهو إن نشأ على البر انعكس أثر بره في التعامل مع بنيه، وربما كانت التوجيهات النبوية إلى البر بالآباء أكثف وأغزر؛ لأن الإنسان بفطرته ميال إلى ولده، حريص عليه، متلهِّف للأخذ بيده إلى معالي الأمور، بينما قد ينسى البشر جيلًا سابقًا في طريقه إلى أن يولي، وهم في غمرة انشغالهم بجيل لاحق، يوشك أن يتمكن في الأرض، فاحتاج البشر إلى لفتة تذكرهم بفضل الجيل السابق،، لئلا يغفلوا عنه، وليقدموا إليه بعض صور الوفاء بحقه، وهو أنفسهم في طريقهم إلى أن يكونوا في يوم من الأيام ذلك الجيل السابق، وسيندبون ضعف الوفاء في بنيهم إن لم يبَرُّوهم.
ومن صور البر بالأبناء التي وجه إليها رسول الله - ﷺ - العدل
_________________
(١) أخرجه مسلم والنسائي (جامع الأصول ٦/ ٤٨٤ - الحديث ٤٦٩١).
(٢) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي (جامع الأصول ١١/ ١٥٢ - الحديث ٨٦٦٧).
(٣) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود بألفاظ مقاربة (جامع الأصول ١/ ٤٠٥ الحديث ٢٠١).
[ ٥٢٨ ]
بينهم، بحيث لا تثورُ الضغائن، ولا تتحرك الأحقاد، ولذلك قال - ﷺ -: «اعدِلوا بين أولادكم في النِّحَل - العطايا - كما تُحبُّون أن يعدلوا بينكم في البّر واللّطف» (١)، ولما جرت به بعض الجاهليات من إيثار الأولاد على البنات، فقد خص رسول الله - ﷺ - البر بالبنات بلفتات خاصة، منها قوله: «ليس أحد من أمتي يعول ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، فيحسن إليهن، إلا كن له سترًا من النار» (٢).
وصاحب البر يتعدى بره الوالدين والأبناء إلى الأرحام والأقارب، ولأن الوفاء والإحسان أصيل فيه، فإنه يتميز به مع جميع الناس الذين يتعامل معهم، وفي مقدمتهم الأقرب فالأقرب، ولذلك حث رسول الله - ﷺ - على توثيق هذه الصّلاة فقال: «اتقوا الله وصلوا أرحامكم» (٣)، وهذه الصلة من أحب الأعمال إلى الله: «أحبُّ الأعمال إلى الله: إيمان بالله ثم صلة الرحم» (٤)، وهي من أبواب الجنة لقوله - ﷺ -: «أَطِبِ الكلام، وأفش السلام، وصِلِ الأرحام، وصَلِّ بالليل والناس نِيام، ثم ادخل الجنة بسلام» (٥).
ولِمَا لبرِّ الأرحام وصلتهم من المنزلة عند الله، فقد أخذ على نفسه - سبحانه - أن يصل البارَّ الواصل، كما جاء في الحديث من قول الله للرحم: «أما ترضين أن أصِلَ مَن وصلك، وأقطع مَن قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك» (٦)، وجعل الوصل من أسباب البركة في
_________________
(١) صحيح الجامع - الحديث ١٠٤٦ (صحيح)
(٢) صحيح الجامع ٥٣٧٢ (صحيح).
(٣) صحيح الجامع - الحديث ١٠٨ (حسن).
(٤) صحيح الجامع - الحديث ١٦٦ (حسن).
(٥) صحيح الجامع - الحديث ١٠١٩ (صحيح).
(٦) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ١٣ - الحديث ٥٩٨٧ (الفتح ١٠/ ٤١٧).
[ ٥٢٩ ]
العمر، كما جاء على لسان رسول الله - ﷺ -: «من سرّه أن يُبسط له في رزقه، وأن يُنسأ له في أَثَره، فليَصِلْ رحمه» (١).
هذا بالإضافة إلى أثرها الاجتماعي في التأليف والمحبة، وقد قال - ﷺ -: «صلة القرابة مثراة في المال، محبة في الأهل، مَنْسَأة في الأجل» (٢)، وكما يُعجِّل الله عقوبة العاق والقاطع، فإنه ليعجل المثوبة في الدنيا للبار الواصل، كما في الحديث: «وإن أعجل الطاعة ثوابًا لصلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فَجَرة، فتَنْمُو أموالهم، ويكثُرُ عددهم، إذا تواصلوا» (٣)، وهذا رغم فجورهم.
وقد يقابل الواصل بالجفاء، مما قد يغريه بالقطيعة، ولكن الله نصيره إذا ما داوم الصلة، جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - يقول: «يا رسول الله، إن لي قرابة، أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، «فقال: لئن كنت كما قلت، فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت ذلك» (٤).
وخير الوصل، والخالص لوجه الله، ما كان بالبر والإحسان إلى من يقابلك بالعداوة، ولذلك قال - ﷺ -: «إن أفضل الصدقة، الصدقة على ذي الرحم الكاشح» (٥)؛ أي: المعادي، يقول ابن الجوزي في بيان علَّة
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ١٢ - الحديث ٥٩٨٥ (الفتح ١٠/ ٤١٥).
(٢) صحيح الجامع - الحديث ٣٧٦٨ (صحيح).
