الاهتمام بالآخرة
[ ٢٧٥ ]
«من جعل الهموم همًّا واحدًا هم المعاد كفاه الله سائر همومه»
يعيش المؤمن الداعية كثيرًا من الهموم، وربما كان تكاثر الهموم سببًا لتشتيت القلب عن الهدف، ولصرف الهمة إلى مشاغل أهل الدنيا واهتماماتهم فتزول الميزة وينعدم التميز وتختلط الموازين.
إن من هوان أمر الدنيا أن جعلها الله لا تدوم لأحد «إن حقًّا على الله تعالى أن لا يرفع شيئًا من أمر الدنيا إلا وضعه» (١)، وإنما هي أيام يداولها الله بين الناس، فيرفع أقوامًا ويضع آخرين، ويعز أقوامًا ويذل آخرين لتتحقق حكمة الله في ابتلاء العباد.
إن الله يعطي الدنيا للمؤمن والكافر ولا يعطي الدين إلا لمن يحب. وقد تعجب رسول الله - ﷺ - من عبد الله بن عمرو حين رآه يصلح جدار بيته ويطينه فأراد أن يخلي قلبه من التعلق بالدنيا، وأن يُذكِّره بقرب الأجل للاستعداد له، فقال - ﷺ -: «ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك» (٢)، ليجعل الآخرة همه والاستعداد لها شغله فإذا بالغ امرؤ في الانصراف عن أعمار الدنيا والسعي فيها فيحتاج إلى لفتة من نوع آخر ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] بحيث يبقى على جادة القصد والتوازن.
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ٢٠٥٧ (صحيح)
(٢) صحيح الجامع برقم ٥٥٢٦ (صحيح).
[ ٢٧٧ ]
وإن العبد المحفوف بالنعيم قد يكون مُستدرَجًا لمزيد من المسؤولية والعذاب وهو لا يدري «إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج» (١)، فلا تحزن على ما فاتك منها، ولا تمُدنَّ عينَيْك إلى ما أوتي الناس من الدنيا فربما كانوا لا يحسدون عليها إذا لم يؤدُّوا حقها.
والخطورة في أن تكون هذه النِّعم الأجر العاجل ليُحرَم صاحبها الأجر الآجل حيث يكون في أشد الحاجة لما يرجح كف حسناته؛ ولذلك طيب رسول الله - ﷺ - خاطر أصحابه حين ذكروا نعيم الروم والفرس، فقال: «أولئك قوم عُجِّلت لهم طيِّباتُهم في الحياة الدنيا» (٢).
وغالب حال الناس كما قال - ﷺ -: «أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا في الآخرة» (٣)، وذلك لقلة الشاكرين، وكما قال ربنا ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨].
وكل نعمة مهما صغرت، عليها حساب ومسؤولية، فالمسكين مَن لم يقم بحقها لا من حرم منها في الدنيا: «إن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصحَّ لك جسمك ونُروِيَك من الماء البارد؟» (٤).
ولذلك كان من علامة طريق الجنة أنه محفوفٌ بالبلاء، ولا يهون
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ٥٦١ (صحيح).
(٢) صحيح البخاري - كتاب المظالم - باب ٢٥ - الحديث ٢٤٦٨ (الفتح ٥/ ١١٦)
(٣) صحيح الجامع برقم ١١٩٩ (حسن)
(٤) صحيح الجامع برقم ٢٠٢٢ (صحيح).
[ ٢٧٨ ]
البلاء إلا على من جعل الآخرة همه، «حُفَّت الجنة بالمكاره وحُفَّت النار بالشهوات» (١).
وإن كمسؤولية المسلم الذي يُقدِّر الله حق قدره أن يوحد همه فيفكر في المال والمصير، لا أن يصرف كل جهده وفكره ووقته في صغائر الأمور وتوافهها. وبقدر ما يكون لله في قلب العبد من توقير وإجلال ورهبة يكون للعبد عند الله من الأجر والمنزلة «من أراد أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده» (٢).
ومن كان دائم التفكير في رضي الله فإنه لا تشغله النعمة ولا يعميه البلاء، ومن كان مع الله في اليسر كان الله له في العسر «تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» (٣).
ومثل هذا الحال يقتضي من المؤمن أن يكون دائم الرقابة لله والحياء منه أكثر مما يحتاط ويستحيي من البشر «ما كرهتَ أن يراه الناس منك فلا تفعله بنفسك إذا خلوت» (٤)، و«اعبُدِ الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٥).
والمهتم بآخرته إذا ذكر بخطئه سريع الفيئة قريب الرجعة «إذا ذُكِّرتم بالله فانتهوا» (٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم والترمذي (جامع الأصول ١٠/ ٥٢١).
(٢) صحيح الجامع برقم ٦٠٠٦ (حسن).
(٣) صحيح الجامع برقم ٢٩٦١ (صحيح).
