الإعذار
[ ٣٨١ ]
«مَن أقال مسلمًا أقاله الله عثرته».
لما بالغ الناس بسوء الظن وبالمبادرة الى التعنيف والتأثيم، كان لا بدَّ من وقفة مع (الإعذار)، ونعني به: العفو عن المخطئ المستعفي عن إساءته، وقبول عذر صاحب العذر، والتماس العذر لمن لا نعرف عذره.
يساعدك في قبول عذر إخوانك أو التماس العذر لهم، أن تكون في تقويم الناس والحكم على أعمالهم، بعيدًا عن الاعتداد برأيك، متهمًّا لنفسك، يقول سهل بن حُنَيف - ﵁ -: (يا أيها الناس! اتهموا رأيكم على دينكم؛ لقدر رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله - ﷺ - لرددته ..) (١)، وعلل مقولته تلك بأنهم - في نظر العقل - ما كانوا يعذرون رسول الله - ﷺ - في صلح الحديبية، مما كاد يجعلهم يردون أمر رسول الله - ﷺ -، فتوقع سوء التقدير منك قبل المسارعة إلى اتخاذ رأي أو موقف.
كما يساعدك على الإعذار؛ الفقه في الدين وإدراك حدود الشرع، يقول أنس بن مالك: (لقد كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - صلاة، لو صلاها أحدكم اليوم لعِبْتُموها عليه) (٢)، فقد يكون منشأ إنكارك هو جهلك، وليس خطأ أخيك.
وحين يخالفك أخوك في الاجتهاد، قد يكون في الأمر سَعة لا
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الاعتصام - باب ٧ - الحديث ٧٣٠٨.
(٢) مسند أحمد ٣/ ١٥٨، موقوفًا على أنس بن مالك.
[ ٣٨٣ ]
تقتضي الإنكار عليه، يقول أنس بن مالك: (كنا نسافر مع النبي - ﷺ - فلم يُعِب الصائم على المُفطِر ولا المفطر على الصائم) (١)، وفي مثل هذه المواطن تجد الحكمة في أن نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.
وليس من التقوى أن تتتبع عَوْرات الناس، وتحصى عليهم زلاتهم، فقد (نهى رسول الله - ﷺ - أن يطرق الرجل أهله ليلًا؛ يتخوَّنهم، أو يلتمس عثراتهم) (٢)؛ وذلك لأن الأصل حسن الظن والستر، وليس إقامة الحجة على الناس بتأثيمِهم أو استدراجهم للوقوع في الإثم، فذلك مخالف لخلق (الإعذار).
وإذا عرَض أخوك عليك عذرًا، فلا تُجادِله فيه، يقول ابن القيم: (وعلامة الكرم والتواضع، أنك إذا رأيت الخلل في عذره، لا توقفه عليه ولا تحاجه؛ وقل: يمكن أن يكون الأمر كما تقول) (٣).
وإن دواعي الإعذار لكثيرةٌ؛ على رأسِها أن الله سبحانه يحب أن يعذر ولذلك لا يعذب عباده؛ حتى يقيم عليهم الحجة؛ بحيث لا يبقى لهم عذر، وقد صرح بذلك رسول الله - ﷺ - بقوله: «ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين» (٤).
وكل واحد منا لا بد أن يهفو، ويحب عندئذٍ أن يجد من
_________________
(١) صحيح البخاري - كتاب الصوم - باب ٣٧ - الحديث ١٩٤٧.
(٢) صحيح مسلم - كتاب الإمارة - باب ٥٦ - الحديث ١٨٤.
(٣) تهذيب مدارج السالكين - منزلة التواضع - ص ٤٣٣.
(٤) صحيح البخاري - كتاب التوحيد - باب ٢٠ - الحديث ٧٤١٦.
[ ٣٨٤ ]
يعذره، ولذلك جاء في الحديث: «مَن أقال مسلمًا أقاله الله عثرته» (١)، فتجاوزك عن عثرة أخيك تجده في تجاوز الله عن عثرتك.
ومن دواعي الإعذار مراعاة الضعف البشري الذي يصيب كل إنسان، فإن آخر رجل يدخل الجنة كلما أعطاه ربه شجرة قريبة إلى الجنة يستظل بها، ويشترط الله عليه أن يعاهد على ألا يطلب غيرها، وبعد أن يعاهد على ذلك، يرى شجرة غيرها أقرب إلى الجنة، فيطلب من ربه أن يدنيه إليها، والرسول - ﷺ - يقول: «وربه ﷿ يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه» (٢)، لو تذكرت هذا فسوف تعذر أخاك في كثير مما لا صبر له عليه، وكلنا نضعف.
ومن صور الإعذار أن تعذر صاحب المنزلة والوجاهة الذي لا يعرف بالشر، فلا تغلظ عليه، فإن رسول الله - ﷺ - أمر بإقالة عثرته: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» (٣).
ولما بدأت بوادر عداوة عبد الله بن أبي لرسول الله - ﷺ -، قال سعد بن عُبادة: «يا رسول الله، اعفُ عنه واصفح» (٤) وعلل طلب العفو؛ بأن هذا الرجل كاد يتوج ملكًا على المدينة، وأنه أحس وكأن النبي - ﷺ - بقدومه إلى المدينة - قد استلبه ملكًا، وذلك سر عداوته، وكان هذا التعليل محاولة من سعد بن عبادة لإعذار رأس المنافقين أمام
_________________
(١) صحيح سنن ابي داود للألباني - كتاب الإجازة - باب ١٨ الحديث ٢٩٥٤/ ٣٤٦٠ (صحيح).
