التكافل
[ ١٧٢ ]
«خذ هذه، فأد بها ما عليك»
التكافل صفة شاملة لصور كثيرة من التعاون والتآزر والمشاركة في سد الثغرات، تتمثل بتقديم العون والحماية والنصرة والمواساة، إلى أن تُقضَى حاجة المضطر، ويزول هم الحزين، ويندمل جُرح المصاب.
ولا ينعدم خلق التكافل إلا حينما تسود الأنانية، وتفتر المشاعر الأخوية، ويستغرق الناس في همومهم الفردية ومشاغلهم الشخصية.
وقد تآزر بنو هاشم - مسلمهم وكافرهم - مع رسول الله - ﷺ -؛ لئلا تقتله قريش، وانحازوا به إلى شِعْب أبي طالب وقاطعَتْهم العرب وحاصروهم في الشِّعب وكتبوا صحيفة المقاطعة وعلقوها في الكعبة، إلى أن اندفع بعض رجال قريش لاستنكار الحصار المضروب على بني هاشم في شِعْب أبي طالب بدافع خُلق التكافل - رغم جاهليتهم - ولم يطمئنوا حتى نقضوا الصحيفة الظالمة التي قضت بهذه المقاطعة (١).
وفي واقعنا كثيرٌ من صور تكافل أهل الباطل فيما بينهم، وبعض صور تعاطفهم مع المسلمين، بدوافع إنسانية أو قومية أو سياسية، فهل يكون ذلك حافزًا إضافيًّا للتكافل مع أخيك المسلم وأنت به أولى؟
_________________
(١) قصة حصار بني هاشم في شعب أبي طالب رواها أصحاب السير والمغازي (انظر السيرة النبوية الصحيحة ١/ ١٨١ - ١٨٣).
[ ١٧٣ ]
كما أن السيدة خديجة ﵂ لما أرادت أن تُخفِّف عن النبي - ﷺ - تخوُّفه من نزول الوحي اتخذت من صفة التكافل التي اشتهر بها قبل النبوة دليلًا عقليًّا على أن الله لا يخزيه فقالت: (كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسِب المعدوم، وتَقرِي الضيف، وتُعِين على نوائب الحق) (١).
والمهاجر من أحوج الناس إلى أنصارٍ يتكافلون معه، لغربته وفقره وانقطاعه، وقد ضرب أنصار رسول الله - ﷺ - أكبرَ الأمثلة في التكافل مع إخوانهم المهاجرين، وكان منها أن أشاروا على رسول الله - ﷺ - بأن يقسم النخل، بينهم وبين المهاجرين، فقال: لا، فقال الأنصار: (تكفونا المؤونة، ونشرككم في الثمرة) (٢)، وبذلك عمل بعض المهاجرين في بساتين الأنصار، وقاسموهم الثمار، وحُلَّت مشكلة البطالة والفقر، وكان من صور تكافلهم أن المهاجر كان يرث أخاه الأنصاري دون ذوي رحمه) (٣).
للأخوة التي آخى رسول الله بينهما، وكانت مرحلة استصفت النفوس، وأخلصتها لله، ثم نُسخ ذلك. وهذا التكافل لا يبرز بأسمى صوره، إلا كلما تعمقت معاني الأخوة والإيثار، واندثرت جذور الأنانية والاستئثار.
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي - باب ٣ - الحديث ٣ - (الفتح ١/ ٢٢).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الشروط - باب ٥ - الحديث ٢٧١٩ (الفتح ٥/ ٣٢٢).
(٣) صحيح البخاري - كتاب التفسير - سورة ٤ - باب ٧ - الحديث ٤٥٨٠/عن ابن عباس (الفتح ٨/ ٢٤٧).
[ ١٧٤ ]
ومما يمكن أن يتميز به مجتمع المسلمين من صور التكافل: إعانة المَدِين (الغارم) بسداد دَيْنه، حتى إن رسول الله - ﷺ - لما فتح الله عليه الفتوح، واستغنى بيت مال المسلمين، قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوفِّي من المؤمنين، فترك دَينًا، فعليَّ قضاؤه ..» (١)، ومساعدة الرقيق في تحصيل حريته، ومن ذلك أن بَريرة ﵂ جاءت تستعين بعائشة ﵂، في التحرُّر من رقِّها، فكان من تكافل عائشة معها أن قالت لها: (إن شاء مواليك صببت لهم ثمنك صبة واحدة، وأعتقتك ..) (٢).