(٤) صحيح الجامع برقم ٥٦٥٩ (حسن).
(٥) صحيح الجامع برقم ١٠٣٧ (حسن).
(٦) صحيح الجامع برقم ٥٤٦ (حسن).
[ ٢٧٩ ]
والذي يخاف الله في الدنيا ويحذر معصيتَه ويحتاط لأمر آخرته، فذلك هو الآمن يوم القيامة «قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي» (١).
والمهتم بآخرته يفكر فيما يقربه إلى الجنة ويباعده عن النار، وقد جعل الله مدار المسؤولية على انبعاث إرادة الإنسان إلى الطاعة أو المعصية لذلك قال - ﷺ -: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شِراك نعله، والنار مثل ذلك» (٢)، وإذا صدق المرء في مجاهدة نفسه يسر الله له السبيل ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦].
والمهتم بآخرته لا يرى الدنيا دار قرار لشعوره بقرب الرحيل إلى دار الخلود، قال - ﷺ -: «قال لي جبريل: يا محمد عِشْ ما شئتَ فإنك ميِّت، وأحبِبْ مَن شئت فإنك مُفارِقه، واعمَل ما شئتَ فإنك مُلاقِيه» (٣).
ولذلك كا مما تعجب منه - ﷺ - انفتاح أبواب الخير وغفلة الإنسان عنها ولاحقة الفتن للمرء وعدم فراره منها «ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها» (٤)، بينما يكون المهتم بآخرته شديد الحرص على اتقاء المنكرات، والمسارعة في الخيرات.
وحال المهتم لأمر آخرته التخفف من العلائق والزهد بالصوارف
_________________
(١) صحيح الجامع برقم ٤٣٣٢ (حسن).
(٢) أخرجه البخاري (جامع الأصول ١٠/ ٥٢٢ برقم ٨٠٧١).
(٣) صحيح الجامع برقم ٤٣٥٥ (حسن).
(٤) أخرجه الترمذي (جامع الأصول ١١/ ١٩ برقم ٨٤٨٧).
[ ٢٨٠ ]
«كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» (١) والجدية في الحياة علامة مميزة للراغب الراهب «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» (٢) والهمة في العمل علامة صدق الاستعداد للآخرة والخوف من الله، وذلك ما مثله رسول الله - ﷺ - بقوله: «مَن خاف أدلج ومَن أدلَج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» (٣)، أما من كان سفره طويلًا، وانطلاقه متأخرًا، وحركته بطيئة، وهمته ضعيفة فلن يبلغ مراده، ولن يصل إلى مقصوده.
ومن أهم ما يورثه الاهتمام بأمر الآخرة أن يزيح الله به عن القلب باقي الهموم ليصفوَ القلب لله وإن كان في بحر من الابتلاءات، قال - ﷺ -: «من جعل الهموم همًّا واحدًا همَّ المعاد كفاه الله سائر همومه، مَن تشعَّبت به الهموم من أحوال الدنيا لم يُبالِ الله في أي أوديتِها هلك» (٤).
و«مَن كانت الآخرة همَّه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومَن كانت الدنيا همَّه؛ جعل الله فقرَه بين عينَيْه، وفرَّق عليه شمله. ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قُدِّر له» (٥).
فتجارة الآخرة لا تبور، والتهافت على الدنيا لا يغير المقدور.
_________________
(١) أخرجه البخاري والترمذي (جامع الأصول ١/ ٣٩٢ برقم ١٨٥).
(٢) صحيح البخاري - كتاب التفسير - باب ١٢ - الحديث ٤٦٢١ (الفتح ٨/ ٢٨٠).
(٣) صحيح الجامع برقم ٦٢٢٢ (صحيح)، ومعنى الإدلاج: السير في أول الليل. والمراد به التشمير في أول الأمر، فإن سار من أول الليل كان جديرًا ببلوغ المنزل (جامع الأصول ٤/ ٩/ الحديث ١٩٨١).
(٤) صحيح الجامع برقم ٦١٨٩ (حسن).
(٥) صحيح الجامع برقم ٦٥١٠ (صحيح).
[ ٢٨١ ]
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- من سنة الله في أمور الدنيا أنها ترفع وتوضع
- من هوان الدنيا على الله أنه يَهَبُها للكافر.
- لكما زادت النعم عظُمت المسؤولية.
- قد تكون النعم عاجل الأجر لصاحبها
- من علامة طريق الجنة أنه محفوف بالبلاء.
- المهتم بآخرته:
- يتعرف إلى الله في الرخاء والشدة.
- سريع الفيئة إذا أخطأ.
- يفكر فيما يقربه إلى الجنة ويباعده من النار.
- لا يرى الدنيا دار قرار.
- يتخفَّف من الدنيا ويزهد.
- شديد الهمة والخوف من الله.
- يجعل همومه هما واحدًا هم المعاد.
- غنى القلب.
****
[ ٢٨٢ ]