(٢) صحيح مسلم ح - كتاب الإيمان - باب ٨٣ - الحديث ١٨٧. ورواه أحمد ١/ ٤١٠.
(٣) صحيح سنن أبي داود للألباني - كتاب الحدود - باب ٤ - الحديث ٣٦٧٩/ ٤٣٧٥ (صحيح).
(٤) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب ١١٥ - الحديث ٦٢٠٧.
[ ٣٨٥ ]
عوامل الضعف البشري.
ولما نزلت آية القذف تشترط أربعة شهود، تساءل سعد بن عبادة: «أهكذا نزلت يا رسول الله؟!»، فتعجب النبي - ﷺ - من تساؤله، غير أن الأنصار قالوا: «يا رسول الله! لا تلمه؛ فإنه رجل غيور» ثم تكلم سعد: «والله يا رسول الله! إنى لأعلم أنها حق، وأنها من الله تعالى» (١)، ووضح سبب تساؤله، بأنه لو ذهب يبحث عن أربعة شهود، يكون الزاني قد قضى حاجته، فقبِل رسول الله - ﷺ - عذره، وأعلمه أن الله أغير منه، وهكذا إن كان لأخيك طباع خاصة تدفعه إلى سلوك لا ترضاه فتأول له، وأرفق به، واستوضحه.
وإن من دواعي الأعذار توقع الجهل من المذنب ففي حديث ماعز أنه لما جاء يعترف بالزنا قال له النبي - ﷺ -: «لعلك قبَّلت، أو غمزت، أو نظرت»، يقول ابن عباس: (كأنه يخاف ألا يدري ما الزنا) (٢)، فخشية أن يكون قد جهل المعنى الشرعي للزنا استفسر، فلما تحقق من وقوعه فيما لا يحتمل الشك، أقام عليه الحد الشرعي.
ومن شواهد الأعذار بالجهل قصة رجل ممن قبلنا، «طلب من بنيه أن يُحرقوه إذا مات، ويذروه في الريح؛ حتى لا يقدر الله على جمعه وتعذيبه - بظنه - فجمعه الله، وسأله ما دفعك إلى هذا؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر الله له» (٣)، واستدل بعض العلماء بذلك على أعذار هذا
_________________
(١) مسند أحمد ١/ ٢٣٨. والقصة عن البخاري (حدود - باب ٤٠) ومسلم (اللعان - باب ١٦).
(٢) هذا جمع بين رواية البخاري (حدود - باب ٢٨ - الحديث ٦٨٢٤) ورواية مسند أحمد ١/ ٣٢٥، وموضع الشاهد من رواية أحمد.
(٣) صحيح البخاري - كتاب الأنبياء - باب ٥٤ - الحديث ٣٤٨١. وله روايات عديدة ويراجع فتح الباري ٦/ ٥٢٢ - ٥٢٣.
[ ٣٨٦ ]
الرجل بجهله في مسألة من مسائل العقيدة، أو أعذاره بشدة خوفه من الموت، وأنه لم يقصد حقيقة ما قال، أفلا تعذر أخاك بجهله فيما هو أدنى من هذا؟! مع أن هذا في حق الله، أفلا تعذر في حق نفسك؟ قال ابن القيم: (من أساء إليك، ثم جاء يعتذر عن إساءته، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته - حقًّا كانت أو باطلًا - وتكل سريرته إلى الله) (١)، فكن متواضعًا واعذِرْ.
وإنَّ بعض جوانب الخير في شخصية أخيك المسلم لتدعوك أن تعذِرَه، بأن الشر ليس أصيلًا في نفسه، وفي صحيح البخاري أن رجلًا جلد بشرب الخمر، فلعنه رجل من القوم، فقال النبي - ﷺ - «لا تلعنوه، فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله» (٢)، فالأعذار بلمسة الحنان والرفق والإعانة على الشيطان، فيما عدا الحد فإنه حق الله، ولا رأفة فيه إذا ثبت، يقول ابن القيم: (الله ﷿ أرحم وأغنى وأعدل من أن يعاقب صاحب عذر، والثابت أنه لا عذر لأحد البتة في معصية الله ومخالفه أمره، مع علمه بذلك، وتمكنه من الفعل والترك) (٣)، فإنه لا تعارض بين وجوب الأعذار، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكم تكون ظالمًا حين تتهم النيات! وكم تكون متكبرًا حين تستعلي على عذر أخيك.
بالأعذار تستطيب القلوب، وتقضي على بذرة الشر، وتستأصل الضغينة، وتعين على التوبة، فلنخذل
_________________
(١) تهذيب مدارج السالكين - منزلة التواضع - ص ٤٣٣.
(٢) صحيح البخاري - كتاب الحود - باب ٥ - الحديث ٦٧٨٠.
(٣) تهذيب مدارج السالكين - منزلة التوبة ص ١٢٦.
[ ٣٨٧ ]
الشيطان ولنعذر.
خلاصة هذا الفصل وعناصره:
- الأعذار قبول العذر أو التماسه.
- يعين على الأعذار:
- عدم تقديم الرأي على الدين.
- إدراك حدود الشرع والعلم بالرخص.
- إحسان الظن بالناس.
- من دواعي الأعذار:
- أن الله سبحانه يحب أن يعذر.
- كل امرئ يحب أن يجد مَن يعذره.
- مراعاة الضعف البشري.
- إقالة ذوي الهيئات.
- توقع الجهل من المذنب.
- وجود جوانب خير في شخصية أخيك.
- من الظلم اتهام النوايا وعدم قبول العذر.
****
[ ٣٨٨ ]