ومن صور التكافل الشرعية التكافل مع القاتل في دفع دِيَة المقتول، حيث تكلف عصبته وعشريته الأقربون الموسرون بتحمل دِيَة المقتول، مواساة وإعانة للقاتل خطأً، الذي قد تأتي الدية على كل ماله فترهقه، ولو عجزت عصبته، أو لم يكن له عصبة، دُفعت الدية من بيت المال (٣).
ومن أشد الصور: استنقاذ الأخ الأسير بكل غالٍ وثمين، وقد روي أن سلمة بن الأكوع غزا (هوازن) مع أبي بكر، فنفله جارية من بني فزارة من أجمل العرب، فلقيه النبي - ﷺ - في المدينة، فقال له: «لله أبوك، هبها لي» فوهبها له، ففادى بها أسارى من أسارى المسلمين
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب النفقات - باب ١٥ - الحديث ٥٣٧١ (الفتح ٩/ ٥١٥).
(٢) مسند أحمد ٦/ ١٣٥ - كما رواه البخاري في كتاب الشروط - باب ٣ - الحديث ٢٧١٧.
(٣) يراجع تفصيل ذلك ذلك في باب العاقلة من كتاب الديات في كتب الفقه.
[ ١٧٥ ]
كانوا بمكة) (١)، لا شك أنها من أرقى صور الإيثار والتجرد.
ويروي أبو هريرة أنه أتى خَيْبر مع رهط من قومه، وقد فُتِحت خَيْبر على النبي - ﷺ -، (فكلَّم رسول الله - ﷺ - المسلمين، فأشركونا في سهامهم) (٢).
إذا لم تكن النفوس تطيب بمثل هذا، فسوف تفتقدها في ميادين التضحية، وسوف لا تجدها عند الهَيْعة ومظانِّ الموت.
ونُقِل عن عمر أيضًا قوله في الأسرى: (لأن أستنقذ رجلًا من المسلمين من أيدي الكفار أحبُّ إليَّ من جزيرة العرب) (٣).
وحين يفرز الجهاد أرامل وأيتامًا ومُعوَّقين، فليس من الوفاء تغافلهم، بعد أن قدم أولياؤهم الروح في سبيل الله، ولذلك اعتبر رسول الله - ﷺ -: «الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار» (٤)، بل وعد رسول الله - ﷺ - كافل اليتيم بأن يكون رفيقه في الجنة (٥)، وكذلك التكافل مع مَن أوذي في الله، أو أصيب في سبيل الله، وإن الواقع العملي لمجتمع المسلمين الأول، ليمثل أسمى صور التكافل، ومن ذلك أن عمر بن الخطاب - ﵁ - دخل عليه رجل أصيب في وجهه في غزوة فأمر بإعطائه ألف درهم، وكل ساعة يزيده ألفًا، حتى استحيا الرجل فخرج، فقال
_________________
(١) صحيح سنن ابن ماجه - كتاب الجهاد - باب ٣٢ - الحديث ٢٢٩٧ (حسن).
(٢) مسند أحمد ٢/ ٣٤٥ - وسنده جيد (بلوغ الأماني ٢٢/ ١٢٦).
(٣) حياة الصحابة ٢/ ٤٠٨ حيث عزاه إلى ابن أبي شيبة - كما في الكنز -.
(٤) صحيح البخاري - كتاب النفقات - باب ١ - الحديث ٥٣٥٣ (الفتح ٩/ ٤٩٧).
(٥) إشارة إلى حديث البخاري - في كتاب الطلاق - باب ٢٥ - الحديث ٥٣٠٤ (الفتح ٩/ ٤٣٩).
[ ١٧٦ ]
عمر: (أما والله لو أنه مكث، مازلت أعطيه - ما بقي من المال درهم - رجل ضُرب ضربة في سبيل الله، خضَّرت وجهه) (١)، وهكذا يكون الوفاء لذوي سابقة الخير.
ولا ننسى أن نشير إلى التكافل النفسي فإن رسول الله - ﷺ - عبر عنه بالإجمال فقال: «مَن نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (٢).
