الطيبة
[ ٣٢٩ ]
«حتى يَميز الخبيث من الطيب».
نعني بالطيبة سلامة الصدر، وصفاء النفس، ورقة القلب، ويتأصل هذا الخلق باستمرار التزكية للنفس، ثم تنعكس آثاره على السلوك: أخوةً وسماحةً وسكينةً ووفاءً، والذين يفتقدون هذا الخلق، تراهم غارقين في صور من التحاليل والكيد، وسوء الظن والخبث.
ومعنى «الطيب» في اللغة: الطاهر والنظيف، والحسن والعفيف، والسهل واللين، وذو الأمن والخير الكثير، والذي لا خبث فيه ولا غدر (١)، ومن هذه المعاني نفهم المراد بالرجل الطيب، والزوجة الطيبة، والبلدة الطيبة، والقول الطيب، والذرية الطيبة، والريح الطيبة، والحياة الطيبة، وكلها معاني طهر وعفة وصفاء ونقاء، وهذا حال صاحب خلق «الطيبة».
إن الله ﷿ حين خلق بني آدم «جعل منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ذلك» (٢)، ولا يستوي الخبيث والطيب، ولا يأتلف كل واحد إلا مع قرينه وشبيهه.
وحرصًا من النبي - ﷺ - على اعتزاز المؤمن بالطيبة، نهاه أن
_________________
(١) يراجع في لسان العرب مادة (طيب) ١/ ٥٦٣.
(٢) مسند أحمد ٤/ ٤٠٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم ١٧٥٩.
[ ٣٣١ ]
ينسب الخبث إلى نفسه، فقال: «لا يقولن أحدكم خَبُثَت نفسي ..» (١)، ويورد ابن حجر قول ابن أبي حمزة في بيان الحكمة من هذا النهي، فيقول: (وفيه أن المرء يطلب الخير حتى بالفأل الحسن، ويضيف الخير إلى نفسه ولو بنسبة ما، ويدفع الشر عن نفسه مهما أمكن، ويقطع الوصلة بينه وبين أهل الشر حتى في الألفاظ المشتركة) (٢).
ولقد شبه النبي - ﷺ - المؤمن الذي يقرأ القرآن بثمرة «الأترُجَّة»: «طعمها طيب وريحها طيب» (٣)، وضرب للمؤمن مثلًا آخر، فقال: «والذي نفس محمد بيده، إن مثل المؤمن لكمثل النحلة، أكلت طيبًا، ووضعت طيبًا ..» (٤)، وكلها تؤكد على أصالة عنصر الطيبة في نفسية المؤمن، وسمة الخيرية في تعامله.
والرجل الطيب، قد يختلف حاله .. فيكون أحيانًا أكثر انشراحًا، وأحسن بشاشة .. تبعًا لما يمر به من أقدار، وقد لاحظ الصحابة - ﵃ - ذلك مرةً على الرسول - ﷺ -، فقال بعضهم: «نراك اليوم طيب النفس، فقال: أجل. والحمد لله. ثم أفاض القوم في ذكر الغنى. فقال: لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خير من الغنى،
_________________
(١) (صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ١٠٠ - الحديث ٦١٧٩ (الفتح ١٠/ ٥٦٣)
(٢) فتح الباري ١٠/ ٥٦٤
(٣) صحيح البخاري - كتاب التوحيد - باب ٥٧ - الحديث ٧٥٦٠ (الفتح ١٣/ ٥٣٥)
(٤) مسند أحمد ٢/ ١٩٩ - وإسناده قوي: كما في تخريج الحديث ٨٧٦ في سلسلة الأحاديث الصحيحة.
[ ٣٣٢ ]
وطيب النفس من النعيم» (١).
والعبادة صورة يومية من صور جلاء القلب، وتصفية النفس من كل خبث، ويؤكد هذا المعنى ما رواه البخاري، من أن الشيطان يعقد على قافية النائم ثلاث عقد، قائلًا له: «عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضَّأ انحلت عقدة، فإن صلَّى انحلَّت عقده كلها، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان.» (٢).
يقول ابن حجر: (قوله: طيب النفس؛ أي: لسروره بما وفَّقه الله له من الطاعة، وبما وعده من الثواب، وبما زال عنه من عقد الشيطان. كذا قيل. والذي يظهر أن في صلاة الليل سرًا في طيب النفس ..) (٣).
وما جعل الله مواطن البلاء إلا للتمحيص والتمييز، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ٧٩]، وفي ظلال الآية: أن دور الأمة المسلمة (يقتضي التجرد والصفاء، والتميز والتماسك .. وكل هذا يقتضي أن يصهر الصف؛ ليخرج منه الخبث .. ومن ثَمَّ كان شأن الله - سبحانه - أن يَميز الخبيث من الطيب) (٤)، وتجري سنة الله في أن الزَّبَد يذهب جُفاءً، وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض.
_________________
(١) صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٦ - كتاب التجارات - باب ١ - الحديث ١٧٤١/ ٢١٤١ (صحيح)
(٢) صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق - باب ١١ - الحديث ٣٢٦٩ (الفتح ٦/ ٣٣٥)
(٣) فتح الباري ٣/ ٢٦ من شرح الحديث ١١٤٢ من كتاب التهجد.
(٤) في ظلال القرآن ١/ ٥٢٥.
