الدفع بالأحسن
[ ١٠٢ ]
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ .. (١)﴾
كم سيكون مجتمعًا بغيضًا ذلك المجتمع الذي يتبارى الناس فيه بما يدبرونه من الكبد ردًا على إساءة؟!
وكم ستكون نفسًا خبيثة تلك النفس التي لا تطمئن حتى تكيل الصاع صاعين لمن أخطأ في حقها؟!
إن المبادرة بالإحسان إلى أي إنسان أسهل بكثير من دوام الإحسان إلى مَن أساء إليك، واستمرار الصلة مع من قطعك، والتزام العفو عمن ظلمك، وذلك هو الدفع بالأحسن.
إن المتشبِّع بروح التضحية، والمتسنم لذروة سام الإسلام، والمتطلع إلى مقامات الشهادة، لن يصعب عليه أن يقوى على فورة لانفعال البشري؛ ليعفو ويصفح، بل يُنتظر منه أن يكسر شوكة الهوى، ونزعة الضعف لديه ولدى المسيء إليه؛ بمقابلة الإساءة بالإحسان.
وتبدأ تربية النفس على الإحسان بالخروج من طوق (الإمَّعة) إلى التميز بالشخصية: (لا تكونوا إمَّعة؛ تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا) (٢)، كما جاء هذا المعنى في قول عثمان - رضي
_________________
(١) [المؤمنون ٩٦].
(٢) سنن الترمذي - البر - باب ٦٣ وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ١١/ ٦٩٩ - الحديث ٩٣٤٩).
[ ١٠٣ ]
الله عنه -: (فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم) (١).
وبتوطين النفس على التميز تتحرر شخصية المجاهد من ردود الفعل الطائشة، ومن إسار التقليد الأعمى.
وحين تزل القدم، وينفلت الزمام، وتجد نفسك قد انحدرت إلى هاوية الإساءة، فبادر إلى إصلاح خطئك بخيرٍ تعمله؛ حتى تمسح آثار الذلة، وتعود إلى فطرة الخير الأصيلة في نفس المسلم، فإن ذلك يعين أخاك على الدفع بالتي هي أحسن، ويصبح مجال التنافس كله في ميدان الإحسان والدفع بالأحسن، وإن سحر الخلق الفاضل ليفوق في كثير من الأحيان قوة العضلات وسطوة الانتقام، فإذا بالخصم ينقلب خلقًا آخر، وفي ذلك يقول ﷾: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] يقول ابن عباس في تفسير الآية: (ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك) (٢)، ويُروى عنه أيضًا قوله: (أمر المسلمين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم، كأنه ولي حميم) (٣).
وحال الدافعين بالحسنى المحافظة على وقارهم واتزانهم، وعدم الانجراف مع استفزازات المحرشين اللاغين، وقد وصفهم الله عز
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الأذان - باب ٥٦ - الحديث ٦٩٥ (فتح الباري ٢/ ١٨٨).
(٢) تفسير القرطبي ١٥/ ٣٦١.
(٣) فتح القدير ٤/ ٥١٧.
[ ١٠٤ ]
وجل بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣]. ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ ﴾ [القصص: ٥٥]، ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، ﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، ومما وجه الله إليه نبيه - ﷺ - في مجال الدفع بالأحسن قوله سبحانه: ﴿ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: ١٢٥] ﴿وخُذِ العَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
إن أدنى صور الدفع بالتي هي أحسن: أن تمتص غضبتك، وتكظم غيظك، لتنفذ من هذا الباب إلى الحُور العِين التي تتطلع إليها، فقد جاء في الحديث: «من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة؛ حتى يخيّره في أي الحور شاء» (١).
ومن أخطر المنزلقات إلى هاوية الانتقام للنفس، والأخذ بالثأر، أن يكون المرء ذا إمرة وسلطان، ولقد جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - يشكو خادمه: إن لي خادمًا يسيء ويظلم أفأضربه؟ قال: «تعفو عنه كل يوم سبعين مرة» (٢).
ومن آخر ما أوصى به رسول الله - ﷺ - صحابته وهو يوصي بالأنصار خيرًا: «فمن ولي شيئًا من أمة محمد - ﷺ -، فاستطاع أن يضر فيه أحدًا، أو ينفع فيه أحدًا، فليُقبِل من محسنهم، ويتجاوز عن
_________________
(١) صحيح سنن ابن ماجه للألباني - كتاب الزهد - باب ١٨ - الحديث ٣٣٧٥/ ٤١٨٦ (حسن).