وقد بلغ من تكافل النبي - ﷺ -؛ أنه كان يتفقد صحابته الذين لا يراهم، ويسأل عن مشاكلهم، وأمثلة ذلك في السنة كثيرة، أختار منها ما ورد في قصة إسلام سلمان الفارسي - ﵁ -، وفي آخرها أنه جاءت النبي - ﷺ - من بعض المغازي مثل بيضة الدجاجة من ذهب، فتذكر سلمان، وأنه بقي عليه مال ليُعتق نفسه، فقال: ما فعل الفارسي المكاتب؟ فأرسل إليه واستدعاه، فلما جاء قال له: (خذ هذه. فأدّ بها ما عليك يا سلمان) (٣)، قال سلمان: (فأوفيتهم حقهم وعُتقت فشهدت مع رسول الله - ﷺ - الخندق ثم لم يَفُتْني معه مشهد)، وكم يكتسب الداعية قلوب المدعُوِّين حين يرون أنه يفكر بهم، ويسعى في أمرهم، ويهيئ الخير لهم!
ومن التكافل الشعوري: تفقُّد حال الأخ، والاطمئنان على ظروفه، وتطييب خاطره، فقد ورد أن ثابت بن قيس بن الشماس لَمَّا نزلت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
_________________
(١) حياة الصحابة ٢/ ٢٢٢ حيث عزاه إلى أبي نعيم في الحلية ٣/ ٣٥٥.
(٢) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي (جامع الأصول ٦/ ٥٦٢ - الحديث ٤٧٩٣).
(٣) مسند أحمد ٥/ ٤٤١ - ٤٤٤. قال الحافظ في الإصابة: رويت قصة سلمان من طرق كثيرة أصحها ما أخرجه أحمد (بلوغ الأماني ٢٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
[ ١٧٧ ]
وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. قال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله - ﷺ -، حبِط عملي وأنا من أهل النار، وجلس في أهله حزينًا، فتفقده رسول الله - ﷺ -، فانطلق بعض القوم إليه، فقالوا له: تفقدك رسول الله - ﷺ -، مالك؟ وأخبروه أن رسول الله - ﷺ - قال: لا، بل هو من أهل الجنة) (١)، وهكذا يشعر كل فرد بقيمته وكل مدعوٍّ بمنزلته في نفس مربِّيه.
ومن أسمى الأخلاق: أن يُقابَل التكافل بعفَّة نفس المحتاج؛ كما فعل عبدالرحمن بن عوف؛ حين رفض تقاسم المال والزوجتين مع الأنصاري، وقال له: (بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟) (٢)، وطلب أن يدُلَّه على السوق ليعمل بيديه، ويعتمد على نفسه، بل كانت ظاهرة عامَّة بعد خيبر، لما استغنى المهاجرون؛ إذ ردُّوا إلى الأنصار ما كانوا أكرموهم به، فقد ورد أنه: (لما فرغ من قتال أهل خيبر، فانصرف إلى المدينة، ردَّ المهاجرون إلى الأنصار منائحهم من ثمارهم ..) (٣).
وإن مجتمعًا يشيع فيه التكافل، لهو المجتمع المتماسك الذي يستطيع أن يجاهد في سبيل الله صفًّا، كأنه بنيان مرصوص، بينما تجد مجتمع الأنانية والبخل متصدعًا من الداخل، تأكله العداوات والأحقاد
_________________
(١) مسند أحمد ٣/ ١٣٧. والآية من سورة الحجرات/٢.
(٢) صحيح البخاري - كتاب مناقب الأنصار - باب ٣ - الحديثان ٣٧٨٠/ ٣٧٨١ (الفتح ٧/ ١١٢).
(٣) صحيح البخاري - كتاب الهبة - باب ٣٥ - الحديث ٢٦٣٠ (الفتح ٥/ ٢٤٢).
[ ١٧٨ ]
قبل حراب الأعداء، فأي المجتمعين نختار لأنفسنا؟ وبأي الأخلاق نتحلَّى؟
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- لا ينعدم التكافل إلا حين تسُود الأنانية.
- غير المسلمين يتكافلون فيما بينهم، وأحيانًا يتكافلون مع المسلمين!
- المشهود له بالتكافل مع الناس لا يخزيه الله.
- من أنصع صور التكافل ما كان بين المهاجرين والأنصار.
- من الصور التي تقتضي مزيدًا من التكافل:
- إعانة الغارم.
- تحرير الرقيق.
- دية المقتول.
- استنقاذ الأسير.
- إعانة الأرامل والأيتام والمعوقين.
- الوقوف مع من أصيب في الله.
- من التكافل النفسي:
- تفقد حال الإخوة لقضاء حوائجهم.
- مراعاة مشاعرهم وإزالة أحزانهم.
- التكافل عظيم، وأعظم منه التعفف.
- مجتمع التكافل مرصوص.
[ ١٧٩ ]