[ ٣٣٣ ]
المؤمن الطيب رجل متورِّع عن الشبهات، ولقد كان أبو طلحة في مرض له ينزع غطاء فراشه؛ لما عليه من نقوش؛ فلما اعترض عليه بأنه ليس في الغطاء تصاوير منهي عنها، أجاب: (بلى. ولكنه أطيب لنفسي) (١).
والمؤمن الطيِّب يحافظ على صفاء الود مع أخيه، كما في الحديث القدسي: «وحُقَّت محبتي للذين يتصافون من أجلي» (٢)، ويبادر إلى زيارة أخيه المسلم، أو عيادته، فيقول الله له: «طبتَ وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا» (٣). فالتصافي والتواصل علامة طيبة، ولا يتخلق بها إلا الطيب.
والمجاهد الطيب لا يطمئن قلبه بالقعود حين يستنفر الناس، ولذلك وصف رسول الله - ﷺ - نفسية صحابته الكرام - لو أنه خرج في كل سرية - فقال: «ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي» (٤). ولذلك كان المنافقون - لما في نفوسهم من الخبث - لا يتحرَّجون من أن يتعللوا بأعذار واهية، ورسول الله - ﷺ - مع صحابته في الحر والنصب، والمنازلة والطعان.
وتطييب قلوب عباد الله من علامات طيب القلب، فقد وصف
_________________
(١) صحيح سنن الترمذي ٢/ ١٥٠ - كتاب اللباس - باب ١٨ - الحديث ١٤٣١/ ١٨١٩ (صحيح)
(٢) ميند أحمد ٤/ ٣٨٦ وطرفه «إن الله ﷿ يقول: قد حقت محبتي »
(٣) صحيح سنن الترمذي ٢/ ١٩٥ - كتاب البر - باب ٦٣ - الحديث ١٦٣٣/ ٢٠٩٣ (حسن)
(٤) صحيح مسلم - كتاب الإمارة باب ٢٨ - الحديث ١٠٦ (شرح النووي ١٣/ ٢٥)
[ ٣٣٤ ]
رسول الله - ﷺ - الذين يؤدون إلى الناس حقوقهم - وافية وزائدة - بقوله: «أولئك خيار عباد الله عند الله يوم القيامة: المُوفُون المطيبون» (١)، وأقصر طريق إلى القلوب بالكلمة الطيبة: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يكن فبكلمة طيبة» (٢)، وقد وصف الله الصالحين من عباده بقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤].
وإن الملائكة لتستقبل أرواح الطيبين: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]، وقد قال - ﷺ -: «الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فينفتح لها، فيقال: مَن هذا؟ فيقولون: فلان.
فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان. فلا يزال يقال لها ذلك، حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿. وإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري حتى تخرج، ثم يعرج إلى السماء، فلا يفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك
_________________
(١) مسند أحمد ٦/ ٢٦٩ ومطلعه: (ابتاع رسول الله - ﷺ - من رجل من الأعراب جزورًا)
(٢) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ٣٤ - الحديث ٦٠٢٣.
[ ٣٣٥ ]
أبواب السماء، فيرسل بها من السماء ثم تصير إلى القبر» (١)، وعلى أبواب الجنة يقال لأهل الطيبة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] بعد أن أحياهم الله الحياة الطيبة في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح.
إن غلبة التعامل بالطيبة، ونقاء المجتمع من الخبث، حصانة من غضب الله وانتقامه، ولذلك تساءلت زينيب بنت جحش: «أفنَهلِكُ وفينا الصالحون؟»، فأجابها رسول الله - ﷺ -: «نعم إذا كثر الخبث» (٢).
قال ابن العربي: (وفيه البيان بأن الخير يهلك بهلاك الشرير، إذا لم يغير عليه خبثه) (٣).
الطيب نقي القلب، سليم السريرة، حسن الظن بالناس .. ومن دعائه - ﷺ -: «ونق قلبي من الخطايا، كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس» (٤)، ولا يغُرَّنَّك ما يلصقه الخبثاء بالطيبين: من صفات الغفلة، وضعف العقل، وقلة الحيلة، والهوان على الناس. فلأن تكون مقبولًا عند الله خير لك من أَوْسِمة الدهاء والحيلة والخبث.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- من معاني الطيبة في اللغة والقرآن.
- المؤمن يعتز بطيبته.
_________________
(١) صحيح سنن ابن ماجه - كتاب الهد - باب ٣١ - الحديث ٣٤٣٧/ ٤٢٦٢ (صحيح).
(٢) صحيح البخاري - كتاب الفتن - باب ٢٨ - الحديث ٧١٣٥ (الفتح ١٣/ ١٠٦).
(٣) نقلًا عن فتح الباري ١٣/ ١٠٩.
(٤) صحيح البخاري - كتاب الدعوات - باب ٣٩ - الحديث ٦٣٦٨ (الفتح ١١/ ١٧٦٩.
[ ٣٣٦ ]
- العبادات تؤصل الطيبة في القلب.
- طيب النفس من النعيم.
- مواطن البلاء تميز الخبيث من الطيب.
- الطيب يتورع عن الشبهات.
- الملائكة تدعو للمتحابين الطيبين.
- لا يطيب قلب المؤمن بالقعود حين يُستنفر الناس.
- من طيب القلب تطييب قلوب العباد.
- النفس الطيبة ترحب بها الملائكة.
- غلبة التعامل بالطيب وقاية من غضب الله.
- أبرز ما في الطيب نقاء قلبه وسلامة سريرته.
[ ٣٣٧ ]