العدل
[ ٢٣١ ]
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
من أغراض الجهاد في الإسلام: إخراج الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن دوافع الهجرة إلى الحبشة أن «فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد» (١)، ومن أهم مزايا دعوة الإسلام أنها نشرت العدل وعمَّمته.
بالرجوع إلى كثير من نصوص القرآن التي تتحدث عن الظلم والظالمين، نجد أنها: نفت عنهم الفلاح، واستبعدتهم من أن ينالهم عهدُ الله، وبشَّرتهم بأن الله لا يحبهم، ولا يزيدهم إلا خسارًا، وحكمت عليهم بالخيبة وسوء العاقبة (٢).
وفي مقابل ذلك فإن لله اسمًا مشتقًّا من العدل، وهو الذي لا يظلم الناس مثقال ذرة، وأمر رسوله بالعدل، وعمَّم الأمر بالعدل على جميع عباده (٣)، وجُعِل في مقدمة السبعة الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله (إمام عادل) (٤).
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٣٢١.
(٢) إشارة إلى الآيات التالية: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧].
(٣) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠].
(٤) صحيح الجامع برقم ٣٦٠٣ (صحيح) وهو في الصحيحين.
[ ٢٣٣ ]
كما جعل الإمام العادل من الثلاثة الذين لا تُرَد دعوتهم (١).
ولكي تقوم حياة الناس على العدل، فقد ذكَّر رسول الله - ﷺ - المسلم بأنه: «كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة» (٢)، وربط عدله في الدنيا بمصيره في الآخرة، حيث يوضع الميزان، ويحاسب الناس بالقسطاس المستقيم، فأخبر - ﷺ - بأن من المُنجِيات: «العدل في الغضب والرضا» (٣)، وهذه أعلى مراتب العدل؛ إذ قد يعدل المرء في حال الرضا، ولكن يندر أن يعدل وهو غاضب أو ساخط أو كاره، وقد خصَّ الله أهل العدل في الدنيا، بإعلاء شأنهم في الآخرة، وتقريبهم منه سبحانه، كما في الحديث: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين -: الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما وُلُّوا» (٤).
والأمة المسلمة لا يشفع لها إسلامها في استحقاق التأييد من الله إذا كانت ظالمة، فمن أسباب التمكين في الأرض، والتأييد من الله، أن يُحال دون تفشِّي المظالم، وأن يعمَّ العدل حياةَ المسلمين، ولذلك يقول ابن تيمية: «إن الله يقيم الدولة العادلة - وإن كانت كافرة - ولا يقيم الدولة الظالمة - وإن كانت مؤمنة -» (٥)، وكذلك فإن دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا؛ لأن فجوره لا يقتضي التعدي عليه بغير حق،
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ٣٠٦٤ (حسن) ونصه (ثلاثة لا يرد الله دعاءهم: الذاكر الله كثيرًا والمظلوم، والإمام المقسط).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الصلح - باب ١١ - الحديث ٢٧٠٧ (الفتح ٥/ ٣٠٩).
(٣) سلسلة الأحاديث ٤/ ٤١٦ الحديث ١٨٠٢ (حسن).
(٤) صحيح مسلم - كتاب الإمارة - باب ٥ - الحديث ١٨٢٧ (٦/ ٤٥٢).
(٥) مجموع فتاوي ابن تيمية ٢٨/ ١٤٦.
[ ٢٣٤ ]
ولا غمط حق من حقوقه، كما في قوله - ﷺ -: «دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه» (١).
إن عدل الله ﷿ يسع البهائم مثلما يسع الناس، ومن الخير للعبد ألا يظلم مخلوقًا في الدنيا من إنسان أو حيوان، وأن يبادر إلى أداء الحقوق في هذه الدنيا مختارًا، قبل أن يقاد بها يوم القيامة، ولذلك يقول رسول الله - ﷺ -: «لتُؤَدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة؛ حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (٢)، ولذلك فإن «مَن كانت عنده مظلمة لأخيه: من عرضه، أو شيء منه، فليتحلَّله منه اليوم، من قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه» (٣)، كما في الحديث الصحيح.
ومهما يكن المظلوم ضعيفًا، فإن الله ناصره، ومن له بالله طاقة حتى يتجرأ على ظلم العباد؟! فقد جاء في الحديث: « ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزَّتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» (٤) فلا يتجرأنَّ ظالم إن أمهله الله؛ لأن الله ناصر كل مظلوم - ولو بعد حين - قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] قال - ﷺ -: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ٣٣٨٢ (حسن).
(٢) أخرجه مسلم والترمذي (جامع الأصول ١٠/ ٤٣٢ برقم ٧٩٦٠).
(٣) أخرجه البخاري (جامع الأصول ١٠/ ٤٣١ برقم ٧٩٥٨).
(٤) أخرجه الترمذي وحسنه ووافقه ابن حجر والأرناؤوط (جامع الأصول ٤/ ١٤٥ برقم ٢١٠٣).
[ ٢٣٥ ]
أخذه لم يُفْلته»، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (١).