(٣) صحيح الجامع - الحديث ٥٧٠٥ (صحيح).
(٤) صحيح مسلم - كتاب الأدب - باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها - الحديث ٢٥٥٨ (شرح النووي ١٦/ ١١٥)
(٥) مسند أحمد ٥/ ٤١٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ١١١٠.
[ ٥٣٠ ]
الأفضلية: (وإنما فُضِّلت الصدقة عليه لمكان مخالفة هوى النفس، فأما من أعطى مَن يحب إنما يُنفِق على قلبه وهواه)، وقد كان حال البارِّين الواصلين لأرحامهم على هذه الصورة من الإحسان، حتى مع اختلاف الدين، ويشهد لذلك ما ورد من أن رسول الله - ﷺ - أُهدِيت إليه حُلَل كان قد قال عن مثلِها: «إنما يلبسُ هذه مَن لا خلاقَ له»، فأهدى منها إلى عمر، فقال عمر: كيف ألبسها، وقد قلتَ فيها ما قلت؟ قال: «إني لم أعطِها لتلبسها، ولكن نبيعها أو تكسوها»، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يُسلم) (١)، ويجب على البارِّ أن يستمر في صلة أرحامه ولو بأدنى صور الوصل، كما قال - ﷺ -: «بُلُّوا أرحامكم ولو بالسلام» (٢)؛ أي صلوا أرحامكم.
وتتَّسِع دائرة البر لتشمل الجيران، وقد أوصى بهم جبريل كثيرًا: «لقد أوصاني جبريل بالجار، حتى ظننت أنه يورثه» (٣)، وقال - ﷺ -: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن إلى جاره» (٤)، ونفى الإيمان الكامل عمَّن «لا يأمن جارُه بوائقَه» (٥)، و«مَن بات شبعانُ وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به» (٦).
وفي وصيته - ﷺ - لأبي ذر: «يا أبا ذر، إذا طبَخت فأكثر المرقة، وتعاهد جيرانك أو اقسم بين جيرانك» (٧)، وقد ذُكرت لرسول الله - ﷺ - امرأة تقوم الليل، وتصوم
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٩ - الحديث ٥٩٨١ (الفتح ١٠/ ٤١٤).
(٢) صحيح الجامع - الحديث ٢٨٣٨ (حسن)، بُلّوا: بمعنى صلوا. لأن النداوة صلة.
(٣) صحيح الجامع - الحديث ٥١٢٦ (صحيح).
(٤) صحيح الجامع - الحديث ٦٥٠١ (صحيح).
(٥) صحيح الجامع - الحديث ٧١٠٢ (صحيح).
(٦) صحيح الجامع - الحديث ٥٥٠٥ (صحيح).
(٧) صحيح الجامع - الحديث ٧٨١٨ (صحيح) ومسند أحمد ٥/ ١٤٩ واللفظ له.
[ ٥٣١ ]
النهار، وتفعل وتصَّدَّق، وتؤذي جيرانها بلسانها، قال - ﷺ -: «لا خير فيها، هي من أهل النار» (١).
وكثيرٌ من صور البر تقتضي جودًا وإنفاقًا، وما حث به رسول الله - ﷺ - قوله: «نفقة الرجل على أهله صدقة» (٢)، و«أفضل الدنانير: دينارٌ يُنفِقه الرجل على عياله، ودينار يُنفِقه الرجل على دابَّتِه، ودينار يُنفِقه الرجل على أصحابه في سبيل الله، وأي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال صغار، يعفُّهم الله ويغنيهم به؟!» (٣).
كل هذه الصور إنما أمثلة من حياة البارِّ، وإن كانت مظاهر برِّه تَسَع جميع المتعاملين معه من القريبين منه والمحتكين به.
والبر يولِّد البر، والصلة تستدعي مزيدًا من الصلة، وتلتحم أواصر الأسر، وتتوثق العلاقات الاجتماعية، فإلى مزيد من البر والصلة.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- معنى البر جامع للخير.
- صورة الرجل البارِّ.
- ضد البر الإثم.
- البر حسن الخلق.
- البر يقتضي المجاهدة لأهواء النفس.
_________________
(١) مسند أحمد ٢/ ٤٤٠. وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار، ورجاله ثقات.
(٢) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب ١٢ - الحديث ٤٠٠٦.
(٣) صحيح الجامع - الحديث ١١٠٣ (صحيح).
[ ٥٣٢ ]
- البر بالوالدين.
- من عواقب العقوق:
- الذل لمن لم يبر والديه.
- العاقُّ لا يدخل الجنة.
- عقوبة العاق معجلة في الدنيا.
- العقوق من الكبائر.
- من فضيلة البر بالوالدين:
- رضا الله برضا الوالدين.
- البر بالوالدين من أحب الأعمال إلى الله.
- خدمة الوالدين مقدمة على الجهاد الكفائي.
- تفريج الكروب ببر الوالدين.
- من البر بالأبناء:
- العدل بينهم.
- الإحسان إلى البنات.
- البر بالأرحام من أحب الأعمال إلى الله.
- البر حتى مع المخالف في الدين.
- استمرار الصلة ولو بأدنى صور البر.
- البر بالجيران بالإحسان إليهم.
- إيذاء الجار من ضعف الإيمان.
- البر يوثق العلاقات الاجتماعية.
تم بحمد الله وتوفيقه
****
[ ٥٣٣ ]