(٢) مسند أحمد ٢/ ٩٠، وصحح أحمد شاكر إسناده (٨/ ٢٨ برقم ٥٦٣٥).
[ ١٠٥ ]
مسيئهم» (١).
وهذا ما وصفت به السيدة عائشة ﵂ خلق رسول الله - ﷺ -: (.. ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) (٢)، وجاء وصفه في التوراة هكذا، كما في رواية البخاري (٣).
ومن صور الدفع بالأحسن أن تقابل المسيء بالدعاء له، وبهذا فسر أنس قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ حيث قال: (يقول الرجل لأخيه ما ليس فيه، فيقول له: إن كنت كاذبًا، فإني أسأل الله أن يغفر لك، وإن كنت صادقًا فإني أسأل الله أن يغفر لي) (٤)، حتى إن رسول الله - ﷺ - استنكر على مَن قال لفاعل كبيرة: (أخزاك الله)، رغم شناعة فعله، وقال: «لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان، ولكن قولوا رحمك الله» (٥).
ولو كان كل إنسان سيقابل أخاه بمثل شرِّه لتخلي الناس عن خصال الخير، وغدوا في غابة لا ضابط لها ولا رابط، خاصة وأن صور الإساءة قد تغري بالدفع بمثلها - على أقل الأحوال - وقد جاء صحابي يشكو: (يا رسول الله، إن لي ذوي أرحام، أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأُحسِن ويسيئون، أفاكافئهم؟ قال: «لا، إذًا تتركون
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الجمعة - باب ٢٩ - الحديث ٩٢٧ (فتح الباري ٢/ ٤٠٤).
(٢) صحيح سنن الترمذي للألباني - كتاب البر - باب ٦٨ - الحديث ١٦٤٠/ ٢١٠٢ (صحيح).
(٣) صحيح البخاري - التفسير - سورة ٤٨ - باب ٣ - الحديث ٣٨٣٨ (فتح الباري ٨/ ٥٨٥).
(٤) تفسير المراغي ١٨/ ٥٤، عند شرحه للآية ٩٦ من (سورة المؤمنون).
(٥) مسند أحمد ٢/ ٣٠٠، ورواه البخاري في الحدود باب ٥ - الحديث ٦٧٨١ (الفتح ١٢/ ٧٥).
[ ١٠٦ ]
جميعًا، ولكن خذ بالفصل وصلهم، فإنه لن يزال معك من الله ظهير ما كنت على ذلك» (١).
وسأل رجل رسول الله - ﷺ -: الرجل أمر به فلا يقريني ولا يضيفني، فيمر بي، أفأجزيه؟ قال: «لا، أقرِهْ» (٢)، وهذا من أعلى مقامات العفو، بأن تقابل الإساءة بالإحسان، وهنيئًا لمن قدر على ذلك ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، وبذلك تحيا معاني الخير في النفوس، ويتبارى الناس في الإحسان، وتُغلق أبواب الشر على الشيطان، ولا يُتاح للإساءة أن تتفاقم، ويغمرها الإحسان، ويقضي على دوافعها.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- المبادرة بالإحسان أسهل على النفس من دفع المسيء بالحسنى.
- الدفع بالأحسن يقتضي قدرة كبيرة على المجاهدة.
- يعين على الدفع بالأحسن.
- توطين النفس ألا تكون إمَّعة.
- التنافس في ميدان الإحسان.
- البعد عن اللغو والاستفزازات.
- كظم الغيظ.
- من صور الدفع بالأحسن:
- احتمال إساءة الأتباع.
_________________
(١) مسند أحمد ٢/ ٢٠٨، وقال أحمد شاكر ١٠/ ١٧٣ برقم ٦٧٠٠: (إسناده صحيح).
(٢) صحيح سنن الترمذي للألباني - كتاب البر - باب ٦٣ - الحديث ١٦٣٢/ ٢٠٩١ (صحيح).
[ ١٠٧ ]
- الدعاء للمسيء.
- لو لم يدفع الناس بالأحسن لغدوا في غابة لا ضابط لها.
- دفع المسيء بالحسنى من أعلى المقامات.
[ ١٠٨ ]