وقد كان رسول الله - ﷺ - يُعلِّم أصحابه أن يدعوا ربهم بدفع الظلم عنهم، ووقايتهم من شرور كل ظالم؛ لينمي في نفوسهم بغض الظلم والظالمين، وليزرع في قلوبهم مشاعر العزة والكرامة، وقلما كان يقوم من مجلس حتى يدعو لأصحابه بمثل قوله: «واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا .. ولا تسلِّط علينا من لا يرحمنا» (٢)، وفي حديث آخر دعاؤه: «ربِّ أعنِّي ولا تُعِن عليَّ، وانصرني ولا تنصر علي، واهدني ويسر الهدى إليَّ، وانصرني على من بغى عليَّ » (٣)، أفلا يرتجف قلب الظالم من دعوة مظلوميه؟ أو لا تنبعث في نفوسنا دوافع رفع الظلم وإفشاء العدل والتواصي به؟
ومما يُفتن به الظالم الوجيه في قومه أنه لا يرى مَن يزجره، بل قد يجد مُن يُحسِّن له عدوانه، ويُبرره له بأنه عين الحكمة - كما هو شأن بطانة السوء في كل زمان - فليراجع كل ظالم نفسه إذا كان حريصًا على نجاته، فإن رسول الله - ﷺ - يقول: «يكون أمراء فلا يُرَدُّ عليهم قولهم، يتهاتفون في النار يتبع بعضهم بعضًا» (٤).
وأولى بالبطانة أن تحضَّ على الخير، وتقف مع صاحب الحق، كما كان من رسول الله - ﷺ - حين انتهر الصحابة أعرابيًّا اشتد على رسول الله في طلب دَينه، فقال
_________________
(١) الحديث متفق عليه (جامع الأصول ٢/ ١٩٥ برقم ٦٧١).
(٢) صحيح سنن الترمذي للألباني ٣/ ١٦٨ برقم ٢٧٨٣/ ٣٧٤٩ (حسن).
(٣) صحيح سنن الترمذي للألباني ٣/ ١٧٨ برقم ٢٨١٦/ ٣٨٠٣ (حسن).
(٤) سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/ ٣٩٨ برقم ١٧٩٠ (حسن).
[ ٢٣٦ ]
لهم رسول الله - ﷺ -: «هلَّا مع صاحب الحق كنتم» (١).
ومصداقية الداعين إلى الإسلام أمام أتباعهم، لا تكون إلا بإشاعة روح العدل، ومناصرة المظلومين، وقد قال أحد الدعاة معبّرًا عن هذا المعنى: (لم نسمع من الدعاة ولا من المتمسلمين، صيحات مدوِّية تشق آذان الظلمة، وتنادي بإنصاف العامل المفصول بغير حق، من أجل ذلك أخشى على الإسلام من المنتسبين إليه نفاقًا، والمحسوبين عليه صورة، أكثر مما أخشى عليه من أعدائه المجاهرين برفضه، والمعلنين الحرب على أهله) (٢)، ولذلك تبرأ رسول الله - ﷺ - من الشياطين الخرس؛ الذين يعينون على الظلم بسكوتهم عنه: «إنه سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم قصدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، وليس بوارد عليّ الحوض ..» (٣).
وتمام العدل حين يكون مع الصديق والعدو، كما علّمنا القرآن: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] وقد فقه يهود أن هذا العدل به تقوم السماوات والأرض، حين جاءهم عبد الله بن رواحة مبعوثًا من رسول الله - ﷺ -؛ لتقدير محصولهم من الثمار والزروع، وتقاسمها حسب ما تم الاتفاق عليه بعد فتح خيبر، فحاولوا رِشوة ابن رواحة ليرفق بهم، فقال لهم: «والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من أعدائكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبِّي إيَّاه وبغضي
_________________
(١) صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٥٥/ برقم ١٩٦٩/ ٢٤٢٦ (صحيح).
(٢) السلوك الاجتماعي في الإسلام ص ١٠٨.
(٣) أخرجه الترمذي والنسائي وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ٤/ ٧٥ برقم ٢٠٦١).
[ ٢٣٧ ]
لكم علي ألا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض» (١).
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- اختيار الهجرة إلى الحبشة؛ لأنه لا يظلم فيها أحد.
- الإمام العادل لا تُرَد دعوته ويظله الله في ظل عرشه.
- من أعلى مراتب العدل أن يكون في الغضب والرضى.
- ينصر الله الدولة الكافرة العادلة على ظلمة المسلمين.
- الظلم مُستقبَح حتى مع البهائم.
- التحلل من المظلوم في الدنيا قبل يوم الحساب.
- الله يستدرج الظالمين فإذا أخذهم لم يفلتهم.
- كثير من الأدعية تحمل النفرة من الظلم.
- إذا لم يجد الظالم من يأخذ على يديه تمادى.
- من العدل الوقوف مع صاحب الحق وإن كان وضيعًا.
- من عوامل قبول الداعية وقوفه مع المظلومين.
- تمام العدل أن يكون مع الصديق والعدو.
****
_________________
(١) حياة الصحابة ٢/ ١٠٨ - البداية والنهاية ٤/ ١٩٩.
[ ٢٣٨ ]